29- الرسول فى الطائف

أختار محمد صلى الله عليه وسلم الخروج للطائف التى كانت تمثل مركزاً مهماً لسادات قريش وأهلها، ومكانا إستراتيجيا لهم، حيث كانوا يملكون فيها الأراضى والدور، وكانت راحة لهم فى الصيف. فعزم على الخروج إليها راجياً وآملا أن تكون أحسن حالاً من مكة، فهل كانت كذلك؟ هذا ما ستعرفه من خلال هذه الخاطرة الرمضانية......

29- الرسول فى الطائف
مسجد عداس بالقرب من البستان الذى استراح فيه النبى

الرسول فى الطائف

تستغل قريش وفاة  أبى طالب  فتزيد من إيذائها للنبى صلى الله عليه وسلم وتضيَّق عليه، وكان أبو لهب  من أكثر الناس كراهية للدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه كان يلاحق النبى صلى الله عليه وسلم فى موسم الحج ، وفى الأسواق يرميه بالحجارة ويقول : إنه صابئ كذاب ، ويحذر الناس من إتباعه، فضاقت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإشتد به الحال، حتى فكر فى أن يتخذ أسلوبا آخر فى دعوته بتغيير المكان، عسى أن يجد قبولاً، فأختار الخروج للطائف التى كانت تمثل مركزاً مهماً لسادات قريش وأهلها، ومكانا إستراتيجيا لهم، حيث كانوا يملكون فيها الأراضى والدور، وكانت راحة لهم فى الصيف.  فعزم على الخروج إليها راجياً وآملا أن تكون أحسن حالاً من مكة، وأن يجد من أهلها نصرة، فخرج على أقدامه حتى لا تظن قريش أنه ينوى الخروج من مكة، وكان فى صحبته زيد بن حارثة وهو إبن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتبنى، وكان بمثابة الحامى والحارس لرسول الله. وبعد أن أمنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع السبل، وأخذ الحيطة والحذر، أقبل على الطائف وكله أمل أن تكون أرض خير وإسلام، لكن كانت المفاجأة!!

بدأ صلى الله عليه وسلم بسادات القوم الذين ينتهى إليهم الأمر، فكلمهم عن الإسلام ودعاهم إلى الله، فردوا عليه رداً قاسياً، وقالوا له: أخرج من بلادنا، ولم يكتفوا بهذا الأمر، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم فتبعوه يسبونه ويصيحون به ويرمونه بالحجارة، فأصيب عليه الصلاة السلام فى قدميه حتى سالت منها الدماء، وأصاب النبى صلى الله عليه وسلم من الهم والحزن والتعب ما جعله يسقط على وجهه الشريف، ولم يفق إلا وجبريل قائم عنده، يخبره بأن الله بعث ملك الجبال برسالة يقول فيها: إن شئت يا محمد أن أطبق عليهم الأخشبين، فأتى الجواب منه عليه السلام بالعفو عنهم قائلاً:  ( أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) رواه  البخارى.

  وإستمر أهل الطائف فى إيذائه صلى الله عليه وسلم حتى أضطروه إلى بستان لعتبة وشيبة ابنى ربيعة من سادات أهل الطائف، فجلس فى ظل شجرة يلتمس الراحة والأمن، ثم دعا الله سبحانه وتعالى قائلا: اللهم إليك أشكو ضعف قوتى ، وقلة حيلتى ، وهوانى على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربى ، إلى من تكلنى؟ ، إلى بعيد يتجهمنى؟ أو إلى عدو ملكته أمرى؟ ، إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالى ، غير أن عافيتك هى أوسع لى ، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل على غضبك، أو أن ينزل بى سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك . ( دعاء يقال فى الهم والحزن والضيق)

 بعدها تحركت العاطفة فى أهل ذلك البستان، فصرفوا عن رسول الله الأوباش والسفهاء، ثم جاءوا بغلام لهم نصرانى يُدعى عداساً ليعمل على خدمة النبى، فحمل معه  قطفاً من العنب، فلما وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه وقال: بسم الله ثم أكل، فقال عداس: إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم:  من أى البلاد أنت؟  قال: أنا نصرانى من نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟  قال عداس: وما يدريك مايونس؟ قال عليه الصلاة والسلام: ذلك أخى كان نبياً وأنا نبى ، فأكب عداس على يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدميه يقبلهما، فقال ابنا ربيعة، أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك ! فلما جاء عداس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال لهما: ما فى الأرض خير من هذا الرجل، فحاولا توهين أمر النبى عليه الصلاة والسلام، كأنما عز عليهما أن يخرج النبى صلى الله عليه وسلم من الطائف بأى كسب. ثم رجع النبى صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليستأنف خطته الأولى فى عرض الإسلام وإبلاغ الرسالة للوفود والقبائل والأفراد، وزادت قريش من أذاها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلعت جلباب الحياء والمروءة، فراح بعض رجالاتها يلاحقونه عليه الصلاة والسلام فى الأسواق والمواسم يرمونه بالكذب، ويحذرون العرب من إتباعه.

إن رحلة النبى إلى الطائف على ما حصل فيها مليئة بالعظات والعبر، فمن ذلك:

 - أن فى توجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد أن أعرض أهل مكة عنه، دليلاً على حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الناس، وإستمراره فى دعوتهم للإسلام، وعدم اليأس من إستجابة الناس.

 - وهذه الرحلة تعلمنا كيفية التعامل مع الآخرين بالأخلاق الحسنة، وذلك واضح من خلق العفو والصفح الذى واجه به رسول الله صلى الله عليه وسلم سادات ثقيف وسفاءها.

- وفى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم دليل على الصدق فى هذه الدعوة المباركة، وأنه فى وقت الشدائد والصعاب يكون الإلتجاء لله عز وجل بهذا الدعاء، ففيه إستمداد القوة منه سبحانه، وفيه الإستعانة بالله عند شدة الأذى، وفيه الخوف من غضب الله وسخطه على العبد.

- فى قصة عداس حيث أسلم على يد النبى صلى الله عليه وسلم كما رجحه بعض العلماء، نتيجة إيجابية لهذه الرحلة، حيث رجع النبى صلى الله عليه وسلم من الطائف وقد هدى الله عداساً على يديه.

وختاماً فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستسلم لهذا الواقع الأليم، بل صبر وصابر، وواصل جهاده فى الدعوة إلى الله، فكان عاقبة صبره نصر من الله، وفتح عظيم تتفيأ الأمة ظلاله، وتنعم بنوره إلى يومنا هذا، وإلى يوم الدين.