8- فيلم بين السما والأرض

أحد روائع السينما المصرية وهو فيلم لا تمل مشاهدته، ويحتل المرتبة 58 من قائمة أفضل مائة فيلم عربى فى القرن العشرين، ويعتبر فكرة مبتكرة وقتئذ غير مسبوقة فى السينما العربية ولعلها كانت نادرة وقتئذ فى السينما العالمية الأمريكية وهذه الفكرة الفنية هى تشخيص ورطة أو مصيبة تمس مجموعة من الأشخاص فى مكان واحد، وهيا بنا لمتابعة التحليل الفنى لذلك الفيلم من خلال المقال التالى....

8- فيلم بين السما والأرض

8- فيلم بين السما والأرض

قصة الفيلم:

مصعد بعمارة كبيرة بالزمالك تعطل بمستقليه فى يوم جمعة شديد الحرارة، وطال مكوثهم به، وضم المصعد العديد من الشخصيات المتباينة الاهواء والمقاصد، فضم النجمة المشهورة ناهد شكرى (هند رستم) التى كانت صاعدة لسطوح العمارة لاستكمال مشاهد احد الأفلام، وفى السطوح ينتظرها المخرج والمصور، ويشد المنتج شعره لتأخر النجمة التى فوجئت بأحدى الراكبات (نعيمه وصفى) الحامل والتى كانت صاعدة مع زوجها (يعقوب ميخائيل) لطبيب النساء، ولكن فاجأها المخاض فى المصعد، فقامت النجمة بإستقبال المولود، وكان من الركاب الحرامى (عبد المنعم مدبولى) الذى ضبطه زعيم العصابة كامل (محمود المليجى) الذى اقتسم معه الحصيلة، وكان كامل من ابرع فاتحى الخزائن، وينتظره فى الدور التاسع أفراد العصابة ليفتح لهم خزينة أحد الشركات الكائنة بالعمارة، وكان من بين الركاب ايضا المتحرش الجنسى (سعيد ابو بكر) والذى جاء وراء النجمة ناهد ليلتصق بها فى المصعد، ودائما وراءها كلما تحركت، كما شمل الركاب الخادم عبده (عبد الغنى النجدى) الذى حمل على رأسه صينية بطاطس وسطها ديك رومى أتى بهم من الفرن لمخدومه الخواجه اليونانى (جورج يورانيدس) الذى أعد وليمة لضيوفه، ويتحلق الجميع حول المائدة فى انتظار وصول عبده ومعه الديك، والذى أكل وِرْكِه المجنون (عبد المنعم ابراهيم) الذى هرب من المستشفى ودخل المصعد، وفى أعقابه تمرجية المستشفى، الذين فشلوا فى اللحاق بالمصعد، ومن بين الركاب الزوجة الخائنة (قدريه قدرى) التى جاءت مع عشيقها (محمود عزمى) صديق زوجها لتقضى معه سويعات حرام فى الشقة التى استعار مفتاحها من احد أصدقاءه، وكذلك بالمصعد ذلك الرجل (أمين وهبه) ذو السبعين ربيعا، وله زوجة (ناهد سمير) وخمسة أبناء، وجاء ليتزوج من فتاة أصغر من ابناءه تطمع امها (ساميه رشدى) فى امواله، ولم يتحمل العريس ضيق المكان وقلة الأوكسجين، فلفظ انفاسه الاخيرة فى لحظة إستقبال المصعد للمولود الجديد، ومن بين الركاب الفتاة الجميلة (زيزى مصطفى) التى جاءت لتبشر حبيبها (سيد القاضى) بموافقة ابيها على زواجهما، فقد رفضة من قبل لأنه مازال تلميذا، فقرر الصعود لسطح العماره، وتلحق به حبيبته، لينتحرا معا، وتخشى الفتاة ان تتأخر عليه فينتحر، ويبحث وكيل العمارة (محمود مختار) عن مهندس الصيانة الذى ذهب لنادى الترسانة ليشاهد احد المباريات فى يوم اجازته، ويحاول البواب (على عرابى) العبس بعجلة المصعد من حجرة السطوح، فيصعد ويهبط المصعد بركابه، الذين شعروا بقرب دنو الأجل، وقرر الجميع التوبة عن خطاياهم، وجاءت النجدة والمطافئ لتنقذ الجميع، وذلك بتحطيم الحائط وإخراج الركاب الذين بمجرد شعورهم بالامان، عادوا لسيرتهم الاولى!!!!

"بين السما والأرض" هو فيلم مصري عرض عام 1959، قصة نجيب محفوظ وسيناريو وحوار السيد بدير وصلاح أبو سيف وبطولة هند رستم وعبد السلام النابلسي وعبد المنعم إبراهيم ومحمود المليجي ومن إخراج صلاح أبو سيف...

تدور فكرة الفيلم الأساسية حول أنه وقت المصيبة تضطر جميع جوارح الإنسان إلى الإلتجاء إلى رحمة الله بمن فيهم هؤلاء الذين لا يؤمنون بوجود الخالق أو الذى ينظرون إلى أوامر الله فى العبادات ( كالصلاة والصوم وغيرها...) أنها مجرد طقوس لا تفيد، ولكنهم وقت الخطر يؤمنون بضعفهم والإحتياج إلى قوة خارجية منقذة وهى التى لن تجئ إلا برضا الله، ولكن بمجرد حدوث حل للمصيبة وتمكن من الخروج من المأزق يتحول ذلك الإنسان الذى كان لاهثا فى الدعاء لله إلى سيرته الأولى من اللؤم والخيلاء والظن فى نفسه بالفتوة والقدرة والديمومة والخلود، ولعل هذه هى الفكرة الأساسية التى راودت الكاتب نجيب محفوظ عند كتابته لقصة وسيناريو ذلك الفيلم وهى ذلك الإنسان البائس الذى يتجبر على غيره وقت الهناء ويكون ذليلا – ولعله على إستعداد للتنازل عن أغلى ما لديه- وقت المأزق والعاصفة والمصيبة وذلك مصداقا لقوله تعالى فى كتابه الكريم فى الآية 12 من سورة يونس :  وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا  عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون

ويتحدث المخرج صلاح أبو سيف عن ذلك الفيلم فيقول: " كانت زوجتي مريضة بل في أشد حالات المرض وكان لابد من عرضها على طبيب أخصائي ولم يكن من المعقول أن تذهب وحدها وهي على تلك الحالة من الألم، واصطحبتها إلى عيادة الطبيب في الدور الثامن بإحدى العمارات الشاهقة كانت تتحامل على نفسها من شدة المرض وركبنا الأسانسير أنا وهي بمفردنا وصعد بنا إلى عيادة الطبيب ولكنه لم يكد يصل إلى الدور الخامس ويتعداه إلى الدور السادس حتى توقف بين الدورين ونحن في داخله مسجونين في ذلك الحيز الضيق.

وعبثا حاولنا الإفلات من هذا المأزق صرخنا وكدنا نحطم الباب من كثرة الخبط ولكن دون جدوى وبدأنا نحس بالضيق توترت أعصابنا وكاد الإغماء يصيب زوجتي وازدادت عليها آلام المرض نتيجة لقلة نفسها، ومرت الدقائق بطيئة تصبب خلالها العرق مني وتضاعفت ثورتي وبينما نحن نعاني من هذا الموقف الحرج فقد أحس بنا سكان العمارة فحاولوا مساعدتنا وإذا بالحرارة تعود تعود إلى الأسانسير فجأة فيرتفع صاعدا وننجو من الموت بعد أن واجهنا ما يزيد على ساعة.....

ودخلت أنا وزوجتي إلى الطبيب وجلست أنتظرها وأفكر في هذا الموقف ماذا كان يحدث لو أن الاسانسير كان مزدحما بالناس وتعطل بهم أكثر من ساعة ؟ ماذا كان ينتابهم من أحاسيس ومن انفعالات ؟ ماذا يكون موقفهم وهم يرون أنهم معلقون بين السماء والأرض ينتظرون مصيرهم في قلق وفزع ؟

وأسرعت أسجل خواطري وإحساسي وأصور ما شاهدته من انفعالات زوجتي وجزعها ولهفتها على الخروج من هذا المأزق وإنقاذ أنفسنا من هذا المصير المؤلم، وقد سجلت كل شيء بسرعة ودقة وصراحة وفي النهاية وجدت بين يدي فكرة رائعة لفيلم جديد أكثر من جريء وأكثر من مثير.. فيلم يصور هذا الحادث الذي وقع لنا على أن يكون الأسانسير مزدحما بخليط من الأشخاص من بيئات مختلفة....

واحترت فيمن يقدم على إنتاج هذه الفكرة وأنا أعرف لدى أكثر منتجينا رغبتهم في إنتاج الموضوعات العادية وابتعادهم عن الموضوعات التي يعتبر إنتاجها مغامرة، فوضعت السطور التي سجلت فيها خواطري في أحد أدراج المكتب وأغلقت عليها، دون أن أعتقد أن القدر سيتيح لي بعد وقت قصير اخراجها في فيلم  عالمي مدهش بعنوان “بين السما والأرض”، بطولة هند رستم وعبد السلام النابلسي وعبد المنعم إبراهيم ومحمود المليجي....."

ومن مفارقات فيلم " السما والأرض " أنه الفيلم الذى تمت إذاعته فى مساء حادث زلزال أكتوبر 1992 !!!

وأفلام الورطة أو المأزق أو المصيبة هى من الأفلام التجارية التى يقبل عليها الجمهور، وفى عام 1959 كانت فكرة رائدة فى مصر التى كانت تعتمد منذ بداية السينما على القصص الدرامية ذات الأحداث الكثيرة المتتالية، أما فى الولايات المتحدة الأمريكية حاليا فقد أصبحت فكرة وقوع أبطال الفيلم فى ورطة فى زمن محدود وفى مكان محدود من الأفلام التى يحبها المنتجون ويقبلون على إنتاجها فهى تتصف بالآتى: مكان المأزق قد يكون منزل أو حديقة أو غابة أو سفينة إلخ  وزمن المأزق يكون يوم واحد أو بضع أيام محدودة على الأكثر وفى الأغلب تظل ملابس الأبطال هى نفسها طوال العمل الدرامى ويكون الحوار مركزا على حدث المأزق وتتسم تلك النوعية من الأفلام بالإثارة وقد يظل المشاهد متتبعا بشغف إلى نهاية الفيلم ومن أشهر تيمات القصص لذلك والتى يتم إنتاجها هى ذهاب مجموعة من الأصدقاء إلى بنسيون مسكون بالأشباح وتحدث به أشياء غريبة تصل إلى مقتل أحدهم تلو الآخر حتى لا يتبقى إلا بطل أو اثنين ينجحون فى قهر الشبح!!!، ومثل تيمة النزهة فى الغابة مع أصدقاء ويكون هناك وحش سواء آدمى ( مجرم سفاح هارب مثلا ) أو حيوان ( أسد أو ثعلب مفترس ) فى الأرجاء يقوم بمطاردة الأصدقاء أبطال الفيلم ويتم قتل بعضهم وينجح فى النهاية أهم بطلين فى الهروب أو هزيمة الوحش!!، وتتغير التيمة بالتواجد مثلا فى وسط بحر قد يكون فيه أسماك قرش والمركب التى تقلهم غرقت فى منتصفه بحيث أن البطل أصبح فى ورطة فى منتصف البحر أو قد يتم إستغلال الظواهر الطبيعية مثل وجود عاصفة شديدة أو زلزال تسونامى أو غير ذلك ولكن يعيب هذه الأفلام أنها تحتاج إلى عمل خدع سينمائية جبارة وأعمال جرافيك غاية فى الجودة فإذا لم تكن كذلك تحول الفيلم السينمائى إلى مسخ يؤدى إلى الإستهزاء والسخرية من مخرجه بدلا من الإشادة به....

وفى مصر كانت هناك محاولة رائدة لدخول ذلك المجال إلا أن الفقر التقنى فى الإخراج حول تلك المحاولة إلى فشل للأسف وذلك من خلال فيلم " الطائرة المفقودة " إنتاج 1984 لمحمود ياسين وسهير رمزى وإخراج وتأليف أحمد النحاس عن طائرة فيها ركاب تهبط إضطراريا فى الصحراء الغربية فى منطقة رمال متحركة ويتم فقد الإتصال بها من قبل المراقبين الجويين حتى يتم إنقاذ الأبطال فى النهاية وأثناء ذلك تحدث دراما فى مواقف الركاب....

ويعتبر كذلك فيلم " حياة أو موت " إنتاج عام 1954 من بطولة عماد حمدى ومديحة يسرى وإخراج كمال الشيخ من تلك النوعية وهى ورطة بطل الفيلم الذى تغادره زوجته غاضبة ولكن الابنة تظل معه إلى أن جاءته وعكة صحية شديدة لابد لها من الدواء العاجل والذى نفذ عنده وتضطر الابنة الطفلة ( ضحى الأمير) إلى الخروج للشارع والذهاب للصيدلية ويخطئ الصيدلى فى تركيبة الدواء ويصبح بمثابة السم لو تناوله أباها فيعمل الصيدلى مع البوليس على عدم وصول تلك الفتاة لأبيها بالدواء فى إطار تشويقى جميل وأشتهر هذا الفيلم بجملة " الدواء فيه سم قاتل"

فيلم " الشيطان الصغير "  من إنتاج 1963 من إخراج كمال الشيخ وبطولة كمال الشناوى وسميرة أحمد وحسن يوسف وصلاح منصور والطفل ( محمد يحيى) وهو عن إستعداد أسرة عصام للانتقال من مدينة الإسكندرية إلى القاهرة، وأثناء نقل الأثاث يلاحظ عصام ( الطفل محمد يحيى) أن اثنين من العاملين بالنقل يخفيان جريمة، ويختفي داخل عربة نقل الموبيليا، وعندما يختفي داخل العربة غلبه النوم ليصحو على مفاجأة، ويجد السائق ومساعده يحاولان إخفاء آثار جريمة بشعة، وأصبح هو وحده الذي يعرف السر، وصار في نفس الوقت خطرًا لا بد من التخلص منه، وفى نفس الوقت يظل الأبوان يهرولان من مكان لآخر ومعهما الشرطة من أجل العثور على إبنهما الوحيد فى إطار تشويقى...

وحديثا هناك أفلام: كباريه وساعة ونصف والفرح  تنتمى تقريبا لتلك النوعية....