28- وفاء الحب والعشرة الطيبة

قصة حياة حافلة بين زوجين متحابين، ولكنها فى نفس الوقت تمر بمنعطفات قد غلب عليها روح العناد والخوف من آراء الأخرين، فكانت الفرقة، ولكن لأن الحب راسخ والزوج يتحلى بأخلاق حميدة فقد تم عبور هذه المنعطفات ليعود الزوجان لسابق حياتهما ، فإلى قصة زينب بنت محمد رضى الله عنها وزوجها العاص بن الربيع....

28- وفاء الحب والعشرة الطيبة

وفاء الحب والعشرة الطيبة

كانت هالة بنت خويلد أخت السيدة خديجة رضى الله عنها تقبل على أختها بين الحين والآخر، وكانت هالة تعتبر السيدة خديجة أماً وأختاً لها وكم حلمت بأن تكون زينب بنت أختها زوجة لابنها أبى العاص. وفى أحد الأيام فاتحت هالة أختها بنوايا ابنها الذى أختار زينب بنت محمد ذو المكانة العظيمة فى قريش كى تكون شريكة حياته وزوجة له.

سرت بهذا الخبر السيدة خديجة رضى الله عنها وأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم بنوايا ابن أختها أبى العاص ورغبته فى التقدم لخطبة إبنتهم زينب رضى الله عنها فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن رحب به ليكون زوجاً لابنته بعد موافقتها طبعاً؛ وكان ذلك لأن أبا العاص يلتقى نسبه من جهة الأب مع رسول الله عند الجد الثالث عبد المناف فهو أبو العاص ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، وكذلك فإن نسبه يلتقى من جهة الأم مع زينب بنت محمد عند جده خويلد بن أسد بن عبد العزى. بالإضافة إلى ذلك فإن أبى العاص على الرغم من صغر سنه فقد عرف بالخصال الكريمة والأفعال النبيلة. وعندما ذهب أبو العاص إلى رسول الله ليخطب ابنته، قال عنه الرسول : إنه نعم الصهر الكفء، وهذا يعنى أن محمدا لم يجد به عيبا،ً و لكنه طلب من الخاطب الانتظار، حتى يرى رأى ابنته فى ذلك ولم يشأ الموافقة على أبى العاص قبل موافقة ابنته زينب عليه، وما كان من زينب إلا أن سكتت إعلاناً منها قبول ابن خالتها أبا العاص؛ ليكون زوجاً لها تسهر على رعايته وراحته، وتشاركه فرحه وحزنه وتوفر له أسباب السعادة.

انتظر الجميع يوم زفاف هذين الزوجين وعندما حان الموعد المنتظر نحرت الذبائح وأقيمت الولائم، وكانت فرحة كليهما لا توصف وعاشت زينب حياة سعيدة فى كنف زوجها وكانت خير الزوجة الصالحة الكريمة لأبى العاص ، وكان هو خير الزوج الفاضل الذى أحاطها بالحب والأمان.

كان أبو العاص يعمل بالتجارة فيضطر فى بعض الأحيان للسفر إلى بلاد الشام تاركاً زوجته عند أمه هالة بنت خويلد . ومن شدة حب أبى العاص لزوجته كان يقول فيها فى سفره وبعيدا عنها:

ذكرت زينب لما ورّكــــت أرما .... فقلت سقيا لشخصٍ يسكن الحرما

بنت الأمين جزاها الله صــــالحاً .... وكلٌ بَعــلٍ سيثنى بالذى عـلِما

وشاء الله تعالى أن يكون ثمرة هذا الزواج السعيد طفلين أنجبتهما زينب رضى الله عنها الأول على بن أبى العاص الذى توفى صبيا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد أردفه وراءه يوم الفتح، والثانية أمامة بنت أبى العاص التى تزوجها على بن أبى طالب بعد وفاة خالتها فاطمة الزهراء رضى الله عنها....

بعد نزول الوحى على الصادق الأمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد عودته مع السيدة خديجة من عند ورقة بن نوفل والتأكد من الرسالة ومن أن محمدا الزوج والأب أصبح نبيا ورسولا، جمعت السيدة خديجة بناتها الأربعة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة رضى الله عنهن وأخبرتهن بنزول الوحى على والدهن وبالرسالة التى يحملها للناس كافة، فلم يكن غريباً أن تؤمن البنات الأربع برسالة محمد فهو أبوهن والصادق الأمين قبل كل شئ، فأسلمن دون تردد وشهدن أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وقررن الوقوف إلى جانب أبيهن ومساندته وهذا أقل ما يمكن فعله، وقد تزامن نزول الوحى مع سفر زوجها أبى العاص فى تجارة خارج مكة....

بعد عودة أبى العاص من السفر، أخذ يسمع من المشركين بأمر الدين الجديد الذى يدعو إليه محمد، فدخل على زوجته فأخبرها بكل ما سمعه، وأخذ يردد أقوال المشركين فى الرسول ودينه وهنا وقفت السيدة زينب رضى الله عنها موقف الصمود وأخبرت زوجها بأنها أسلمت وآمنت بكل ما جاء به محمد ودعته إلى الإسلام فلم ينطق بشئ وخرج من بيته تاركاً السيدة زينب بذهولها لموقفه غير المتوقع. وعندما عاد أبو العاص إلى بيته وجد زوجته رضى الله عنها جالسة بانتظاره فإذا به يخبرها بأن والدها محمد دعاه إلى الإسلام وترك عبادة الأصنام ودين أجداده، وفرحت زينب ظناً منها أن زوجها قد أسلم، لكنه لم يكمل ولم يبشرها بإسلامه كما ظنت فعاد الحزن ليغطى ملامح وجهها الطاهر من جديد. وبالرغم من عدم إسلام أبى العاص إلا أنه أحب محمد حباً شديدا،ً ولم يشك فى صدقه لحظة واحدة، وكان مما قال لزوجته السيدة زينب رضى الله عنها فى أحد الأيام عندما دعته إلى الإسلام: والله ما أبوك عندى بمتهم، وليس أحب إلىّ من أن أسلك معك يا حبيبة فى شعب واحد، ولكنى أكره لك أن يقال إن زوجك خذل قومه وكفر بآبائه إرضاء لامرأته...

وبالرغم من عدم إسلام زوجها فقد بقيت معه تدعوه إلى الإسلام، وتحاول إقناعه بأن ما جاء به الرسول هو من عند الله وليس هناك أحق من هذا الدين لإعتناقه، ولم يجبر أبى العاص زوجته على تكذيب والدها أو الرجوع إلى دين آبائهِ وعبادة الأصنام وحتى وإن أجبرها فلم تكن هى، لتكذب أباها إرضاءا لزوجها، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.....

بعد غزوة بدر الكبرى، أصبح أبا العاص أحد الأسرى فى يد المسلمين، وحينئذ  تفضل الرسول على ختنه (صهره) أبى العاص بشرط أن يخلى سبيل زينب، وكانت قد بعثت فى فدائه بمال، إذ بعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة، أهدتها لها بمناسبة زواجها من أبى العاص، فلما رآها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، واستأذن أصحابه فى إطلاق أبى العاص ففعلوه، واشترط رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على أبى العاص أن يخلى سبيل زينب، فخلاها، فهاجرت، وبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار، فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها، فخرجا حتى رجعا بها وقصة هجرتها طويلة مؤلمة.

عندما عاد أبو العاص إلى مكة أمر زوجته باللحاق بأبيها فى المدينة وأمر أخاه كنانة بن الربيع بمرافقة زوجته . قدم كنانة للسيدة زينب رضى الله عنها بعيراً تركب عليه حتى تصل إلى بطن يأجج ويكمل زيد بن حارثة الطريق إلى والدها محمد وخرجت السيدة زينب من مكة وهى تودعها وكلها أمل أن يخرج زوجها أبو العاص معها عائداً إلى يثرب مسلماً مؤمناً بالله مصدقاً لرسوله. وعلى الرغم من كل ما رأته من وقوف زوجها ضد الرسول صلى الله عليه وسلم بدلاً من الوقوف إلى جانبه ومساندته، فقد تمنت له الخير دائما،ً وهذه هى صفات السيدة زينب بنت نبى الأمة محمد، فهى المتسامحة المحبة والداعية للخير دائماً.

قبل فتح مكة وبينما كان أبو العاص عائداً فى قافلة من رحلة تجارة من بلاد الشام إلى مكة حاملاُ معه أموال قريش التى أؤتمن عليها، تعرضت لقافلته سرية بقيادة زيد بن حارثة رضى الله عنه ومعه مائة وسبعين رجلا وتمكنت هذه السرية المبعوثة من رسول الله من الحصول على كل ما تحمله تلك السرية من مال وهرب عددٌ من رجال القافلة وكان أبو العاص واحداً منهم، وخشى أبو العاص على أموال قريش التى كان قد أؤتمن عليها، فلم يجد إلا أن يتوجه إلى المدينة ليلا ليستجير بالسيدة زينب رضى الله عنها أن يعيد رسول الله مال قريش التى استولوا عليها من القافلة فأجارته فى طلب ذلك المال إذ عندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح فكبّر وكبر الناس معه، صرخت زينب من صفة النساء : أيها الناس إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما سلم رسول الله من الصلاة أقبل على الناس فقال: أيها الناس هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم قال: أما والذى نفس محمد بيده ما علمت بشئ كان حتى سمعت منه ما سمعتم أنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله فدخل على ابنته فقال: أى بنية أكرمى مثواه، ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له ما دام مشركاً واجتمع رسول الله مع أصحابه بأبى العاص، فاستشار صحابته أن يردوا على أبى العاص أمواله التى أخذوها من القافلة وقال لهم: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالاً ، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له فأنا أحب ذلك، وإن أبيتم فهو فئ الله الذى أفاء عليكم فأنتم أحق به، فاتفق الصحابة جميعاً على إعادة المال لأبى العاص كاملا دون نقصان....

رجع أبو العاص بالمال إلى مكة وأعطى كل واحد من قريش نصيبه من المال ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد عبده ورسوله، والله ما منعنى من الإسلام إلا أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم فرغت منكم وأسلمت وجمع أبو العاص أغراضه وعاد إلى يثرب قاصداً مسجد الرسول فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفرحون بعودته، ليكمل فرحتهم تلك بالإسلام وبعد إسلام أبى العاص عاد الى المدينة ليفرح قلب السيدة زينب بإسلامه وأعاد الرسول صلى الله عليه وسلم زينب إليه بنكاحه الأول وقيل أنه أعيد إليها بنكاح جديد وعاشا من جديد معا والإسلام يجمعهما.

بعد عام من إلتمام شمل الزوجين أبى العاص والسيدة زينب رضى الله عنها، وبعد أن عاشا حياة كريمة سعيدة فى دار الإسلام مع ولديهما أمامة وعلىّ، بدأ المرض يزداد على السيدة زينب رضى الله عنها، ولم تستطع الأدوية أن تخفف من مرض زينب فسلمت أمرها لله سبحانه وتعالى وفى العام الثامن للهجرة توفيت السيدة زينب رضى الله عنها وحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزناً عظيما،ً وحزن معه زوجها أبو العاص الذى وافته المنية بعد 4 سنوات من وفاة زينب، رحمها الله رحمة واسعة ...