محمود أمين سليمان ( اللص والكلاب)

قال عنه الكاتب مصطفى أمين: " هو لايهمه حتى ينجو من السجن، أن يقتل الأبرياء، وأن يسفك دماء الناس، كأن هذا المسدس الذى فى يده يهيئ له أنه فوق الناس وفوق القانون. إنه يريد أن يفرش طريق هروبه بجماجم الضحايا وأشلاء الأبرياء وفى كل بلاد العالم يجند الشعب للقبض على مثل هذا المجرم، وقد ظهر أمثال له فى بريطانيا وفى فرنسا وفى أمريكا وشعر كل فرد فى الشعب أن هذا المجرم خارج عليه." رغم ثراء أسرته وعدم حرمانه من أى شئ، إلا أنه كان يفضل السرقة منذ طفولته، فتطور الأمر في شبابه ليتحول إلى سفاح حير الشرطة والشارع المصرى في ستينيات القرن الماضي، إنه سفاح القرن العشرين "محمود أمين سليمان"، الذى استوحى الكاتب العظيم نجيب محفوظ من سيرته رواية اللص والكلاب التى أصبحت فيلمًا شهيرا فيما بعد، كما أن مانشيت مصرعه فى الصحافة كان سببا فى غضب الرئيس جمال عبد الناصر وعقاب الكثيرين، فإلى المقال....

محمود أمين سليمان ( اللص والكلاب)
السفاح محمود أمين سليمان

محمود أمين سليمان ( اللص والكلاب)

النشأة ونزعة الجريمة:

ترك والد محمود أمين سليمان قريته بصعيد مصر مركز أبوتشت - محافظة قنا وهاجر إلى لبنان عام 1920 من أجل البحث عن مصدر رزق جديد وأسس هناك شركة صغيرة لشحن البضائع، واستقر فى مدينة طرابلس اللبنانية بجوار مقر شركته، وهناك تزوج ورزق بخمس بنات وثلاثة أولاد منهم محمود. كان الطفل الصغير محمود متمردا دائمًا على الأسرة والمدرسة، إذ كان يسرق أموال والده ليصرف منها على متعته الشخصية، ثم يسرق من الجيران، وكانت بداية عهده بالسرقة فى طفولته وهو فى عمر 7  سنوات عندما سرق 4  ثمرات (خيار) واكتشفت والدته السرقة فقامت بمعاقبته....

وتم القبض على محمود أمين سليمان لأول مرة وهو طفل بعمر التاسعة عندما التحق بعصابة متخصصة فى سرقة منازل الأثرياء وكان دوره أن يتسلق الأسوار العالية لرشاقته وخفة وزن ولكن الشرطة قامت حينئذ بتسليم محمود لوالده لحداثة سنه. ولكنه لم يتوقف إذ فى يوم من الأيام وعندما كان لا يزال شابًا يافعًا، قام بالتعاون مع أحد العصابات بالتخطيط لأكبر سرقة ممكنة، وهى سرقة الرئيس اللبنانى فى هذا الوقت كميل شمعون!!!!

وخلال هذه العملية صار كل شىء بصورة طبيعية إلى أن استخدم أحد معاونى محمود السلاح لقتل واحد من الحراس، وهنا حدث الإنذار وتم القبض على كل اللصوص وتوجيه أحكام شديدة لهم تصل إلى السجن المؤبد، لكن ما هى إلا شهور قليلة حتى تمكن محمود سليمان من الهرب من السجن والعودة إلى مصر ملتحقًا بعائلته وفاتحًا صفحة جديدة فى تاريخه الإجرامى ولكنها  صفحة أكثر عنفا وشراسة.

عاد محمود سليمان إلى مصر وهو يهدف إلى توسيع نشاطه الإجرامى خاصةً أنه لم يكن أحد يعرفه أو قد سمع بما فعله فى لبنان لضعف الإعلام وانتشار الأخبار آنذاك، ولذلك استغل موت والده وباع بعض أملاكه واشترى من إرثه الكثير من الكتب، ثم أسس دار نشر ومطبعة، وبالطبع كان يهدف من ذلك بناء ستارة يخفى ورائها نشاطه الإجرامى.

نجحت خطة محمود فبعد أشهر قليلة أصبح يُعرف بكونه أحد رعاة الثقافة فى مصر، وقد مكنته تلك السمعة من الاختلاط بين أوساط المثقفين والمشاهير في الفن ليبدأ في استدراج المعلومات منهم بهدف سرقتهم، فكانت ضحيته الأولى هو أمير الشعراء الشهير أحمد شوقي، حيث استغل غيابه وقام بسرقة نخلة ذهبية على شكل تمثال كان أمير الشعراء قد حصل عليها كهدية من أحد الأمراء، ثم بعد ذلك ذهب إلى سباهى باشا ( المليونير الشهير فى هذا الوقت)، وقام بسرقة أغراض منزله، ولم تتوقف سرقات محمود أبدًا عند هذا الحد، فقد وصلت إلى كوكب الشرق أم كلثوم، حيث قام بسرقة بيتها بالإضافة إلى بيت صاحب مصانع الغزل والنسيج بولفار.

صورة تبرز اندماجه مع الوسط الثقافى والفنى

علاقات النسائية:

بعد استقراره في القاهرة وتأسيسه  لدار النشر، تزوج محمود لأول مرة من فتاة تُدعى عواطف وقد اكتشف لاحقًا أنها ليست عذراء فطلقها، وبعد ذلك شاهد محمود فتاة جميلة ومن أسرة فقيرة تُدعى نوال عبد الرؤوف وكانت ستتزوج قريبا من تاجر من مدينة الزقازيق، إلا أن محمود قام بإغراء أسرتها بمبالغ مالية كبيرة فوافقوا على زواج محمود ونوال.

وللمرة الثالثة أوقع محمود في شباكه سيدة أجنبية تعيش في مصر تدعى بيلا، وقد شاهدها محمود فى مكتب أحد المحامين فظن أنها امرأة ثرية تملك الكثير من المال ولكنه اكتشف لاحقًا أنها سيدة فقيرة تبحث عن زوج ثرى، ولاحقًا اكتشفت بيلا زواج محمود من نوال فطلبت الطلاق وقام محمود بتطليقها عندما اكتشف أنها لا تملك المال الذى يبحث عنه.

بدايته كسفاح:

بعد طلاق محمود أمين سليمان من زوجته الأجنبية تمكن أحد السكان من التعرف عليه ووشى به، وبالفعل جاءت الحكومة وألقت القبض عليه وحصل فى النهاية على حكم بالسجن لعدد وافر من السنوات، وفى هذه الأثناء كان له صديق محامى يُدعى بدر الدين أيوب ، وقد أقنعه بأنه لن يتركه وسوف يحاول الحصول على أخف حكم ممكن، وبالطبع صدق محمود وتعلق بهذا الأمل، لكنه لم يكن يعرف أنه كما خدع الكثيرين من قبل فسوف يأتى أحدهم في يوم من الأيام ويرد الصفعة له. خلال مدة سجن محمود جاءته الأخبار بأن المحامى بدر الدين يخونه مع زوجته نوال، وأنه يفعل كل ما بوسعه لكى يؤخر فترة مكوث محمود فى السجن وليس العكس، شعر محمود بالغضب الشديد وقرر الانتقام من بدر الدين وزوجته، فهرب وتخفى كما فعل تمامًا فى لبنان، وقرر حينها أن الإنتقام، ومن الأقوال المأثورة أنه عندما تبدأ فى الإنتقام فأبدأ بحفر قبرين أحدهما حتما سيكون لك....

رحلة الإنتقام والقتل:

بحث محمود أمين عن بدر الدين فى كل مكان يعرف أنه سيذهب إليه، لكنه لم يجده، فقرر أن يتخلص من زوجته الخائنة أولًا، وعندما ذهب وأطلق عليها الرصاص أصاب شقيقتها فقتلها ولاذ بالهرب، ثم اكتشف بعد ذلك أنه بحاجة إلى المال فذهب إلى منازل الأثرياء الذين كانوا أصدقائه أثناء فتح دار النشر، وخلال تلك السرقات قام بقتل أفراد كثيرين من الحرس والخدم، وقد زعم له أحد الأشخاص أنه يعرف مكان بدر الدين الخائن، لكنه فى الحقيقة كان ينصب فخًا لمحمود، فلما أدركه قام بقتله هو ومجموعة من الخدم، وقد أدت حوادث القتل المتلاحقة تلك إلى بث الرعب فى القاهرة، وعُرف بعدها أن ثمة قاتل هائج فى البلاد يُدعى محمود أمين سليمان.

ماذا قالت عنه زوجته نوال عبد الرؤوف؟

وقد كتب الصحفى صبرى غنيم تفاصيل ذلك تحت عنوان: نوال زوجة سفاح الإسكندرية ستطلب الطلاق غيابيا من زوجها، إذ أكدت نوال أنها لن تستطيع أن تعيش دقيقة واحدة مع المجرم القاتل، وقالت: " لن أنتظر القبض عليه حيا أو ميتا، إننى أفضل أن أعيش حياة راهبة مع أولادى على أن أعيش معه، إنه قاتل يستحق الإعدام، وأنا يحق لى الطلاق منه، وسوف أعتبر نفسى أرملة حتى يتم طلاقى من المجرم ." 

وأضافت نوال قائلة: «لقد وكلت شقيقى ليرفع دعوى الطلاق باسمى امام محكمة الأحوال الشخصية، وأنا لا أنتظر أن تحكم لى المحكمة بنفقة من أجلى أو من أجل أطفالي، سأبرئه من كل شيء، إننى لا أريده ولا أحبه، لقد تحول حبى له إلى كراهية، أصبحت أكرهه وأكره صورته، إن أولادى أيضًا يفزعون من صورته، بالرغم من أنهما طفلان صغيران، لقد قررت أن أربى إيمان ومجدى تربية شريفة، سأقول لهما لقد توفى والدكما حتى لو كان حيا!»

وفى جريدة أخرى، دافعت نوال عن نفسها وعما كتب عن اتهام زوجها بوجود علاقة بينهما وبين المحامى بدرالدين أيوب وقالت: أنا مظلومة فى كل ما يقال عني أنا شريفة، ومن عيلة بلدى تعرف الشرف وتحافظ عليه، ولم يكن لى أية صلة بالمحامى بدرالدين، لقد تزوجت محمود على أنه تاجر كبير ويمتلك دارا للنشر، وبدأت حياتنا الزوجية طيبة، كان محمود يحبنى جدا، ويحيطنى بعطفه ورعايته، وكان الخير كثيرا أكثر مما يجب، ومع مرور الأيام لاحظت أن زوجى يسهر كل ليلة خارج المنزل، وكان يقضى الليالى حتى الفجر فى الخارج ثم يعود لينام متعبا، وبدأت الشكوك تراودنى، وظننت أن زوجى يقضى لياليه مع بعض الساقطات وبنات الهوى، وظللت صامتة مدة طويلة ثم صارحته بشكوكى، لكن محمود لم يلتفت لكلامى، قلت له: إنت خاين، وأنا متأكدة إنك تعرف ستات كتير بتقضى كل وقتك معاهم! ومع ذلك ظل يسهر كل ليلة ولا يعود إلا مع الفجر! وكان يزعم أنه انشغل فى عمله ومشروعه وذات ليلة قررت أن أثير غيرته وقلت له: ان ما كنتش تبطل سهر، أنا كمان راح أسهر، وألعب بديلى وأعرف رجال غيرك، زى ما بتعرف ستات غيرى! لمعت حينئذ عيناه ببريق وحشى وقال لي: أنا أقتلك لو شفتك بصيتى لواحد غيرى! ومن هذه اللحظة بدأت حياتنا تتغير، وبدأت الشكوك تنتاب محمود حيال كل إنسان، وبدأ يشك فى أصدقائه، فى الجيران، حتى فى الباعة الجائلين، وكان يعتقد أننى على صلة بكل رجل يشاهده قريبًا من شقتنا! وكان هناك بائع فول متجول يمر من شارع بوالينو ثم يقف على ناصية شارعنا ينادى على الفول، قائلا: اللذيذ.. القشطة! وتخيل محمود أن البائع يغازلنى، فاندفع كالمجنون إلى خارج البيت، وأمسك بخناق البائع، وظل يضربه بقسوة، حتى أنقذه الناس من بين يديه، ولم يعد بائع الفول يمر فى حينا أبدًا! لكن الشك أخذ يتملك من محمود أكثر.. وتحول إلى شك خطير.. وبدأ يعذبنى ويسألنى كل يوم عن صلتى بالرجال، وكان يختار أى شخص من أقاربي، ثم يسألنى عن صلته به، فإذا أنكرت إنهال على ضربا وتعذيبا، وتحت قسوة الضرب كنت أضطر إلى تأليف قصص غرامية عن صلتى بالرجال، وكنت أحيانا اختلق قصصا وهمية عن رجال لم أرهم وتحت أسماء وهمية! كنت أريد أن أتخلص من الضرب والعذاب بأى وسيلة! إن محمود مريض.. مريض بعقله وأعصابه. لقد شك فى أقرب الناس إليه، وأقرب الناس لى، كان المحامى بدرالدين من أسباب جنونه ، وذلك هو الذى ساقه إلى هذا المصير الأسود !

العقاب الإلهى:

جاء عقاب محمود أمين سليمان إلهيا ودون حكم محكمة أو قضاء إذ انتهت أسطورة المجرم محمود أمين سليمان بمصرعه في مغارة بجبل حلوان قبيل الساعة الرابعة بعد الظهر بعد أن حاصره رجال الشرطة من طرفى المغارة وفقد كل أمل في الهروب .

تقدم الملازم أول صفوت سوريال وفى يده مدفع رشاش وعلى رأسه خوذه واقتحم المغارة ثم تبعته قوات الشرطة و انطلق وابل من الرصاص، وبعد دقائق أخرجت جثة المجرم وفى ساقه 7 رصاصات من مطاردة سابقة بشارع محمد على منذ ثلاثة أيام، وصدره ورأسه مملوءين بالعديد من الطلقات، حاول الرائد روؤف عبد الوهاب مع المجرم أن يسلم نفسه وتقدم إلى قمة المغارة ونصحه بالتسليم إلا أن المجرم رفض فكان جزاؤه مصرعه وانتهاء أسطورته .

وكتبت الصحف فى يوم ١٠ أبريل ١٩٦٠ مانشيت بعنوان "مصرع السفاح"، وأسفله عنوان أصغر "عبد الناصر "فى باكستان "، دون الفصل بين العنوانين، مما تسبب فى سوء فهم ومشكلة وقتها.

الفيديو: