9- فيلم الكيف

فيلم " الكيف" للمؤلف المبدع " محمود أبو زيد" هو أحد الثلاثية الشهيرة له وهى أفلام " العار" و" جرى الوجوش" و" الكيف" وهى ثلاثية أفلام هادفة إذ يميز أفلام محمود أبو زيد هو رغبتها فى توصيل معلومة وقيمة أخلاقية للمشاهد مفادها أنه أبدا لن تكون الغاية مبررا للوسيلة وأن الحق حق والباطل باطل مهما تم تبرير الباطل وتصنع الإضطرار للدخول فيه ، ومن الناحية الفنية قد يعيب أفلام محمود أبو زيد هو " المباشرة فى توصيل المعلومة أو القيمة الأخلاقية " ولكنه نجح فى إضعاف ذلك العيب بإدخال أفلامه فى منحى كوميدى أو تراجيدى يجعل المشاهد لا يستشعر تلك " المباشرة فى توصيل المعلومة أو القيمة الأخلاقية "، فيلم " الكيف" متخم بـ"الأفيهات" التي لا تزال إلى الآن متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي على شكل صور "كوميكس"، و"ميمز" بكلمات لم يقلها أبطال الفيلم، لكن صورتهم كافية لإقناعك بأن الكلام منطقي، تماما مثل منطق "المزاجانجي"، فإلى فيلم " الكيف " والتحليل الفنى والدرامى...

9- فيلم الكيف

9- فيلم الكيف

قصة الفيلم:

شقيقان من أسرة محافظة لأب تربوي. نجح الشقيق الأكبر صلاح أبو العزم (يحيى الفخراني) في حياته العلمية والعملية حيث تخرج في كلية العلوم قسم الكيمياء وعمل بإحدى الشركات الحكومية بعد حصوله على درجة الدكتوراه. يعيش حياة هادئة مع زوجته رجاء (نورا) وابنه الوحيد كوكي (كريم أبو زيد) برغم ظروف المعيشة القاسية وراتبه الحكومي الذي يقضي احتياجاته الشهرية بصعوبة بالغة لكنه قانع بما قسمه الله له....

أما الشقيق الآخر جمال أبو العزم (محمود عبدالعزيز) فشل في حياته العلمية بعد أن تم فصله من كلية الحقوق فلم يجد غير طريق الضياع مع الموسيقيين والأفراح الشعبية وتجار المخدرات وأصبح مدمن للحشيش الذي لا يفارقه أينما ذهب. حزن الأخ الأكبر على حال شقيقه الأصغر بعدما وجده عبداً للكيف. يصنع صلاح لجمال توليفة من الحنة ومواد العطارة والزيوت العطرية والروائح الكيماوية تشبه الحشيش تماماً في اللون والملمس والخامة والرائحة لكنها تخلو تماما من المخدرات وأعطاها لشقيقه فخدع فيها وتناولها هو وأصحابه على أنها قطعة حشيش أصلية. وبعدها بيوم فاجئه شقيقه الأكبر بأن ما شربه بالأمس ليس بالحشيش وإنما توليفة عطارة خالية تماماً من المخدرات وحاول إقناعه أن الكيف ما هو إلا وهم يحققه ضباب الدخان وضجيج المجلس....

يحاول جمال استغلال عبقرية أخيه وأقنعه أنه سيحاول الامتناع عن المخدرات الحقيقية بشرط أن يصنع له قطعة كبيرة يفرقها على أصحابه ويشرب منها ليبتعد تدريجيا عن المخدرات الحقيقة. وافق الأخ الأكبر وصنع له قطعة كبيرة لهذا الغرض البريء. لكن جمال استغل أحد تجار المخدرات عبده الكرف (محيي الدين عبدالمحسن) ليبيع له هذه القطعة لأحد التجار على أنها مخدرات حقيقية ووعده أن هناك كمية أكبر سيتعاملون بها مستقبلا. وبالفعل وصلت القطعة لأكبر تجار المخدرات سليم البهظ (جميل راتب) عرف من النظرة الأولى إنها ليست مخدرات ولكنه أعجب بعبقرية صانعها خاصة إنه لن يجد صعوبة في تحويلها لمخدرات بطحن كمية من حبوب الهلوسة وخلطها مع الخلطة البريئة لصلاح أبو العزم. بعدها أقنع جمال شقيقه صلاح ببيع هذه الخلطة لتجار المخدرات لأنها غير ضارة بصحة من يتعاطاها من البشر وبالتالي فهي خدمة قومية جليلة تحمي الناس من أضرار المخدارت لاعتقادهم أنهم يشربون مخدرات حقيقية وإنما في حقيقة الأمر هي خلطة غير ضارة من صنع الكيميائي صلاح أبو العزم. مرت الأيام وحقق الشقيقان مبالغ كبيرة من توزيع هذه الخلطة فأوهم صلاح زوجته أن دخله الزائد بسبب عمله بإحدى الشركات بعد الظهر بينما استثمر جمال ماله في تسجيل شريط كاسيت يحتوي على كلمات وأغاني هابطة. إلى أن اكتشف الكيميائي صلاح عن طريق الصدفة أن خلطته مضاف إليها حبوب الهلوسة وأن أضرارها أبشع بكثير من أضرار تناول الحشيش الحقيقي. فامتنع عن صناعة المزيد من خلطته وطالب شقيقه بسحب الكمية المطروحة في الأسواق قبل أن يموت الآلاف من البشر بسببها.....

وبالطبع فشل الأخ الأصغر جمال في ذلك. في الوقت الذي طلب التاجر الكبير من جمال تجهيز طن من الخلطة بعد أن أعلمه بأنه عرف حقيقة الأمر وأنه كان يشتري حنة وليس حشيش. ذهب جمال إلى أخيه يطالبه بتجهيز الطن بسرعة خوفاً من بطش التاجر الكبير فرفض الأخ. فاضطر التاجر إلى خطف جمال أبو العزم وتعذيبه لكي يرشده على من يصنع هذه التركيبة السحرية. لم يتحمل جمال التعذيب وأرشدهم على عنوان شقيقه. فأحضروه ولم يلب طلب التاجر بل أهانه وبصق في وجهه مما دفع التاجر إلى الانتقام منه وجعله أسيراً له بعد أن حقنه بالمخدرات وحبسه. فأصبح صلاح بعدها حمل وديع يصنع له ما يريد. تحول صلاح أبو العزم الكيميائي المحترم ذو المبادئ والأخلاق الحميدة إلى مدمن مخدرات هو الآخر ولكن رغماً عنه. في الوقت الذي تاب فيه شقيقه جمال عن الغناء الهابط والمخدرات تماماً بعد ما شاهده من ذل له ولشقيقه. فتبدلت المواقع وعاد الفيلم لنقطة البداية. فبدلاً من أن ينقذ صلاح شقيقه من أضرار المخدرات أصبح هو مدمن بغير رغبته بينما امتنع شقيقه عن الإدمان برغبته وليس بإلحاح شقيقه الأكبر الذي خسر كل شئ كصحته وبيته وعمله...

التحليل الدرامى:

فى " فيلم العار" كان محور الفيلم أن عار تلك العائلة ليس إفتقارهم المحتمل بعد وفاة الأب الذى اتضح أن ثراؤه ليس إلا نتاج تجارة الحشيش ، ولكن عارهم الحقيقى أنهم بالرغم من تعليمهم الراقى آثروا الإستمرار فى طريق الرزق الحرام لتكون نهايتهم التى أوصلتهم للجنون بأنهم رغم سلوكهم طريق الشيطان لم يستفيدوا أيضا فخسروا كل شئ وخسروا أنفسهم وهو الخسران المبين، وقد سبق تحليل ذلك الفيلم على تلك المدونة على ذلك الرابط.

فى " فيلم جرى الوحوش" كان محور الفيلم أن العلم مهما بلغ مداه ومهما أوتى من قوة وإتقان لن يستطيع التغلب على أقدار الله المقسومة ، وأن البشر – بالرغم من الصورة الظاهرة لعدم التساوى فيما بينهم- إلا أنهم   فى حقيقتهم متساوون ولكن تختلف نسب النعم الربانية لكل واحد منهم بأن يتواجد على سبيل المثال من يتمتع أكثر بالصحة ولكنه فى المقابل يعانى الفقر، ومنهم من يمتلك العلم والمركز الإجتماعى ولكن يفتقد الزوجة والأسرة المحبة وإلخ....، وقد سبق تحليل ذلك الفيلم على ذلك الرابط.

أما فى " فيلم الكيف " ( إنتاج 1985 وإخراج على عبد الخالق) فيدور تساؤل المؤلف ( الكاتب محمود أبو زيد) هو لماذا اختلت منظومة القيم فى المحتمع؟ ولماذا طغى الفن الهابط والذوق المتدنى على الجمال؟ وذلك من خلال شخصيتين متناقضتين تماما بالرغم من أنهما شقيقين من نفس الأب والأم فأحدهما متفوق أخلاقيا وعلميا والآخر متدنى أخلاقيا وفاشل دراسيا ، وفى ثنايا هذا التناقض الفج يأخذنا الفيلم للأسباب من خلال حوارات فى منتهى الجمال مثل حوار الأخ المجتهد علميا مع أخيه الفاشل دراسيا والذى نعرف منه أن منظومة الرواتب فى مصر لا تستطيع منح المجتهد حقه فى الحياة الكريمة وبذلك يدق الفيلم ناقوس الخطر لأحد الأسباب المهمة التى تساهم فى تدهور المجتمع والتى تسببت فى الماضى ولا تزال تتسبب إلى الآن فى هجرة العقول النابهة سواء فى هجرات داخل الوطن العربى ( من أجل مستوى دخل مادى أكبر) أو للعالم الغربى ( من أجل حرية البحث العلمى والدخل المادى الأكبر) وفى كل الأحوال يخسر الوطن أبناؤه!!، وهذا الحوار هو دلالة على ذلك...

- وانت ما معاكش 800 جنيه يا أبو صلاح ؟"

=  لا طبعاً ، هجيبهم منين ؟ ده أنا داخل جمعية بـ 30 جنيه في الشهر عشان أدبر الـ 300 اللي معايا !

- يا سلام ! ليه هي ماهيتك كام ؟

= الصافي حوالي 250 جنيه

- في اليوم ؟

= انت هتهرج ؟

- ما هو أقل من كده ، تبقى انت اللي بتهرج يا دكتور!  

 = يووووووه ، انت باين عليك رايق ومشعشع الأنارخ !

- انت اللي صعبان عليا

= صعبان عليك! 

-  - زنقت روحك في الكيميا ، وفضلت تدح في ماجستير ، وف دكتوراه وفضلت تهرش نافوخك بيد 2 كب أ 4 ، ورجل 6 ف 18

= هههه ، رجل 6 ف 18 ؟

- وآخرتها ، 250 جنيه في الشهر يا مهرج ؟!

= ولا ، بلاش قلة حَيا ، مش عشان عازمني ع الغدا 

- انت عارف المهرج بياخد كام في الليلة الواحدة يا دكتور ؟

= المسألة مش مسألة كام فيه اعتبارات أهم من كام يا قفل!

- هاهاها ، أنا برضه اللي قفل!

= طبعا ، لإنك بتحاول تعرف سعر كل شئ ، لكن ما بتعرفش قيمة أي شئ

- وقيمة الشئ ، ملهاش سعر ؟ ملهاش تمن ؟ فيه قيمة من غير ثمن ؟

= القيمة لا تقدر بتمن ، تقدر تقولي تمن الحق كام ؟ أو تمن الخير كام ؟

- وهو من الحق أو من الخير ان واحد زيك ، ما يحتكمش على 800 جنيه يدخل بيهم ابنه المدرسة !

 = معاك حق ، أنا فعلا مسرف!

 - مسرف ؟؟!!!

  = المفروض اعمل حساب للظروف ، المهم هتشوف لنا واسطة تعفينا من الإنشاءات ولا لأ ؟

- اتطمن يا أبو صلاح ، الواد داخل المدرسة يعني داخل المدرسة 

= إزاي ؟

- زي كل العيال ، هديك الـ 800 جنيه، وتروح تدفع له المصاريف

= وانت حيلتك 800 جنيه ؟

- هه ، عيب يا أبو صلاح ده احنا كسّيبة ومخلصين وبنطلع القرش من بذر العنب

= بذر العنب ؟!

- آه ، أول ما نشخلل الشخاليل ونشرمق الشواشي ، هتسرسق البصاري ، وهنشفك دوغري 

= هتنشفني ؟

- أسبجك بالسُبَيّج يعني أحيّنك ، أقبّضك! 

=  إيه يا ابني الألفاظ دى ؟

- أعمل فيك إيه إذا كنت ما بتعرفش لغة ؟

= لغة ؟

- طبعا ، ما هي دي لغة العصر يا بتاع الكيميا يا مِترشّح!!!

ونأتى لسؤال آخر طرحه المؤلف وهو لماذا قد تدنى الذوق ولماذا أصبح الفن هابطا ؟ وللإجابة على ذلك فقد أظهر الفيلم أن المجتمع عندما تتضاءل فيه قيم العلم و يعزف فيه النشء عن الرغبة فى التفوق الدراسى نتيجة ملاحظته أن التفوق الدراسى لم يمنح من اهتموا به ما يتمنونه من حياة كريمة ، فحينها تتساوى لديه كفتىّ العلم والجهل وبملاحظته لنماذج بشرية أخرى سلكت طرق سعى وكسب رزق أقل إبداعا وإجتهادا ولكنها فى مقابل ذلك حظيت بالحياة الراقية، فلا شك أنه سيكفر بقيم العلم والإنتاج والإبداع، وها نحن أنفسنا شاهدين حاليا على ذلك بوجود أغانى بكلمات غاية فى الإسفاف مثل " انتش وأجرى" يحظى مؤديها بالظهور الإعلامى والمكسب المادى فى نفس الوقت الذى قد يقيم فيه باحث طرحا علميا ويجتهد فيه فلا يجد أدنى صدى بل معوقات حتى فى نشر ذلك الطرح العلمى!!!

ونأتى لسبب آخر للإسفاف وهو ضغوط الحياة والتى أصبحت ضغوط طاحنة، وهى التى تدفع- كما قال المؤلف عن ذلك- بأن يريد الشخص ضوضاء للتغطية على  ضوضاء تلك الحياة!!! والضوضاء هى مرادف لكل ما هو ردئ مثل " التلوث البصرى فى العمران والشوارع" أو " إزدحام المواصلات " أو" عشوائية ما يتم تقديمه من برامج على شاشات التلفاز" إلخ... ، وفى أحد جمل الفيلم يبين لنا المؤلف على لسان " البهظ بيه" تاجر المخدرات أن الإعتياد على القبح قد يؤدى به إلى أنه يصبح هو الأساس وحينئذ يصبح الجمال نشازا ويوصم من يريده بالفاسد فى ذوقه!!! ويدلل على ذلك بأنه فى أحد المرات كان يستورد شاى نظيف خال من الشوائب ولكن نتيجة معوقات إستيرادية فقد أصبح يخلط عليه نشارة خشب ويقوم بغشه، وعندما نزل إلى الأسواق تفاجأ بأنه بمرور الوقت قد اعتادته الناس وأنه عندما أراد الرجوع إلى قواعده وعدم الغش فى الشاى، فإذا بالناس لم تتقبل الشاى الخالى من الشوائب وتريد ذلك المحتوى على نشارة الخشب!!!

فهل  وجود " الكيف " هو وهم ؟ يجيب المؤلف على ذلك بأن الكيف هو ما تعتاده أنفسنا وأن الإنسان هو من يخلق العالم الذى يحبه، فإذا أحب الشئ الجيد أصبح هو " كيفه" وإذا أحب الشئ القبيح صار هو " كيفه" كذلك والكيف هو مرادف للإدمان والإدمان ليس فقط موضوعه المخدرات بل هو الإدمان الناتج عن فرط الحب والمبالغة فى ذلك الحب ولذلك فهو " وهم" لأن الإنسان القوى هو الذى لا يصل به حبه لأى شئ حد عدم القدرة عن الإستغناء عنه....

أخيرا يبين لنا الفيلم أن مجرد الإنزلاق فى طريق الخطأ هو مثل كرة الجليد الصغيرة التى سرعان ما تكبر فتحطم كل من يقف أمامها، وذلك عندما ارتضى " صلاح" تجربة خلطة كيميائية ما راغبا فى أن تكون بديلا عن الحشيش الحقيقى فهو خطأ لا يبرره أن الغش فى شئ محرم لا يعتبر غشا!!! وسرعان ما كبرت كرة الجليد عندما تم إكتشاف أن تناول تلك الخلطة الكيمائية قد تتسبب هى كذلك فى مرض السرطان!!!وكبرت الكرة أكثر عندما تسبب كل ذلك فى منازعة مع مجرمين لا يبالون بالتعذيب والقتل!!!! وهكذا يتضح لنا أن مجرد الإقتراب من الفواحش فيه عواقب وصدق الله العظيم عندما نبه عباده بقوله " لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن"....  

 

 .