نجيب الريحانى وعبقرية المشهد الأخير

لا شك أن فيلم غزل البنات هو أيقونة من أيقونات السينما المصرية لمخرج عبقرى سابق لعصره ألا وهو الفنان أنور وجدى، وقد اتسم هذا الفيلم بعدة سمات فهو فيلم كوميدى إذ فيه افيهات من أفضل الأفيهات التى وردت فى السينما المصرية عبر تاريخها، وهو فيلم غنائى بأغنيات الفنانة ليلى مراد أو الأغنية الرائعة للفنان محمد عبد الوهاب ( عاشق الروح)،وكذلك فيمكن اعتباره فيلم تراجيدى بإظهاره للآلام النفسية التى عاناها الأستاذ حمام ( نجيب الريحانى) عندما تم وأد حبه الصامت من طرف واحد للفنانة ليلى مراد، وهو فيلم هادف ذو رسالة عندما ألقى الضوء على سوء رواتب المعلمين للدرجة التى تجعل راتب جليس لكلب أضعاف راتب معلم للنشء....

نجيب الريحانى وعبقرية المشهد الأخير
نجيب الريحانى والمشهد الأخير

نجيب الريحانى وعبقرية المشهد الأخير

لقد كان فيلم غزل البنات هو الفيلم الأخير للفنان الراحل الضاحك الباكى ( نجيب الريحانى) الذى سنلقى بإيجاز الضوء على حياته قبل أن نعرج على المشهد الأخير له فى رحلته الفنية وما اتسم به من عبقرية الأداء...

نجيب إلياس ريحانة الشهير باسم نجيب الريحانى، هو أحد رواد المسرح والسينما فى الوطن العربى ومصر خصوصا، ويرجع إليه الفضل فى تطوير المسرح والفن الكوميدى في مصر، حتى لقب بـ " زعيم المسرح الفكاهى"، بعد أن ساهمت أعماله فى اسعاد الجمهور وتوصيل رسالة هادفة فى شكل كوميدى اثرت نفوس المشاهدين.

ولد عام 1889م ، بحى باب الشعرية، لأب عراقى وأم قبطية مصرية، ودرس بمدرسة الفرير الفرنسية بالقاهرة، والتى كانت بداية ظهور موهبته التمثيلية المبكرة ، حيث انضم إلى فريق التمثيل المدرسى، واشتهر بين معلميه بقدرته على إلقاء الشعر العربى، نظرا لتعلقه  وإعجابه بالمتنبى وأبو العلاء المعرى، كما أحب الأعمال الأدبية والمسرحية التى باللغة الفرنسية.

التحق نجيب الريحانى بعد إتمام دراسته ألتحق للعمل بالبنك الزراعى، وتعرف من خلاله على عزيز عيد ليعمل معه فى التمثيل وتسبب ذلك فى تغيبه المتسمر عن العمل بالبنك الزراعى حتى فصل منه، عمل بعد ذلك بشركة السكر بنجع حمادى، وهى الوظيفة التى اثرت بشكل مباشر على اعماله السينمائية والمسرحية فيما بعد، حيث ظهر فى عدد من الأعمال بهيئة الموظف الفقير حال معظم المواطنين فى ذلك الوقت ليكتسب لقب " الضاحك الباكى" كى يضاف إلى ألقابه.

تزوج الريحانى من اللبنانية " بديعة مصابنى"، بعد أن تعرف عليها فى أحد عروضه بلبنان، واصطحبها معه إلى مصر لتؤسس فرقة مسرحية باسمها عرفت بـ "فرقة بديعة مصابنى"، حتى ازدادت المشاكل الزوجية بينهما فيما بعد حتى تم الانفصال، ليتزوج بعد ذلك من  امرأة ألمانية تدعى "لوسى دى فرناى" كانت نجمة الاستعراضات بفرقته وقتها، والتى أنجب منها ابنته الوحيدة جينا.

توفى نجيب الريحانى عام 1949م ، عن عمر ناهز الستين عاما، بعد تدهور حالته الصحية لإصابته بمرض التيفوئيد، والذى أثر على رئتيه وقلبه وكان سببا رئيسيا لوفاته بالمستشفى اليونانى بالعباسية.

قدم الريحانى العديد من الأعمال الفنية المختلفة منها السينمائى والمسرحى والإذاعى، وبرغم أن أعمالة السينمائية لم تتعدى الـ10 أعمال إلا أنها كان لها أثر كبير وتركت بصمة كبيرة فى الفن العربى والمصرى خصوصاً، كما ألف الريحانى 33 مسرحية، أخرجها وقام ببطولتها جميعا، وكان من أشهر الشخصيات التى قام بتمثيلها "كشكش بك" والتى ذاع صيتها بالوطن العربى كله، واعتزل المسرح عام 1946 ليتفرغ بعدها للسينما ليترك لنا تراث فنى سينمائى كأفلام لعبة الست ، أبو حلموس ، وكان آخرها "غزل البنات" والذى لم يتمكن من إكمال تصويره، ليقوم مخرج الفيلم الفنان أنور وجدى بتغيير نهاية الفيلم ليخرج بالشكل الذى تم عرضه.

عن هذا المشهد تتجلى عبقرية كلا من الفنانين ( نجيب الريحانى)و (أنور وجدى) والمشهد يتمحور فى تواجد الثلاثة ( نجيب الريحانى فى المقعد الخلفى من السيارة) و( أنور وجدى على عجلة القيادة) و ( ليلى مراد  على الكرسى المجاور للسائق) والذى يحدث فيه حوار لطيف بسيط بين الثلاثة يفهم منه أن نجيب الريحانى قد آمن بإستحالة حالة الحب بينه وبين ليلى مراد وأن الكهولة والشباب من الصعب تلاقيهما وأن أنور وجدى بشبابه وحيويته هو الأجدر بها فتخرج ابتسامات بسيطة منه مع تمايل وتحريك للطربوش إلى الأمام وكأنها توضح سذاجة ظنه السابق ولأنه كذلك توفى فى أثناء هذا الفيلم وكان هذا المشهد هو الأخير فيه ( بفضل عبقرية أنور وجدى التى انتقته من مجرد مشهد عادى ليكون خاتمة مفتوحة للفيلم) فقد اعتبر الجمهور ابتسامات الريحانى بمثابة سخرية منه على عبث الحياة برمتها والتى يلهث فيها الإنسان كدا ورياءا للآخرين بل وأحيانا يرتكب المحرمات فى سبيل التمتع بها رغم تفاهتها !!! وآخرين اعتبروا ابتساماته وكأنها توديع لطيف منه للجمهور وبخاصة مع التركيز بالكاميرا على وجه نجيب الريحانى فى المشهد الأخير.

لا شك أن الفضل لأنور وجدى فى تحويل مسار نهاية الفيلم بهذا الإبداع وذلك لأنه كان عقلية سينمائية هوليوودية سابقة لعصرها، وبالرغم من أنه لا شك لم يكن يتمنى ولا أحد كذلك كان يتمنى وفاة نجيب الريحانى إلا أنه وطالما الوفاة قد حدثت فعليا فقد وجهها للوجهة التى تجعله ينتفع ماديا كمنتج للفيلم وبما يعتبر كذلك تكريما للفنان الضاحك الباكى ( نجيب الريحانى)

وإلى مشهد الفيلم:

 

وإلى فيديو يتناول بالتحليل فيلم غزل البنات: