وجادلهم بالتى هى أحسن

لا شك أنه من ضمن أسباب إنتشار الدين الإسلامى هو أنه عبر التاريخ الإسلامى- منذ بداية الدعوة على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم – تتواجد شخصيات قد حملت على عاتقها أن تنشر الدين الإسلامى بواسطة الجدال المنطقى المحكم الذى يخاطب العقل ويعقد المقارنات مع أمثلة حياتية معاصرة، وقد كان جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه أحد هؤلاء فى مناظرته قبل عمرو بن العاص رضى الله عنه ( قبل إسلامه) فى حضرة نجاشى الحبشة وهى المناظرة الشهيرة والتى بسببها استقر المقام ببعض المسلمين الأوائل فى الهجرة الأولى بالحبشة، وعبر التاريخ الإسلامى تواجد دعاة عظام منهم على سبيل المثال وليس الحصر فى العصر الحديث الإمام محمد عبده والشيخ محمد متولى الشعراوى والشيخ محمد الغزالى والدكتور عبد الله شحاتة والشيخ محمد المسير ومن خارج مصر الداعية أحمد ديدات وغيرهم كثيرون، وهذا المقال هو عن مناظرة جعفر بن أبى طالب قبل عمرو بن العاص رضى الله عنهما ورضى الله عن كل من تم ذكر آسماءهم سلفا....

وجادلهم بالتى هى أحسن

وجادلهم بالتى هى أحسن

عن أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة زوج النبى صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خيرَ جار (النجاشى) أمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى، ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشى فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشى هدايا مما تشتاقه الأنفس من متاع مكة، ولم يتركوا من بطاركته (القسس) بطركا (قسا) إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة المخزومى، وعمرو بن العاص بن وائل السهمى، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطركا(قس) هديته قبل أن تكلموا النجاشى فيهم، ثم قدموا للنجاشى هداياه، ثم سلوه أن يُسلِمَهم إليكم قبل أن يكلمهم قالت: فخرجا فقدما على النجاشى، ونحن عنده بخير دار وخير جار، فلم يبق من بطاركته بطركا إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشى، ثم قالا لكل بطرك منهم: إنه صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشرف قومهم، لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم ثم إنهما قرَّبا هداياهم إلى النجاشى فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا: أيها الملك، إنه صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بَعَثَنَا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.

 قالت: ولم يكن شئ أبغضَ إلى عبد الله بن أبى ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشى كلامهم، فقالت بطاركته حوله: صدقوا أيها الملك قومَهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.

قالت: فغضب النجاشى ثم قال: لا هَيمُ الله إذن لا أسلمهم إليهما ولا أُكادُ قومًا جاورونى(أى طلبوا منى الأمن) ونزلوا بلادى واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان فى أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاورونى.

ثم أرسل النجاشى إلى أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبيّنا صلى الله عليه وسلم كائنًا فى ذلك ما هو كائن، فلما جاءه وقد دعا النجاشى أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا دينى ولا دين أحد من هذه الأمم؟

قالت: فكان الذى كلمه جعفر بن أبى طالب رضي الله عنه فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، يأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.

 قالت: فعدد عليه جعفر بن أبى طالب أمور الإسلام ثم تابع كلامه عن رسول الله فقال: فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقَّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا فى جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.

قالت: فقال له النجاشى: هل معك مما جاء به عن الله شئ؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشى، فاقرأه علىّ؟

فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) قالت: فبكى والله النجاشى، حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم.

ثم قال النجاشى: إن هذا والله والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فوالله لا أُسلِمُهم إليكم أبدًا ولا أكاد.

فلما خرجا (عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة) من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنه غدًا عيبهم عنده، فقال له عبد الله بن أبى ربيعة: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا.

قال عمرو: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، ثم غدا عليه الغد فقال للنجاشى: أيها الملك إنهم يقولون فى عيسى ابن مريم قولاً عظيمًا فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه، فأرسل إليهم يسألهم عنه، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون فى عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه، ما قال الله، وما جاء به نبينا كائنًا فى ذلك ما هو كائن، فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون فى عيسى ابن مريم؟

فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذى جاء به نبينا: (هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء، البتول).

قالت: فضرب النجاشى يده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطاركته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضى (وسيوم تعنى آمنون) من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، فما أحب أن لى دَبرًا (جبلا بلسان الحبشة) ذهبًا، وإنى آذيت رجلا منكم، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله منى الرشوة حين رد علىّ ملكى، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناسَ في فأطيعهم فيه، فخرج  (عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة) من عنده مقبوحين مردودًا عليهما  ما جاءا به.....

وفى الحلقة القادمة باذن الله تحليل واستنباط من هذه المناظرة والتى تعتبر بحق أول مناظرة فى الإسلام مع إلقاء الضوء على النجاشى أو أصحمة رضى الله عنه والذى ساهم بعدله ورجاحة عقله فى الحفاظ على المسلمين الأوائل والذين كانوا نواة المجتمع الإسلامى الوليد وقتئذ....

فيديو جميل ومؤثر عن هذه المناظرة من فيلم الرسالة: