هل دخلت إيطاليا نفق إقتصادى مظلم؟

فى المقال التالى نستعرض التطور الإقتصادى بالنسبة لإيطاليا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن والتحولات التى مرت بنجاح إقتصادى عظيم حتى نهاية القرن العشرين وصولا بحالة من عدم الإستقرار الإقتصادى إنتهاءا بالمرحلة الحالية وهى التى تعانى فيها بسبب كورونا...

هل دخلت إيطاليا نفق إقتصادى مظلم؟
برج بيزا المائل

هل دخلت إيطاليا نفق إقتصادى مظلم؟

عزيزى القارئ قبل أن تقرأ هناك بعض الحقائق التى يجب معرفتها عن إيطاليا وهى:

  • إيطاليا هى الوريث الشرعى لحضارة عظيمة قد عرفها التاريخ الإنسانى وهى الحضارة الرومانية.
  • إيطاليا هى بلد الفن والجمال والمعمار الراقى الفخم وبها تواجد أفضل المهندسين وهى البلد التى انطلق منها عمالقة الفن ليوناردو دافنشى ومايكل انجلو وغيرهم.
  • إيطاليا هى الدولة التى تضم داخلها دولة أخرى هى الفاتيكان التى فيها بابا طائفة المسيحين الكاثوليك وهى أكبر الطوائف المسيحية فى العالم.
  • إيطاليا كانت دولة إستعمارية فى عصرها الحديث بإستعمارها لدول مثل أثيوبيا أو الحبشة وليبيا.
  • إيطاليا من الدول التى تمت هزيمتها فى الحرب العالمية الثانية والآن لنبدأ المقال..

لقد  خسرت إيطاليا الحرب العالمية الثانية وهى التى كانت تخوضها تحت زعامة الفاشيست بقيادة موسولينى وللعلم فإن المذهب الفاشستى يتشابه فى الكثير من الأمور مع المذهب الشيوعى.  كانت إيطاليا عقب الحرب العالمية الثانية فى أضعف وأسوأ حالاتها عبر التاريخ.

لأن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تخشى من نجاح الإتحاد السوفيتى فى نشر مذهبه الشيوعى فى الدول التى هزمت فى الحرب العالمية الثانية، فإنها أرادت أن تستقطبها لجانبها فقدم وزير الخزانة الأمريكى جورج مارشال خطته التى تسمت بأسمه وهى ( مشروع مارشال) الذى يمكن إختصارا تعريفها بأنها خطة تهدف إلى مساعدة أوروبا على التعافى الإقتصادى عقب الحرب العالمية الثانية.

اعتمدت خطة مارشال على منح ما يقرب من 13 مليار دولار كمساعدات لدول أوروبية للتعافى من آثار ما بعد الحرب، ولتحقيق استقرار اقتصادى ولإعادة بناء محاور النقل والطرق والزراعة والمصانع والمدن المدمرة. وعليه فقد استفادت إيطاليا بما يقرب من 1.5 مليار دولار من مشروع مارشال وبالفعل فقد نجحت فى إعادة بناء بنيتها التحتية وإعادة هيكلة الإقتصاد الذى انهار وعادت من جديد كدولة صناعية كبرى.

عودة إيطاليا الإقتصادية أسعدت أوروبا وأسعدت الولايات المتحدة لأنها عندما أقتطعت المبالغ التى وزعتها على الدول الأوروبية كانت تريد تحقيق عدة مصالح أهمها إبعاد أوروبا عن الإتحاد السوفيتى الشيوعى، ثانيها أن تتواجد شراكة إقتصادية قوية مع دول أوروبا وأن تتبنى المذهب الرأسمالى مثل الولايات المتحدة ، وأخيرا فلم تكن الولايات المتحدة غافلة عن أن نهضة أوروبا من شأنها المساعدة بعد عدة سنوات فى تصريف المنتجات والصناعة الأمريكية ولا ننسى الجذور التاريخية للعلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة والتى جعلت الولايات المتحدة لا تجد غضاضة من مساعدة أوروبا فى الوقوف على قدميها.

كنتيجة لتبنى إيطاليا المذهب الرأسمالى أن تحولت كذلك إلى الديموقراطية بعد الفاشية وأصبحت الحكومات تتغير كثيرا بعد إنتخابات حرة نزيهة واستمر ذلك النجاح الإقتصادى حتى حدوث أزمة البترول عقب 1973 والتى أثرت فى الإقتصاد الإيطالى.

ينبغى ألا ننسى التذكير بأن إيطاليا هى دولة صناعية كبرى بمعنى أنه لا يوجد شئ لا تقوم إيطاليا بتصنيعه وهى فى ذلك تحقق ميزة تنافسية فى أوروبا والعالم ولكن من المعروف عن الصناعة الإيطالية أنها ليست الأجود فى العالم ولكنها جيدة إلى حد معقول كما أنها أقل سعرا من نظيرتها فى دول أوروبية أخرى، ولتحقيق الميزة التنافسية فى السعر تبنت سياسة تخفيض قيمة عملتها المحلية وقتئذ وهى الليرة ( وسياسة تخفيض قيمة العملة المحلية بالمقارنة بالدولار هى سياسة ناجحة عندما تكون الدول مصدرة للغير وليست دولة مستوردة كما أن تخفيض قيمة العملة المحلية بالمقارنة للدولار من شأنه تحقيق مرونة سعرية فى أسعار السلع تمكن المنتج من تخفيض أورفع قيمة سلعته ).

عموما ودون إستطراد فقد حققت إيطاليا طفرة إقتصادية عظيمة فى ثمانينات وتسعينات القرن العشرين ولكن بدأت المشاكل فى الألفية الجديدة لماذا؟

عندما ارتضت إيطاليا الدخول فى منظمة اليورو وتوحيد عملتها مع أوروبا والتخلى عن الليرة هنا بدأت تفقد ميزة القدرة على التحكم فى أسعار السلع وعمل المرونة السعرية المطلوبة لذلك، ففقدت بالتالى ميزتها التنافسية فيما يتعلق بالأسعار وانخفض معدل التصدير إلى الخارج، كذلك فمن عيوب توحيد العملة مع دول أوروبا أنها اضطرت الحكومات الإيطالية المتعاقبة على الرضوخ للشروط الإقتصادية التى تم وضعها فى تلك المنظومة ومنها على سبيل المثال عدم جواز أن يزيد الإنفاق الحكومى عن ناتج الدولة إلا بحد معين صغير وقد كان من شأن ذلك أنه قد تم غل يد الحكومات عن الإنفاق الحكومى المطلوب على البنية التحتية أو بناء المستشفيات ليجد المواطن الإيطالى نفسه لا يتمتع بالخدمات التى ينشدها من حكومته فيقوم تبعا لذلك بإسقاط الحكومة لتأتى غيرها فتفعل نفس الشئ وبذلك فقد تعاقبت الحكومات خلال فترات وجيزة مما أوجد حالة من عدم الإستقرار السياسى والذى انعكس على عدم الإستقرار الإقتصادى المطلوب.

ومما زاد الطين بلة هو فيروس كورونا الأخير وتفشى ذلك الوباء فى البلاد لتصبح إيطاليا فى غضون ثلاث أسابيع من شهر مارس 2020 الدولة الأولى فى العالم فى عدد الوفيات وبفارق كبير عن الصين التى نشأ بها المرض!!!

لقد انعدمت السياحة وتوقفت المصانع عن الإنتاج لأسابيع وأصبحت وحدات العناية المركزة فى المستشفيات لا تستطيع إستيعاب المرضى...

فإذا كان الإقتصاد قبل كورونا مريضا فلعله الآن قد مات إكلينيكيا ولا شك أن العالم قبل كورونا لن يكون أبدا مثل العالم بعده وسيكون هذا المرض بداية لتساؤل بعض الأوروبيين عن جدوى توحيد العملة فيما بينها وهل الإندماج لهذا الحد قد أفاد أم أضر؟ وفى النهاية هل ستحتاج أوروبا عقب أزمة كورونا – إن قدر الله لها النهاية- إلى مشروع مارشال جديد؟ والسؤال الأهم من الذى سيموله حينئذ ؟