من وحى أول مناظرة فى الإسلام

هذا المقال هو عن بعض ما يمكن استنباطه وتحليله من ثنايا أول مناظرة فى تاريخ الإسلام بين جعفر بن ابى طالب وعمرو بن العاص ( قبل إسلامه) رضى الله عنهما فى حضور النجاشى حاكم الحبشة وهى المناظرة التى تضمنت فصاحة ومنطق وبيان خلد ذكرها إلى اليوم....

من وحى أول مناظرة فى الإسلام

من وحى أول مناظرة فى الإسلام

برجاء متابعة مقالى السابق على الرابط

https://www.ebda3elqalam.com/%D9%88%D8%AC%D8%A7%D8%AF%D9%84%D9%87%D9%85-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%89-%D9%87%D9%89-%D8%A3%D8%AD%D8%B3%D9%86

كان عمرو بن العاص رضى الله عنه وهو يمثل فى تلك المرحلة عداوة الله ورسوله  صلى الله عليه وسلم على مستوى كبير من الذكاء والدهاء والمكر، وكان قبل دخول جعفر بن ابى طالب وحديثه قد شحن كل ما لديه من حجة، وألقى بها بين يدى النجاشى من خلال النقاط الآتية:

 - تحدث عن بلبلة جو مكة وفساد ذات بينها من خلال دعوة محمد  صلى الله عليه وسلم ، وهو سفير مكة وممثلها بين يدى النجاشى، فكلامه مصدق لا يعتريه الشك، وهو عند النجاشى موضع ثقة فقد  تحدث عن خطورة أتباع محمد  صلى الله عليه وسلم والذين ربما سيزلزلون الأرض تحت قدمى النجاشى، كما أفسدوا جوّ مكة، ولولا حب قريش للنجاشى وصداقتها معه، ما تجشموا هذا العناء لنصحه من هذه الفتنة المخيفة المتربصة، فأخطر ما فى أمر أتباع محمد، هو خروجهم على عقيدة النجاشى وكفرهم بها إذ أنهم لا يشهدون أن عيسى ابن مريم إله، فهم ليسوا على دين قومهم وليسوا على دين النجاشى أيضا، فهم بذلك مبتدعة دعاة فتنة. وكدليل لإستصغارهم لشأن الملك، وإستخفافهم به أن كل الناس يسجدون للملك لكنهم لا يفعلون ذلك، فكيف يتم إيواؤهم عنده؟!، وعمرو بن العاص يعمل بذلك على إثارة الرعب فى نفس النجاشى، من عدم إحترام الدعاة له حين يستخفون بملكه، ولا يسجدون له، فكان على جعفر أن يفند كل الاتهامات الباطلة التى ألصقها سفير قريش بالمهاجرين فكان رد جعفر على أسئلة النجاشى فى غاية الذكاء، وقمة المهارة السياسية، والإعلامية والدعوية، والعقدية، فقام بالتالى:

- عدَّد عيوب الجاهلية، وعرضها بصورة تنفر السامع، وقصَدَ بذلك تشويه صورة قريش فى عين الملك، وركز على الصفات الذميمة التى لا تنتزع إلا بنبوة.

- عرض شخصية الرسول  صلى الله عليه وسلم فى هذا المجتمع الآسن الملئ بالرذائل، وكيف كان بعيدًا عن النقائص كلها، ومعروفًا بنسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فهو المؤهل للرسالة.

- أبرز جعفر محاسن الإسلام وأخلاقه التى تتفق مع أخلاقيات دعوات الأنبياء، كنبذ عبادة الأوثان، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكون النجاشى وبطاركته موغلين فى النصرانية فهم يدركون أن هذه رسالات الأنبياء، التى بعثوا بها من لدن موسى، وعيسى عليهما الصلاة والسلام.

- فضح ما فعلته قريش بهم لأنهم رفضوا عبادة الأوثان، وآمنوا بما نزل على محمد  صلى الله عليه وسلم   وتخلقوا بخلقه.

- أحسن الثناء على النجاشى بما هو أهله، بأنه لا يُظلم عنده أحد، وأنه يقيم العدل فى قومه.

- وأوضح أنهم قد إختاروه ملاذا من دون الناس، فرارًا من ظلم هؤلاء الذين يريدون تعذيبهم وبهذه الخطوات البينة الواضحة دحر بها بلاغة عمرو وفصاحته، واستأثر بلب النجاشى وعقله، وكذلك استأثر بلب وعقل البطاركة، والقسيسين الحاضرين.

- وعندما طلب الملك النجاشى شيئًا مما نزل على محمد  صلى الله عليه وسلم،  قرأ له صدر سورة مريم فأثر فيمن حوله حتى بكى النجاشى، وأساقفته، وبللوا لحاهم ومصاحفهم من الدموع، وإختيار جعفر لسورة مريم، يظهر بوضوح حكمة وذكاء مندوب المهاجرين، فسورة مريم تتحدث عن مريم وعيسى عليهما السلام.

- إن عبقرية جعفر رضى الله عنه  فى حسن إختيار الموضوع، والزمن المناسب، والقلب المتفتح، والشحنة العاطفية، أدت إلى أن يربح الملك إلى جانبه.

- كان رده فى قضية عيسى عليه السلام دليلاً على الحكمة والذكاء النادر، فرد بأنهم لا يألهون عيسى ابن مريم، ولكنهم كذلك لا يخوضون فى عرض مريم عليها السلام ، كما يخوض الكاذبون، بل عيسى ابن مريم كلمته وروحه ألقاها إلى مريم البتول العذراء الطاهرة، وليس عند النجاشى زيادة عما قال جعفر، ولا مقدار هذا العود.

- هم لا يسجدون للنجاشى، فهم معاذ الله أن يعدلوه بالله، ولا ينبغى السجود إلا لله، لكنهم لا يستخفون بالملك، بل يوقرونه ويسلمون عليه كما يسلمون على نبيهم، ويحيونه بما يحيى أهل الجنة أنفسهم به فى الجنة.

 وهكذا إنتهى الأمر بأن أعلن النجاشى صدق القوم، وأيقن بأن هؤلاء صديقون، وعزم على أن يكون فى خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى يأتيه الناموس كناموس موسى، وأن يتقرب إلى الله بحماية أصحابه، وأكد لعمرو أنه لا يضيره تجارة قريش، ولا مال قريش، ولا جاهها، لو أرادت قطع علاقتها معه.  وبذلك إنهزمت قريش فى هذه الجبهة سياسيًّا ومعنويًّا، وإعلاميًّا أمام مقاومة المسلمين الموفقة وخطواتهم، وأساليبهم الرصينة، وكان موقف جعفر وإخوانه مثالاً تطبيقيًا لقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم: من التمس رضا الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس  فهؤلاء الصحابة رضى الله عنهم قد التمسوا رضا الله  عز وجل ، مع أن الظاهر فى الأمر أنه يترتب عليه فى هذه القضية سخط أولئك النصارى وهم الذين لهم الهيمنة عليهم، فكانت النتيجة أن الله  عز وجل سخر لهم ملك الحبشة حتى نطق بالحق الموافق لدعوة النبى صلى الله عليه وسلم، مع مخالفته الصريحة لمعتقدهم المنحرف، الذى قام عليه ملكهم وما يغلب على الظن من ثورة النصارى المتعصبين عليه. ولعل مع هذه الواقعة كانت بداية تفتح قلب عمرو بن العاص رضى الله عنه للإسلام، ولعلها كانت البداية لإنحسار الغشاوة عن قلبه وعقله وذلك لما شهده من ثبات المهاجرين لأرض الحبشة وما أجابوا به النجاشى بكل منطق وفصاحة... 

نبذة عن النجاشى رحمه الله:

          إنه النجاشى حاكم الحبشة وملكها، وإسمه أصحمة رضى الله عنه وللنجاشى قصة عجيبة، ففى إحدى الليالى قام بعض المتآمرين بقتل والده ملك الحبشة، واستولوا على عرشه، وجعلوا على الحبشة ملكًا آخر، لكنهم لم يهنأوا بفعلتهم، فقد ظل ابن الملك المقتول يؤرقهم، فخافوا أن ينتقم منهم عندما يكبر، فقرروا أن يبيعوه فى سوق العبيد، وبالفعل نفذوا مؤامرتهم، وباعوا ذلك الغلام لأحد تجار الرقيق. وفى إحدى الليالى خرج الملك الغاصب فأصابته صاعقة من السماء فوقع قتيلاً، فسادت الفوضى فى بلاد الحبشة وبحثوا عمن يحكمها، وأخيرًا هداهم تفكيرهم إلى أن يعيدوا ابن الملك الذى باعوه فى سوق الرقيق لأنه أحق الناس بالملك، وبعد بحث طويل وجدوه عند أحد التجار، فقالوا له: رد إلينا غلامنا ونعطيك مالك فرده إليهم. فقاموا على الفور بإعادته وأجلسوه على العرش، وألبسوه تاج الملك، لكنهم أخلفوا عهدهم مع التاجر ولم يعطوه ماله، فقال التاجر: إذن أدخل إلى الملك، وبالفعل دخل إليه وأخبره بما كان، فقال لهم الملك الجديد: إما أن تعطوا التاجر حقه، وإما أن أرجع إليه، فسارعوا بأداء المال للتاجر. وبعد سنوات من حكمه، انتشر عدله، وذهبت سيرته الطيبة إلى كل مكان، وسمع بذلك المسلمون فى مكة، فهاجروا إليه فرارًا بدينهم من أذى المشركين وإضطهادهم، لكن الكفار لم يتركوهم يهنئون فى دار العدل والأمان، فأرسلوا إلى النجاشى عمرو بن العاص وهو داهية العرب، وعبد الله بن أبى ربيعة بالهدايا العظيمة حتى يسلمهما المسلمين الذين جاءوا يحتمون به....

ولقد وكله النبى ( فى أمر زواجه بالسيدة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب رضى الله عنها، وكانت قبل ذلك زوجة لعبيد الله بن جحش، لكنه ضل ودخل فى النصرانية، ومات على شركه، فأرسل النجاشى إلى أم حبيبة بعد إنقضاء عدتها بأن الرسول(يطلبها للزواج، فسعدت أم حبيبة ووكلت قريبًا لها هو الصحابى خالد بن سعيد ليكون وليها فى الزواج. وقام النجاشى بأداء المهر عن رسول الله (وكان أربعمائة دينار، ولما هاجر الرسول إلى المدينة، وظهر دين الله، قال جعفر بن أبى طالب للنجاشى: إن صاحبنا (يقصد النبى) قد خرج إلى المدينة، وانتصر على المشركين، وقد أردنا الرحيل إليه فزودنا، فقال النجاشى: نعم، فأعطاهم ما يكفيهم فى سفرهم ويزيد، ثم قال لجعفر: أخبر صاحبك بما صنعت إليكم، وهذا رسولى معك وأنا أشهد ألا إله إلا الله وأنه رسول الله، فقل له يستغفر لى، ولولا ما أنا عليه من الملك لأتيت إليه، وقبلت قدمه. وجاء وفد المؤمنين إلى المدينة، ففرح بهم الرسول وسمع من جعفر، ثم قام وتوضأ ودعا ثلاث مرات: (اللهم اغفر للنجاشى)، فيقول المسلمون آمين، ثم قال جعفر لرسول النجاشى: انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت. ولما مات النجاشى، قال الرسول لأصحابه: إن أخاكم قد مات بأرض الحبشة ، فخرج بهم إلى الصحراء وصفهم صفوفًا ثم صلى عليه صلاة الغائب، وكان ذلك فى شهر رجب (9هـ).