23- للبيت رب يحميه

رغم إيمان العرب بالله إلا أنهم اتخذوا إليه شفعاء ووسطاء وقالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللهِ زُلْفَى) الزُّمر آية 3 وبمرور الأيام أصبحوا يعتقدون أنّ هذه الأصنام "الشفعاء" تملك قدرة ذاتية على النفع والضر والخير والشر، فأصبحوا يتوجهون إليها بعبادة مباشرة. وقد كان لكل مدينة صنم، بل كان لكل قبيلة صنم، ففى مكة على سبيل المثال كان أعظم أصنامها (هُبُل)، بينما كان (اللاّت) أعظم أصنام الطائف، كانت ( مناة ) للأوس و الخزرج ،أما ( العزى ) فهو لبنى كنانة وهذه الاصنام هى المذكورة فى قوله عزوجل (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) إلا أنه بقيت عند العرب بقية من دين إبراهيم مثل تعظيم البيت ، و الطواف به ، و الحج ، و العمرة و غير ذلك ، ولكن على ما أدخلوا فيها من تحريف كطوافهم عراة ، وجعل صلاتهم عند البيت مكاء و تصدية ( أى طقوس من صفير وتصفيق) و غير ذلك .

23- للبيت رب يحميه

للبيت رب يحميه

فى هذه الأثناء، تم ضم نجران إلى الحبشة وأصبح لها أميران هما أرياط وأبرهة اللذان تنازعا وتصارعا لكى ينفرد أحدهما بملك هذه المنطقة فأتفقا على المبارزة على أن يحظى الفائز منهما بملك نجران (اليمن) وإنتصر أبرهة وصرع أرياط الذى تمكن قبل موته من أن يشرم (يشق من الجانب) أنف إبرهة ولذلك فقد تم تلقيبه بأبرهة الأشرم....

عاتب النجاشى أبرهة على ذلك بل عزم على تأديبه جزاءا لقتله أرياط، وحينئذ داهنه أبرهة فبعث إليه بالهدايا الثمينة وأقسم على الولاء له دائما وعدم مخالفته، وبسبب ذلك رق له النجاشى فأراد أبرهة أن يجعل النجاشى سعيدا به فأرسل له بأنه ينتوى أن يبنى للنجاشى كنيسة عظيمة بأرض اليمن لم يبن من قبل مثلها فشرع فى بناء كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء عالية الفناء مزخرفة الأرجاء وقد سمتها العرب القليس لإرتفاعها لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من إرتفاع بنائها وعزم أبرهة الأشرم على أن يجئ إليها الحجاج من الجزيرة العربية، وينصرفون عن الحج إلى الكعبة المشرفة ونادى بذلك فى مملكته فكان من نتيجة ذلك أن كرهت العرب العدنانية والقحطانية تلك الكنيسة وغضبت قريش لذلك غضبا شديدا فكان منهم من يقصد تلك الكنيسة كى يحدث بها ما يحقر من شأنها كالتبول والتبرز عمدا داخلها وقد علم أبرهة ممن حوله أن بعضا من قريش فعل بها ذلك غضبا لبيت الله الحرام الذى يريد أبرهة تحويل الناس عن الحج إليه كى يحجوا إلى كنيسته وعليه فقد أقسم أبرهة بغزو مكة وهدم بيت الله الحرام حجرا حجرا...

وتأهب أبرهة بجيش كثيف عرمرم، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله وقيل أنه كان معه ثمانية أو إثنى عشر فيلا آخرين، وبالقرب من مكة أغار جيش أبرهة على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها فأخذوه وكان فى السرح مائتا بعير لعبد المطلب (جد رسول الله) وبعث أبرهة بأحدهم إلى مكة طالبا أن يأتيه منها بأشرف رجال قريش لمفاوضته والتحدث معه وكان هذا الرجل هو عبد المطلب والذى عندما أتاه أكرم أبرهة وفادته لأن عبد المطلب كان رجلا مهابا جميلا حسن المنظر، ودار بينهما حوارا من أجمل الحوارات التى تدل على مكانة البيت الحرام وعلى فطنة ودهاء عبد المطلب وتوكله على رب البيت الحرام....

أبرهة: لم أجئ لقتالكم ولكن لا تمنعونى عن البيت الذى تقدسونه فماذا أنت فاعل ؟

عبد المطلب: لن أفعل شيئا ولكن لى حاجة...

أبرهة: فما حاجتك؟

عبد المطلب: إن حاجتى أن ترد لى مائتى بعير أستولى عليها جيشك فى أثناء مسيره إلى مكة...

أبرهة متعجبا: لقد كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتك أتكلمنى فى مائتى بعير لك قد أستولى عليها جيشى وتترك الحديث عن بيت هو بمثابة دينك ودين آباءك؟!!!!

عبد المطلب: إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه ...

أبرهة: ما كان ليمتنع منى

عبد المطلب: أنت وذاك ( ليكن ما يكون)