27- العمان أبو طالب وأبو لهب (2)

بالرغم أنهما قد ماتا على غير دين الله وهو الإسلام، إلا أنهما وقفا تجاه دعوة رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام موقفا متباينا إذ بينما أبو طالب يتولى حمايته ويرفض أى إيذاء له ويمثل بحق العم المحب لأبن أخيه ، كان العم الآخر أبو لهب لا يبالى بصلة القرابة ويقوم بمعاداة ابن أخيه وكانت تساعده فى ذلك زوجته أم جميل، وعلى مدار مقالتين أو خاطرتين متتاليتين سنستعرض سيرة كلا من أبى طالب وأبى لهب....

27- العمان أبو طالب وأبو لهب (2)

العمان أبو طالب وأبو لهب (2)

أبو لهب

هو عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة وإنما سمى أبو لهب لإشراق وجهه وقد قيل أن إسمه هو كنيته فكان أهله يسمونه أبا لهب لتلهب وجهه وحسنه، فصرفهم الله عن أن يقولوا أبو النور وأبو الضياء الذى هو المشترك بين المحبوب والمكروه وأجرى على ألسنتهم أن يضيفوه إلى لهب الذى هو مخصوص بالمكروه المذموم وهو النار ولأن أسمه الحقيقى عبد العزى فلم يكن الله ليضيف العبودية فى كتابه (القرآن) إلى صنم كما أن الله أراد أن يحقق نسبته فيدخله النار فيكون أبو لهب تحقيقا للنسب، وإمضاء للفأل والطيرة التى إختارها لنفسه...

 نشأ فى مكة وعرف دروبها وعرفته، وشارك والده فى إستقبال الحجيج الذين كانوا يفدون إلى مكة وكان غليظ القلب وجاف الطبع وسريع الغضب ولا يعرف الرحمة ولا يهتم بالمودة وكان جهورى الصوت أجش النبرات وكان لا يطيق البعد عن الأصنام فكان الناس يرونه يتأملها كثيرا متعجبا وكان طويلا فارع الطول أبيض البشرة غزير الشعر أحول العينين بعيد ما بين المنكبين فيه صرامة وقسوة تصطك أسنانه إذا تحدث وتجحظ عيناه إذا غضب...

 وقد اتخذ أبو لهب موقف العداء من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول قبل سادات قريش الآخرين بالرغم من أنه عمه، وكان صهره إذ كان قد زوّج ولديه عتبة وعتيبة من إبنتىّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رقية وأم كلثوم قبل البعثة، فلما كانت البعثة أمرهما بتطليقهما بعنف وشدة حتى طلقاهما. أما عن الأول وهو عتبة ابن أبى لهب فقد أسلم عام الفتح هو وشقيقه معتب بن أبى لهب. فقد ذكر الزبير بن بكار أنه شهد هو وأخوه حنيناً مع النبى صلى الله عليه وسلم وكانا ممن ثبت وأقاما بمكة. أما عن الآخر وهو عتيبة بن أبى لهب فقد كان شقيا كافرا سليطا مثل أبيه إذ عندما أراد الخروج إلى الشام مع أبيه،  قال: لآتينَّ محمداً وأوذينه فأتاه فقال: يا محمد  إِنى كافر بالنجم إِذا هوى، وبالذى دنا فتدلى، ثم بصق أمام النبى وطلق إبنته أم كلثوم فغضب رسولنا الكريم (ليس لطلاق إبنته ولكن لكفره وقلة أدبه) ودعا عليه فقال: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك. فخرج عتيبة مع أصحابه فى عير إلى الشام حتى إذا كانوا فى طريقهم زأر أسد فجعلت فرائص عتيبة ترتعد فقالوا له: من أى شئ ترتعد؟ فقال: إن محمد دعا علىّ وما ترد له دعوة. فلما ناموا أحاطوا به وجعلوه فى وسطهم فجاء الأسد فشم رؤوسهم جميعاً حتى إنتهى إلى عتيبة فهشم رأسه هشمة فقضى عليه، فتحققت دعوة محمد.

لما نزل قوله تعالى  (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) صعد النبى صلى الله عليه وسلم على جبل الصفا فجعل ينادى يا بنى فهر...! يا بنى عدى لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادى تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ) سورة المسد 1

وأما إمرأة أبى لهب - أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبى سفيان – فقد كانت لا تقل عن زوجها فى عداوة النبى صلى الله عليه وسلم فقد كانت تحمل الشوك وتضعه فى طريق النبى صلى الله عليه وسلم وعلى بابه ليلاً، وكانت إمرأة سليطة اللسان تطيل عليه الافتراء والكذب، وتؤجج نار الفتنة، وتثير حرباً شعواء على النبى صلى الله عليه وسلم ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب، ولما سمعت ما نزل فيها وفى زوجها من القرآن جاءت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق رضى الله عنه وفى يدها مقدار ملء الكف من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ اللَّه ببصرها عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فلم ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ قد بلغنى أنه يهجونى، واللَّه لو وجدته لضربته بهذه الحجارة، أما واللَّه إنى كذلك لشاعرة ثم قالت شعرا تهجوه فيه وهو (مذمماً عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا) ثم انصرفت، فقال أبو بكر متعجبا:  يا رسول اللَّه أما تراها رأتك؟ فقال: ما رأتنى ، لقد أخذ اللَّه ببصرها عنى.

لما مات عبد اللَّه (الابن الثانى لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم) استبشر أبو لهب، وهرول إلى رفقائه يبشرهم بأن محمداً قد صار أبتر (بلا عقب أو ولد) وفى ذلك نزلت آية ( إن شانئك هو الأبتر) سورة الكوثر وتعنى أن من وصفك بذلك يا محمد هو الأبتر، وقد كان أبا لهب كذلك يسير خلف النبى صلى الله عليه وسلم فى موسم الحج والأسواق لتكذيبه، وقد روى أيضا  ما يفيد أنه كان لا يقتصر على التكذيب بل كان يضربه بالحجر حتى يدمى عقباه....

وفاته:

فى غزوة بدر لم يستطع الخروج فجهز من ينوب عنه وهو العاصى بن هشام بن المغيرة والذى حارب بإسم أبى لهب وعندما جاءته الأخبار بهزيمة مشركى مكة على يد الرسول والمؤمنين حزن حزنا شديدا ولم يلبث طويلا حتى رماه الله بداء يسمى العدسة وهى بثور تخرج بالبدن فتجعل صاحبها يموت، وهكذا مات بذلك المرض وظل لثلاث أيام لم يدفن حتى أنتن للدرجة التى جعلت ولده يغسلونه بقذف الماء عليه من بعد مسافة خشية العدوى من العدسة والتى كانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم أحتملوه إلى أعلى مكة فأسندوه إلى جدار ثم وضعوا عليه الحجارة بعضها على بعض، فنال بئس المصير وأخزاه الله بسورة يتم ترديدها كل يوم فى صلاة المصلين وهى سورة المسد....