مى زيادة ( الثقافة والحب والألم)

مى زيادة هى نموذج للمرأة الفاعلة فى المجتمع، والتى عندما عشقت الأدب خصصت صالونا إسبوعيا كى يرتاده من هم مثلها يعشقون الأدب، ومن ثنايا هذه اللقاءات أحبها الجميع وتمنوا منها أن تبادلهم الحب ولكن قلبها لم يهوى سوى جبران خليل جبران، وهو الحب الذى لم يعرف الكمال، ولم تبتسم لها الأيام كثيرا فواجهت صعوبات واتهمها المستغلون بالجنون لتموت فى النهاية وحيدة رغم كثرة عاشقيها....

مى زيادة ( الثقافة والحب والألم)
مى زيادة

مى زيادة ( الثقافة والحب والألم)

البداية :

وُلدت مي زيادة لأبٍ لبناني ماروني وأم فلسطينية من الناصرة، وكانت الابنة الوحيدة لهما. كان والدها الياس زياد محررًا صحفيًا.

التحقت بالمدرسة الابتدائية في الناصرة، إلّا أنّ عائلتها انتقلت إلى كسروان اللبنانية فيما بعد فالتحقت بالمدرسة الفرنسية لدير الراهبات لإكمال دراسته الثانوية، وتعرفت هناك على الأدب الفرنسي والرومانسي الذي أخذ يروقها بشكلٍ خاص. كما التحقت بعدة مدارس أخرى في لبنان عام 1904 لتنتقل العائلة بعدها عائدةً إلى الناصرة، ويشاع أنها نشرت أولى مقالاتها في سن السادسة عشر.

هاجرت برفقة عائلتها إلى مصر عام 1908، وهناك أسس والدها صحيفة "المحروسة" والتى ساهمت مي فيها بعدة مقالات.

كانت مهتمةً بدرجةٍ كبيرة بتعلم اللغات، فثابرت على تعلم اللغات في المنزل بالإضافة إلى تعلمها في المدارس الكاثوليكية الفرنسية والجامعة. فتعلمت الإنجليزية والإيطالية والألمانية والإسبانية واللاتينية واليونانية، وتخرجت عام 1917.

كانت مي معروفة جدًا بين الأدباء العرب، حيث استقبلت العديد من الكتّاب والمثقفين من الذكور والإناث في صالون أدبى انشأته عام 1912، وكان من بين الذين يترددون على صالونها: طه حسين وخليل مطران وأحمد لطفي السيد وأنطوان الجميل وعباس العقاد وغيرهم العديد.

وقعت كتاباتها الأولى التي كتبتها بالفرنسية باسم إيزيس كوبيا، وكعادة نساء عصرها بدأت الكتابة باسم مستعار تحت عنوان "عايدة" ثم ظهر اسم "الآنسة مى" الذي رافقها، واختار لها أشهر أدباء عصرها جبران خليل جبران اسم "مريم" بعد أن أحبها وظل يكتب لها رسائل حب دون أن يلتقي بها أبدا طوال 20 عاما. 

كانت مى ترى أن المرأة عنصر أساسى لكل مجتمع إنسانى وأن المرأة المستعبدة لا تستطيع إرضاع أطفالها رضاعة طبيعية طالما أن هذا الحليب تطغى عليه رائحة العبودية. وفى عام 1921 عقدت مؤتمرًا تحت عنوان "الهدف من الحياة" دعت فيه المرأة العربية إلى التطلع نحو الحرية والانفتاح على الغرب دون نسيان هويتها الشرقية.

كان أول كتاب لها هو "أزاهير حلم" وهو مجموعة من الاشعار باللغة الفرنسية، تلاه العديد مثل "كتاب المساواة" و"كلمات وإشارات" و"ابتسامات ودموع" والعديد العديد.

نشرت مي العديد من المقالات في صحفٍ كبرى مثل "الهلال" و"الأهرام" و"الزهور".

أحبها كثيرون منهم الشاعر اسماعيل صبري وعبد العزيز فهمي وعباس محمود العقّاد وأحمد شوقي وطه حسين وأحمد حسن الزيات الذى وصفها بقوله: " تختصر للجليس سعادة العمر كله في لفتةٍ أو لمحةٍ أو ابتسامة ".

على الرغم من عدم زواجها، إلا أنها كانت على علاقةٍ مع أحد أعظم أدباء القرن العشرين العرب وهو الكاتب اللبنانى جبران خليل جبران. وعلى الرغم من أن الثنائى لم يلتقيا، إذ كان جبران يعيش في نيويورك آنذاك، إلّا أنّهما احتفظا برسائل بعضهما الخطية التى استمرت 19 عامًا حتى وفاة جبران عام 1931.

أغلب من كانوا يرتادون صالونها كانوا طرفا فى قصص حب غير مكتملة، ويرجح مؤرخو حياتها أن إعجاب الرجال بها جاء لكونها كانت "المرأة الاستثناء" بالقياس لأوضاع النساء في مصر عند بدايات القرن العشرين.

العقاد وحبه لمى زيادة:

يشاع أن العقاد وحده حظى بفرصة الخروج معها للسينما بعد قبول شرطها بالذهاب إلى سينما الكنيسة ، وهناك عشرات القصائد في ديوان العقاد كاشفة عن تعلقه بها، وكتب لها ذات يوم: "أنت معبودتي يا مى"، وكتبت له مرة فى إحدى رسائلها:

لماذا تكتب لى (أنتى)، وليس (أنتِ) بكسر التاء؟

فأجابها: يعزّ عليَّ كسرك حتى في اللغة.

المأساة فى حياتها:

تدهورت الصّحة النّفسيّة والجسديّة لمي زيادة إثر فُقدانها والدها عام 1929م، ثمّ وفاة الحبيب جُبران خليل جبران عام 1931م، وفي عام 1932م لحقتهما والدتها، فأثّر ذلك فيها؛ ممّا دعاها إلى العُزلة عن النّاس، حتّى أصدقاءها ومعارفها، كما أنّها في عام 1935م توقّفت عن الكتابة والقراءة، وفى عام 1936م عادت إلى لُبنان بنصيحة ابن عمّها جوزيف زيادة تخفيفاً عنها لما حصل لها، على أن تعود إلى القاهرة بعد أسبوع، وكان جوزيف قد وكّل نفسه على أموالها، إلّا أنّه أمدّ الفترة إلى أكثر من شهرين وبدون رضاها، فأدخلها بعد ذلك إلى مصح للأمراض العقليّة والنّفسيّة بعد اتّهامها بالجنون وكان اسم المصحّ "العصفوريّة" والذي يقع بالقرب من بيروت، وقد تعرّضت فيه إلى أنواع التّعذيب النفسية المُختلفة، ومع إضرابها عن الطّعام تدهورت حالتها حتّى وصل وزنها إلى 28 كيلوغراماً، ولم تُوقف إضرابها حتّى تمّ نقلها إلى مُستشفى آخر، وفي هذه الأثناء عَمَد ابن عمّها إلى الحجز على أموالها، وبيتها، ومُمتلكاتها؛ لتكون له، وما كانت هذه الأحداث إلّا طمعاً في أموالها فقط.

مع حلول عام 1937م وفي شهر مارس تحديداً تمّ نقل ميّ من المصحّ إلى مُستشفى خاصّ وذلك بعد تدخلّات من أصدقائها، فعُولجت فيه حتّى تحسّنت صحّتها، ثمّ سكنت بعد عامين فى بيت ريفيّ في مدينة بيروت لكن هذا لم يمنع عنها الحجز الذى فُرض عليها قضائيّاً....

خرجت مى من المصحة وحاضرت في الجامعة الأمريكية، بحضور القضاة الذين كانوا ينظرون قصية النزاع على الميراث وأبهرتهم براعتها في الخطابة، وأطلق سراحها...

عادت إلى مِصر بمساعدة أصدقاء لها وذلك بعد حصولها على تقرير يُثبت سلامة فِكرها، وأنّ الحالة التى هي فيها ما هي إلّا ظُلم حاصل لها فقط لا غير، وعندما استقرّت ميّ في بيت صغير في مِصر، كتبتْ رسائل لمن كانوا أوفياء لها في محنتها، ومنهم: فيليكس فارس، وأمين الرّيحاني، وعندما توفّيا ضاقت بها الأرض وزاد مرضها لأنّهما كانا أكثر الذين وقفوا إلى جانبها....

وفاة مي زيادة:

توفيت بتاريخ 17أكتوبر1941، في مستشفى المعادي في القاهرة. وأنهت رحلتها كامرأة وحيدة إذ لم يحضر جنازتها عند وفاتها في 19 أكتوبر عام 1941 أحد من مشاهير عصرها، الذين برزت أسماؤهم في صالونها الأدبى، ودفنت في مقابر الموارنة في مصر القديمة إلى جانب والديها. وقد رثاها عباس محمود العقاد بقوله: "كل هذا التراب آه من التراب"، أما هدى شعراوى فقالت: "كانت مى المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية المثقفة". كما كُتب فى رثائها العديد والعديد من المقالات في الصحف.

الفيديو: