22- الحياة ثمنا لقول الحق

هو يحيى بن زكريا عليهما السلام، نبى وابن نبى وابن خالة عيسى عليه السلام، وهو الحصور الذى لم يكن له من قبل سميا أى لم يتسم أحد بهذا الأسم (يحيى) قبله، وهو تقريبا فى نفس عمر عيسى بن مريم إذ حملت به أمه إلياصابات قبل فترة قصيرة من حمل مريم فى عيسى عليه السلام، وقد مات شهيدا عن عمر 30 عام قبل رفع عيسى عليه السلام بثلاث سنوات، مات شهيد قول الحق فى وجه سلطان جائر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا إبنى الخالة يحيى وعيسى عليهما السلام).....

22- الحياة ثمنا لقول الحق

الحياة ثمنا لقول الحق

لا يوجد من نبى يرى منكرا فيغض الطرف عنه، فمهمة أى نبى هى الدعوة إلى الله وهداية الناس وتتضمن الدعوة إلى الله عدم الإقرار بمنكر أو فعل فاسد لا ترتضيه الفطرة أو لا يرضاه الله، وقد كان يحيى عليه السلام من أولئك الذين يجهرون بالحق حتى وإن ذهبت حياتهم فى سبيل ذلك لأنها فى هذه الحالة ستكون فى سبيل الله...

كان أحد ملوك ذلك الزمان طاغية ضيق العقل مستبد برأيه، وكان الفساد منتشرا فى بلاطه وكان يسمع أنباء متفرقة عن يحيى فيدهش لمحبة الناس له بهذا القدر وهو ملكهم ومع ذلك لا يحبه أحد. وكان الملك يريد الزواج من إبنة أخيه وتدعى سالومى التى أعجبه جمالها، وهى أيضا طمعت بالملك، وشجعتها أمها على ذلك مع علمهم أن هذا حرام فى دينهم وهكذا - كعادة الملوك الذين يريدون صكا من علماء الدين يقر مفاسدهم - أراد الملك أن يأخذ إذنا من يحيى عليه السلام يبيح له ذلك الزواج، فذهبوا يستفتون يحيى ويغرونه بالأموال ليستثنى الملك فماذا هو فاعل وهو المتعبد الناسك الذى لا يبالى بنعيم الدنيا لو أتاه نظير عدم الجهر بكلمة الحق؟

أجابهم يحيى بإستحالة ذلك وأنه غير ممكن ولا يوجد فى ذلك إستثناء لمخلوق، ولكن لم يكن لدى الفتاة سالومى أى حرج أو غضاضة من إتمام تلك الزيجة المحرمة، إذ كانت بغىّ فاجرة لا تنتهى عن منكر فى سبيل مراميها فظلوا يلحون عليه (الملك وأم الفتاة والفتاة نفسها) بكل الوسائل، ويحيى عليه السلام كالطود لا يتزحزح ولا يقر لهم نيتهم الفاجرة بل أنه أعلن أمام الناس تحريم زواج البنت من عمّها حتى يعلم الناس- إن فعلها الملك - أن هذا إنحراف لا يجوز، فغضب الملك وأسقط فى يده، فامتنع عن الزواج من سالومى ولكنها فتاة فاجرة بغىّ، وكانت لا تزال طامعة فى الملك، ففى إحدى الليالى الفاجرة أخذت البنت تغنى وترقص، فأرادها الملك لنفسه فأبت وقالت سالومى: لن تأخذ مرادك إلا بالزواج منى فقال الملك: وكيف السبيل إلى الزواج منك وقد نهانا يحيى؟ قالت سالومى: ائتنى برأس يحيى مهرا لى، وأغرته إغراءا شديدا فأمر فى حينه بإحضار رأس يحيى له، فذهب الجنود ودخلوا على يحيى وهو يصلى فى المحراب فقتلوه وقدموا رأسه على صحن للملك، فقدّم الصحن بدوره إلى هذه البغىّ وتزوجها بالحرام....

        وهكذا فقد كانت رأس يحيى عليه السلام مهرا لبغىّ، ولا عجب فى هذه القصة فهذه هى النهاية الطبيعية لتملك الشهوة والنزعات الدنيوية  من قلب وعقل الإنسان فتجعله لا يأبه بمنكر أو حرام، وقد جعل الله فى قتل يحيى وإستشهاده آية وعبرة حتى لا يفكر أحد فى بيع دينه راغبا فى دنيا زائلة، وحتى يكون فى إستشهاد يحيى نموذجا لنوع كريم من الجهاد فى سبيل الله وهو الجهاد بقول الحق فى وجه سلطان جائر....