30- اليوم أكملت لكم دينكم

فى العام العاشر من بعد هجرة سيد الأنام، كانت حجته والتى فيها ألقى خطبة الوداع، ثم لم يمض بعدها سوى أقل من ثلاث أشهر كى يأتى يوم فراق الحبيب سيد البشر أجمعين، ومن ثنايا هذين الحدثين تأتى الخاطرة الرمضانية الثلاثون والأخيرة فى هذا الشهر المعظم.....

30- اليوم أكملت لكم دينكم

اليوم أكملت لكم دينكم

فى الخامس من شهر ذى القعدة من السنة العاشرة للهجرة أعلن الرسول محمد صلى الله عليه و سلم عن عزمه زيارة بيت الله الحرام حاجاً، فخرج معه حوالى مئة ألف من المسلمين من الرجال والنساء، وقد استعمل على المدينة أبا دجانة الساعدى الأنصارى، وأحرم للحج ثم لبّى قائلاً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك، والملك، لاشريك لك (صحيح بخارى، كتاب الحج، باب التلبية)، وفى يوم عرفة من هذه الحجة كانت الخطبة التى اشتهرت بخطبة الوداع والتى كانت كما يلى:

أيها الناس، أسمعوا قولى فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدًا.. إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله. ( حرمة سفك الدماء وإتيان الربا فى الأموال)

فاتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فأضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. ( الوصية بحسن معاملة النساء)

أيها الناس، إنه لا نبى بعدى، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم. (أركان الإسلام)

أخرجه ابن ماجه. وأخرج مسلم أنه قال: وأنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد ثلاث مرات.

ولما فرغ من خطبته نزل عليه قوله تعالى (ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً) المائدة 3 . وعندما سمعها عمر بن الخطاب رضى الله عنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان. (أخرجه البخارى.)

 وفى اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11هجرية وكان يوم الإثنين شهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جنازة فى البقيع فلما رجع، وهو فى الطريق أخذه صداع فى رأسه، واتقدت حرارة رأسه، حتى إنهم يجدون سورتها فوق العصابة التى تعصب بها رأسه، وقد صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالناس وهو مريض 11 يوماً، وجميع أيام المرض كانت 13، أو 14 يوماً.

وعن آخر يوم فى حياة رسول الله فكانت أنه وكما روى  أنس بن مالك رضى الله عنه  أن المسلمين بينما هم فى صلاة الفجر من يوم الإثنين - وأبو بكر يصلى بهم - لم يفاجئهم إلا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وهم فى صفوف الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة فقال أنس: وهمّ المسلمون أن يفتتنوا فى صلاتهم، فرحا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليهم بيده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.  ثم لم يأت على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقت صلاة أخرى. ولما ارتفع الضحى، دعا النبى صلى الله عليه وسلم فاطمة فسارّها بشئ فبكت ثم دعاها، فسارها بشئ فضحكت، قالت عائشة فسألنا عن ذلك فيما بعد فقالت: سارنى النبى صلى الله عليه وسلم أنه يقبض فى وجعه الذى توفى فيه، فبكيت ثم سارنى فأخبرنى أنى أول أهله يتبعه فضحكت. وبشر النبى صلى الله عليه وسلم فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين. ورأت فاطمة ما برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الكرب الشديد الذى يتغشاه فقالت: واكرب أباه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم. ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصى بهما خيراً، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن. وطفق الوجع يشتد ويزيد...

وعن آخر لحظاته تقول زوجته عائشة رضى الله عنها: اضطجع رسول الله فى حجرى ودخل علىّ رجل من آل أبى بكر وفى يده سواك أخضر فنظر رسول الله إليه فى يده نظرا عرفت أنه يريده، فأخذته منه فمضخته حتى لينته ثم أعطيته إياه، فاستن به كأشد ما رأيته يستن قط ثم وضعه، ووجدت رسول الله صلى الله عليه و سلم يثقل فى حجرى فذهبت أنظر إلى وجهه فإذا بصره قد شخص وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة فقلت: خيرت فاخترت والذى بعثك بالحق...

توفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد جاهد فى سبيل نشر دين الله ورغم مكانته عند الله إلا أنه أبتلى بجميع ما يبتلى به البشر من اليتم صغيرا والفقر والإيذاء من أقرباءه وأهله وعشيرته وفقد الأبناء فى أثناء حياته الواحد تلو الآخر فلم يتبق له عندما توفاه الله سوى إبنته فاطمة رضى الله عنها وقد أصيب فى غزواته وتعرض للموت كثيرا وتحمل عنت ولجاجة الكثيرين فلم يفقد صبره ولم يقنط بل إنه كان يطلب الهداية والرحمة لأعدائه فلم يدعو عليهم عندما آذوه فى الطائف وتمنى صادقا أن يخرج الله من أصلاب من آذوه رجالا يعرفون حدود الله ولم يغتن أبدا وهو الذى إذا دعا الله لأجرى معه جبال الذهب والفضة وقد جاهد صلى الله عليه وسلم فى سبيل نشر الإسلام....

وكل عام وأنتم بخير....