26- العمان أبو طالب وأبو لهب (1)

بالرغم أنهما قد ماتا على غير دين الله وهو الإسلام، إلا أنهما وقفا تجاه دعوة رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام موقفا متباينا إذ بينما أبو طالب يتولى حمايته ويرفض أى إيذاء له ويمثل بحق العم المحب لأبن أخيه ، كان العم الآخر أبو لهب لا يبالى بصلة القرابة ويقوم بمعاداة ابن أخيه وكانت تساعده فى ذلك زوجته أم جميل، وعلى مدار مقالتين أو خاطرتين متتاليتين سنستعرض سيرة كلا من أبى طالب وأبى لهب....

26- العمان أبو طالب وأبو لهب (1)

 العمان أبو طالب وأبو لهب (1)

أبو طالب

ولد بمكة بعد أن قام والده عبد المطلب بحفر زمزم وسمى عبد مناف وفى بيت والده تعلم الخلال الحسنة والصفات الطيبة. وأمه هى فاطمة بنت عمرو بن عائد بن عبد بن عمران من أحسن بطون مكة شرفا ومن أعلاها مجدا وسؤددا. أما عن أولاد أبى طالب فهم : ( طالب بن أبى طالب أكبر ولده والذى خرج مكرها مع المشركين إلى بدر ولكنه لم يكن من بين الأسرى أو القتلى ولم يعرف له من يومها مكان، وثانى أبناءه هو عقيل وهو العالم بنسب قريش وثالث أبناءه جعفر الطيار والذى مات شهيدا فى غزوة مؤتة والرابع هو على بن أبى طالب رابع الخلفاء الراشدين والمعلوم مكانته وشأنه)

 وكان أبو طالب يحب سيدنا محمد حبا شديدا لعله أكثر من حبه لأبناءه، وأخذ رسول الله يدعوه لدين الإسلام إلا أنه كان يرفض رفضا رقيقا مهذبا و دون أن يؤثر ذلك على محبته لأبن أخيه ولم يتخل عنه قط ولم يتردد أبدا فى حمايته، ولعل الله سيجازيه عن حمايته لمحمد صلى الله عليه وسلم فيخفف عنه من عذاب النار، ولعل الله أراد بسيرة أبى طالب عم الرسول ومن قبله سيرة آزر والد إبراهيم عليه السلام أن يوضح لنا أنه لا يتم غفران الشرك أو الكفر بالله لمجرد القربى لنبى أو رسول من عند الله وأنه لن يحاسب أحد إلا على أعماله التى أداها فى الحياة الدنيا....

عندما دعا محمد صلى الله عليه وسلم أقرباءه ( بنى هاشم) إلى الإسلام  وقال لهم: الحمد للَّه أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، إن الرائد لا يكذب أهله واللَّه الذى لا إله إلا هو، إنى رسول اللَّه إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، واللَّه لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً. فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وما أشد تصديقنا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم غير أنى أسرعهم إلى ما تحب، فأمض لما أمرت به، فواللَّه لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسى لا تطاوعنى على فراق دين عبد المطلب. أما أبو لهب فقال: هذه واللَّه السوأة، خذوا على يديه (امنعوه) قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: واللَّه لنمنعه (لنحميه) ما بقينا.

ولنقارن بين موقفى أبى طالب وأبى لهب، فأبو طالب يعلم مبلغ أخلاق إبن أخيه وأنه لا يكذب أبدا ولعله كان سيؤمن به الإيمان الحق لولا عناد الجاهلية والخجل من المعايرة بين قومه لمفارقته دين الآباء ولكنه مع ذلك تتغلب عليه أواصرالرحم  فيصر على حماية إبن أخيه حتى لا تمتد إليه أى يد بسوء، أما أبو لهب فهو المعاند الذى لا يريد مفارقة دين الآباء وكذلك لا يجد غضاضة فى أن يكونوا هم (أى بنى هاشم) من يعاقبون محمد صلى الله عليه وسلم قبل غيرهم وهو ما لم يوافقه عليه أبو طالب....

قال ابن إسحاق كذلك أنه قد ذهب رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً، وردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه ومضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، يظهر دين اللَّه ويدعو إليه.

بعد ذلك رأت قريش اللجوء مرة أخرى للسياسة فى التعامل مع سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فجاءت سادات قريش إلى أبى طالب فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا. وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه، وإنا واللَّه لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك فى ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. عظم على أبى طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال له: يا ابن أخى إن قومك قد جاؤونى فقالوا لى كذا وكذا فأبق على وعلى نفسك، ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله، وأنه ضعُف عن نصرته، فقال: يا عم واللَّه لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب فلما أقبل قال له: اذهب يا ابن أخى فقل ما أحببت، فواللَّه لا أسلمك لشئ أبداً. وأنشد:

واللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد فى التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر وقر بذاك منك عيونا

عندما رأت قريش أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ماض فى عمله، و أن أبى طالب قد رفض خذلان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا يأبه لفراقهم وعداوتهم فى سبيل ذلك، فذهبوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة وقالوا له: يا أبا طالب إن هذا الفتى أنهد فتى فى قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل، فأجابهم: واللَّه لبئس ما تسوموننى أتعطونى إبنكم أغذوه لكم، وأعطيكم إبنى تقتلونه. هذا واللَّه ما لا يكون أبداً

 بعد ذلك اجتمعت قريش واتفقوا معا أن يكتبوا صحيفة يتعاقدون فيها على بنى المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم، فكتبوا ذلك ثم تعاهدوا وتواثقوا عليه وعلقوا الصحيفة فى جوف الكعبة تأكيدًا لعزمهم على تنفيذ ما جاء فيها. واستمر حصار قريش لبنى هاشم ثلاث سنوات من السنة السابعة من مبعثه  إلى السنة العاشرة، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبى طالب فى شعبه إلا أبا لهب فإنه انحاز إلى قريش. كانت المقاطعة شاملة، إذ قطعوا عنهم المؤن وحصروهم فى شعب أبى طالب، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغ منهم الجهد مداه، وسُمعت أصوات صبيانهم من وراء الشِّعب يبكون من شدة الجوع، وفى هذا الأثناء، كشف الله لرسوله خبر صحيفة قريش التى علقت بالكعبة، وأن دابة الأرض (الأرضة) قد أكلت ما كتب فيها من ظلم ولم يبق فيها إلا اسم الله. وحدّث رسول الله عمه أبا طالب بذلك، فخرج أبوطالب إلى قريش وكلمهم بخبر الصحيفة، وقال لهم : هذا ما قاله ابن أخى، فإن كان حقًا رفعتم عنا الظلم والحصار، وإن كان غير ذلك دفعنا إليكم محمدًا لتقتلوه، ولما تبين لقريش صدق رسول الله ، نكصوا على أعقابهم ولم يرضوا بما قاله أبوطالب، إلا أن بعض رجال قريش، ممن كان لهم رحم ببنى هاشم، لم يعجبهم ما ذهب إليه سادة قريش بشأن الحصار وسعى بعضهم فى نقض ماجاء فى الصحيفة، من هؤلاء هشام بن عمرو بن ربيعة ومُطعم بن عدى، ورأوا أن يجيروا بنى هاشم بحد السلاح خوفًا من إعتراض قريش، فأخرجوا بنى هاشم من الشعب بحماية عدد من رجالهم المسلحين، وهال قريشًا ما رأت، لكن كان لابد لهم من أن يستسلموا للأمر الواقع. وهكذا انتهى الحصار بعد ثلاث سنوات أظهر فيها بنو هاشم قوة شكيمتهم، وصلابة معدنهم وإستعدادهم للصبر والمثابرة والرباط إلى آخر رجل منهم....

ألح المرض على أبى طالب، فلم يلبث أن وافته المنية، وكانت وفاته فى رجب سنة عشر من النبوة، بعد الخروج من الشعب بستة أشهر وقيل أنه توفى فى شهر رمضان قبل وفاة خديجة رضى اللَّه عنها بثلاثة أيام. وفى الصحيح عن المسيب أن أبى طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبى صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، فقال: أى عم، قل لا إله إلا اللَّه، كلمة أحاج لك بها عند اللَّه، فقال أبو جهل وعبد اللَّه بن أبى أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شئ كلمهم به على ملة عبد المطلب. فقال النبى صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت: (مَا كَانَ لِلنبىّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) التوبة 113 ونزلت (إِنَّكَ لا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ) القصص 56.

ولا حاجة إلى بيان ما كان عليه أبو طالب من حرص على منع الأذى عن إبن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان الحصن الذى تحتمى به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء، ولكنه بقى على ملة الأشياخ من أجداده، فلم يفلح كل الفلاح، ففى الصحيح عن العباس بن عبد المطلب، قال للنبى صلى الله عليه وسلم: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو فى ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار. وعن أبى سعيد الخدرى أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم  - و قد تم  ذكر عمه - فقال: لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار تبلغ كعبيه.