4- فيلم المجهول

فيلم عظيم لا أزال أندهش أنه ليس من بين أفضل مائة فيم عربى فى القرن العشرين، وهو فى رأيى الأكثر تميزا من بين أفلام المخرج ( أشرف فهمى) وبالرغم من أن القصة مقتبسة عن مسرحية " سوء تفاهم" للكاتب الفرنسي العالمى ألبير كامو والتى كتبها عام 1940 إلا أن التمصيير والمعالجة السينمائية للكاتب ( مصطفى محرم) نجحت فى إخفاء ذلك العيب إذ أنه دائما يكون من الأفضل إبتكار القصة وأن تكون بنت بيئتها، ولكن هذه القصة كانت غريبة وتعتبر مبتكرة أساسا ويأخذنا الفيلم بين عدة أبعاد أولها بعد إجتماعى يتجسد فى علاقة الأبن مع أبيه وسعيه للبحث عن أمه وأخته، وبعد آخر بوليسى من خلال وجود عمليات قتل فى الأوتيل ( النزل)، وبعد آخر نفسى من خلال تجسيد هذه الحالة المشوشة للخادم الأبكم، فإلى تحليل ذلك الفيلم وهو من إنتاج 1984 وبطولة سناء جميل وعزت العلايلى ونجلاء فتحى وسمية الألفى ومدحت غالى، فإلى المقال.....

4- فيلم المجهول

4- فيلم المجهول

 قصة الفيلم:

طلق اسماعيل(مدحت غالي) زوجته علية (سناء جميل) بعد خلافات حادة غير معلومة،واستطاعت ان تأخذ إبنتها الصغيرة مديحة ( نجلاء فتحى) وتهرب بها الى كندا عند أخيها المقيم هناك،وتركت في مصر ابنها ناجي ( عزت العلايلى) مع طليقها،بعد فشلها في اصطحابه معها. لاحق اسماعيل طليقته قضائيا لإستعادة ابنته،وظلت علية وابنتها على قوائم ترقب الوصول. كبر ناجي (عزت العلايلى)ولم يخبره والده ان له اخت،وأن أمه على قيد لحياة،وكبرت مديحة(نجلاء فتحى)ولم تخبرها امها ان لها أخا،وان والدها على قيد الحياة. عملت علية وابنتها مديحة مع خالها فى أوتيل بمنطقة نائية بمونتريـال حتى مات الخال وترك لإخته وابنتها الاوتيل مديونا، ومعهم خادم أبكم(عادل ادهم) فاقدا للأهلية،فهو رغم كبر سنه مازال عقله فى سن الطفولة. استدانت علية من البنوك لإعادة تجديد الاوتيل لعل الظروف تتحسن،كما غيرت الاسم لتفك النحس. وكان يساعدهم بالعمل الشاب المصرى رمزي، والذي إحتضنته علية في الغربة وأقام علاقة عاطفية بمديحة والتي تعلقت به ولكنه عندما يأس من تحسن الظروف ترك كندا وعاد لمصر،وتزوج من أخرى،مما أصاب مديحة بصدمة أثرت على شخصيتها الخانعة لإمها، وزاد توترها بعد معاناتها من الكبت الجنسى، ومازاد الطين بلة،أصابتها بحساسية الصدر(الربو) ونصحها الطبيب بترك كندا ورطوبتها والعودة لمصر لجوها الجاف،ولكن كيف وهم مديونون. لجأت علية الى حيلة تنم عن تحجر مشاعرها،وقسوة قلبها، وذلك بتخدير النزلاء الأثرياء والاستيلاء على أموالهم، ويتولى الخادم الابكم حملهم والقاءهم في البحيرة، كى تستطيع تسديد ديونها. مات اسماعيل وترك لناجي ثروة طائلة، وبين اوراق والده علم ان له اختا وان أمه لا تزال على قيد الحياة بكندا، فحزم حقائبه وأخذ زوجته فاطمة (سمية الألفى) وسافر الى كندا بحثا عن أمه وأخته، بعد أن علم أنهن يملكن أوتيل بمونتريـال، ولكنه بسبب تغيير اسم الأوتيل لم يعثر عليه، واستعان بمخبر خاص، استطاع التوصل لحل لغز الأوتيل ومعرفة مكانه. قرأت علية بالصحف المصرية التى تصل مونتريـال بموت طليقها اسماعيل، فأبلغت ابنتها واخبرتها بأن لها أخا، وانهم يمكنهم العودة لمصر بعد سداد الديون. ترك ناجي زوجته بالمدينة، وسافر للمنطقة الموجود بها الاوتيل، وبإسم مستعار، وذلك حتى يمكنه معرفة الأسباب الحقيقية التى جعلت أبيه يخفي عنه وجود أمه وأخته، وقد كان يخشى ان تكون الأسباب متعلقة بسوء سمعة أمه. تعرّف ناجي على أمه وأخته، ولكنهن لم يتعرفا عليه بالطبع. قامت الأم بتخدير ابنها، وأمرت الخادم بإلقاءه بالبحيرة على مثل عادتهم مع زوار الأوتيل، بينما استولت الأخت على حافظة أمواله، واتطلعت على الاسم، لتكتشف انه أخيها، فأبلغت أمها، التي أسرعت وراء الخادم تصيح فيه ان يتوقف، ولكنه لم يسمعها لصممه، حتى ألقى بإبنها في البحيرة، وتصل الأم متأخرة وتلقي بنفسها فى الماء وراء ابنها (المجهول).

 التحليل النقدى والفنى:  

يمتاز الفيلم بجمال الصورة والألوان وعدم الملل، ويستحق أداء جميع الممثلين جائزة الأوسكار وبخاصة عادل أدهم الذى أجاد فى شخصية الأبكم الذى لا يفقه شيئا فى الحياة وهو مثل طفل لا يتجاوز عمره الأربع سنوات يعتقد أن ما تفعله سيدته ( سناء جميل) هو من قبيل اللعب وهو كالطفل يحلم بالطيران مثل العصافير والطيور كرمز للحرية والتحرر من ذلك العالم الملئ بشرور كان جزءا منها بإلقاءه للجثث فى البحيرة ولكنه لا يعرف التمييز بين الخير والشر أو أى شئ ولكنه وجد فى تلك السيدة إحتضانا وإنتشالا من عالم قد يواجه فيه تنمرا، فأصبحت هى بالنسبة إليه عالم الحب وبالتالى إنساق لها دون إدراك، أما سناء جميل فقد أبدعت فى دور أم كانت معاناتها من الطلاق وإنفصال إبنها البكر عنها وتكفلها وحدها لسنوات طويلة بإبنتها سببا فى تحولها إلى إمرأة قاسية القلب لا تبالى بعملية القتل لإحساسها بأن هذا العالم ليس فيه شئ جميل يستحق التوقف عنده وأصبحت الحياة بالنسبة لها لا هدف منها سوى السعادة مع إبنتها بأية وسيلة حتى ولو لم تكن شرعية، ولكن نفس تلك الحياة أبانت لها أن عدم مبالاتها بآلام الآخرين ستكتوى منه عندما تقتل بيديها ابنها الذى بسبب فراقه طفلا مات قلبها وانعدمت أحاسيسها، فكانت صرخة النهاية وعدم المبالاة بالغوص خلف جثة الأبن الملقاة فى البحيرة كمحاولة أخيرة منها لإنتشال قلبها الذى تجمد، وهو الموقف الذى يذكرنا بدور شادية فى مسرحية ( ريا وسكينة) والتى طالمت قتلت مع شقيقتها فتيات بغرض سرقتهن لتأتيها المأساة بأن تقتل - دون أن تعرف بالطبع-  فتاة هى ابنة لها خبأها عنها أبوها الذى كانت على علاقة غير شرعية به فى شبابها، أما الإبنة (نجلاء فتحى) فهى فتاة منساقة لم ترى سوى والدتها وهى الأخرى عانت من غياب الأب فبالتدريج أخذ قلبها يقسو ومع جو كئيب فى منطقة منعزلة ووجوه إعتادتها وتربية لا تمييز فيها بين الصواب والخطأ، كان انسياقها وراء أمها، وقد تكون مدركة لجرائم والدتها ولكنها فى قرارة نفسها تؤيد إستحقاق الآخرين للمعاناة، أما عادل أدهم ( الخادم الأصم الأبكم) فهو من أدوار عادل أدهم التى يستحق عنها جائزة أوسكار كفنان قدير إذ فى المشهد الاخير من الفيلم يشاهد وفاة سيدته التى كانت تعامله بخليط غريب من الرقه والامومة والقسوة فتستغل براءته من أجل القيام بأعمال شريرة بنفس الطريقة التى أخبرته بها أنها مجرد لعبة وأن الاشخاص يرجعون بعدها، فها هو يرى وفاتها ولكنها لا تعود ليصيبه القلق الذى يتحول لحزن وخوف من افتقاد السند وفجأة وبعقل الطفل لديه يتحول لشخص يفرح بالحرية ويتذكر حلمه  القديم بالطيران مع الطيور فى السماء فيفرد ذراعيه بفرحه وسرور كالاجنحة حتى يحلق مع الطيور لكن جسده لا يرتفع عن الارض ليكتشف الحقيقة  المرة أنه لا يستطيع الطيران ليصيبه الياس والحزن، مجموعة من التحولات فى الأداء تبين عبقرية الأداء التمثيلى لعادل أدهم كأحد أبرع ممثلى مصر فى تاريخها الفنى.                                

قد يعيب الفيلم، هو تلك المصادفة بأن تبدأ رغم سنوات الفرقة الطويلة فكرة "توارد الخواطر" بأن تسعى الأم للقاء ابنها وأن يسعى الأبن للقاء أمه التى لا يعرفها ولكن عالج مصطفى محرم ذلك بأن جعل وفاة الأب هى المؤدية لتلك التحولات وقراءة الأم لنعى وفاته فى الجريدة، وقد يعيب القصة هو أنه من الإستحالة فى بلاد متقدمة ككندا أن تستمر حوادث قتل فى الأوتيل لفترة ولكن المعالجة هو وجود الأوتيل فى منطقة  نائية...                                                             تدور فكرة مسرحية ( سوء تفاهم) المحورية حول تساؤل ألبير كامو ما هو " العبث" ؟، فقد يبدو غريبا أن العبث عنده ليس إلا اسم لسوء التفاهم، فهو يرى أن شقاء البشر يتولد عن عدم اتخاذهم لغة بسيطة، فلو أن بطل سوء التفاهم قال للسيدة من أول وهلة " أنا ابنك" لكان الحوار ممكناً، ولما كانت " المأساة"، وكم من آباء لم يعبروا عن حبهم لآبناءهم بصورة تشعرهم بذلك فخرجوا كارهين لآباءهم يعتبرون تحذيراتهم لهم قيودا ولكنها حب لم يعرف التعبير الصادق، وكم من أشخاص كانوا صانعين لألم آخرين فاكتووا هم أو من يحبون بذلك الألم إذ ألم يتواجد فى هذا العالم تاجرا للمخدرات يبيع سمومه فتأتى المفارقة بأن يشرب أبنه أو إبنته من تلك السموم فيصير مدمنا سئ الخلق قد يقترف الموبقات؟!!! ولنأتى لأحاديث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التى تحث على أن يحب كل شخص للآخر ما يحبه لنفسه وألا يقبل ظلما على آخر مثلما لا يقبله على نفسه أو من يحبه، وهو التوجيه التربوى الذى لو اتبعه كل إنسان لما حدث ظلما أو بغيا أو سوء تفاهم....

مشاهدة ممتعة للفيلم: