مجزرة قصر الرحاب

قد تقوم ثورات مسلحة ويزعم قادتها أنهم قد هدفوا منها مصلحة شعوبهم وجماهير أوطانهم، وتدور الأيام وتجد تلك الجماهير أنها قد صارت فى وضع أكثر قتامة وبؤس، وتكتشف الجماهير أن من يزعمون السعى لمصلحتهم إنما يسعون للسلطة ولنهب الأموال، والغريب كذلك أن هؤلاء القادة يبتدأون ما يسمونه- ثورات -بالدماء والتى نكتشف بمرور الأيام - وكسنة الله فى كونه - أن تلك الدماء لا تنتهى، وقد كانت مجزرة قصر الرحاب الدموية فى العراق فى 14 يوليو ( تموز) من عام 1958 مثالا صادقا لذلك....

مجزرة قصر الرحاب
الملك فيصل الثانى تم قتله عن عمر 23 عام

مجزرة قصر الرحاب

لقد عجلت ثورة (1920) بانهاء الانتداب البريطاني على العراق وتشكيل حكومة ملكية بعد أن تم اختيار النجل الأكبر للشريف حسين (فيصل الأول) (1885- 1933)  ملكا على العراق. وقد تم تشكيل أول حكومة انتقالية مؤقتة فى 27 من أكتوبر عام 1920، وأصدرت بيانها التالى: «اجتمعنا فصوّتنا باجماع الرأى على تتويج سمو الأمير فيصل ملكا على القطر العراقى بحدوده الطبيعية، على أن يكون ملكا يرأس حكومة دستورية نيابية ديموقراطية حرة مستقلة مجردة من كل قيد. منقطعة عن سلطة الغير، وأن أول عمل تقوم به هو تشكيل وجمع المؤتمر الذي يسن القوانين والدستور في مدة ثلاثة أشهر». جاء الملك فيصل الى العراق ومعه حاشية من رجال العراق الذين كانوا قد التحقوا بالثورة العربية التى قادها الشريف حسين فى الحجاز. وبعضهم كانوا مع فيصل حين عين قبل ذلك ملكا على الشام. وحال وصوله الى بغداد أقيمت الحفلات والولائم استقبالا له. وتم تنصيبه ملكا دستوريا فى 11 من أغسطس عام 1921. وكانت فترة حكمه تتسم بأحداث جسيمة، وقد حاول الملك فيصل الأول أن يوفق بين رغبات الشعب العراقي وحماسه فى نيل الاستقلال والسيادة الكاملة، ومماطلة المحتلين الانكليز الذين حاولوا تقسيط هذا الاستقلال وربط العراق بمعاهدات تتراوح بين الانتداب والوصاية والتبعية قاومها العراقيون بضراوة. وبعد وفاته فى 8 من أغسطس عام 1933 خلفه ابنه الملك غازى الذى لم يحكم العراق سوى عامين بسبب مقتله فى حادث اصطدام سيارته في طريق ما بين القصرين الملكيين (الرحاب والزهور) فى بغداد، وقيل أن الحادث من تدبير الانجليز لكراهيتهم له. ويعتبر البعض الملك غازى قومى النزعة ميالا الى اللهو وسباقات السيارات والالعاب. وبعد وفاة غازى عام 1935 آل الملك الى ولده الوحيد من زوجته الملكة عالية (فيصل الثانى) الذي كان آنذاك فى سن الثالثة من عمره، ولهذا أصبح خاله الأمير عبد الاله وصيا على العرش فيما كان نورى السعيد هو الذى يدير الدولة العراقية. وما ان بلغ الملك فيصل الثانى الثامنة عشرة حتى تم تنصيبه ملكا على العراق فى 2 من مايو عام 1953.

حاول الملك فيصل الثانى بعد تنصيبه ملكا على العراق، الإبتعاد عن خاله ليعطى الأمل للناس في طى صفحات سوداء كانت فيها وصاية عبد الاله سببا فى أحداث مؤلمة ومشكلات كثيرة. لهذا ظل العراقيون إلى الآن ينظرون الى الملك فيصل الثانى نظرة تتسم بالحب والعطف والحنان لكونه لم يقم بأى عمل أغضب الناس أو يستحق عليه الكراهية، وقد عرف عنه دماثة أخلاقه وطريقته المتواضعة الخجولة فى التعامل مع الآخرين.

الأمير فيصل مع الوصى خاله الأمير عبد الإله

فى عام 1956 تشكلت اللجنة العليا للضباط الاحرار فى العراق بعد نشاطات سرية لضباط من الجيش العراقى توزعوا في ثلاث مجموعات، كل مجموعة كانت تعد للثورة على النظام الملكى، وتمكن قادة هذه المجموعات من الاتفاق والائتلاف فى لجنة عليا برئاسة الزعيم الركن عبدالكريم قاسم، ووضعت هذه اللجنة العسكرية برنامجا لها يقوم على أهداف إنهاء الملكية وإعلان الجمهورية والخروج من التبعية لبريطانيا وتشكيل حكومة تتمسك بالديموقراطية وغيرها من أهداف نص عليها البيان الاول للثورة. تباينت الآراء فيما بينهم فى كيفية التعامل مع الملك فيصل الثانى وعائلته فى حال نجاح ثورتهم أو إنقلابهم، فمنهم من رأى أن يتم الابقاء على حياته وإظهاره على شاشة التلفزيون ليعلن تأييده للثورة. والبعض الاخر رأى التعامل معه بالطريقة التى تعامل معها العسكريون الثوار فى مصر مع الملك فاروق. ولكن كلما اقترب موعد تنفيذ الانقلاب ظهرت أفكار متطرفة لدى البعض من أعضاء اللجنة تدعو الى تصفية طاقم الحكم الملكى برمته، وكان هذا الرأى يصطدم برأي معارض ينادى بالابقاء على حياة الملك وعائلته وإجباره على التنازل عن الحكم، والقضاء على عبد الاله ونورى السعيد ومن يقف ضد الثورة فقط.

وبعد مداولات كثيرة بين الضباط الاحرار استمرت سنتين، تم الإتفاق فيما بينهم على إغتنام أية فرصة تسنح لاحدى الكتائب العسكرية التى يسمح لها بالمرور فى بغداد فى القيام بالانقلاب، فتحتل العاصمة وتوفر فرصة كبيرة لاسقاط النظام. واتفقوا على أن يتولى قيادة هذا الانقلاب أى ضابط منهم تسنح له تلك الفرصة دون الرجوع للآخرين، وعلى الاخرين التحرك لمساندته فورا. وكان الدافع لهذا القرار هو ندرة الفرص المتاحة لذلك، وتسرب معلومات عن تحركات الجيش الى الدوائر الأمنية الملكية، إذ أن نورى السعيد ووفيق عارف (رئيس الأركان) كانا يطلعان على تقارير مستمرة تحذر من وجود نشاطات إنقلابية لدى العديد من ضباط الجيش.

الملك ليلة 14 يوليو 1958:

وكان الملك فيصل الثانى وعائلته مجتمعين فى قصر الرحاب وهم يضعون الترتيبات الاخيرة لسفره الى إسطنبول وبعدها إلى لندن، إذ كان من المقرر أن يلتقى الملك فيصل الثانى الذى كان قد بلغ من العمر فى تلك الليلة (23 سنة) بخطيبته الاميرة فاضلة فى لندن حيث تقرر زواجهما خلال شهرين، وكان مقررا أن يرافقه فى سفره رئيس وزرائه نورى السعيد وبعض أركان حكومته. ومن العائلة كان سيرافقه بعض أميرات الأسرة وأزواجهن. وقبل ظهر ذلك اليوم استقبل الملك بعض زائريه فى مكتبه وتناول طعام الغداء مع أغلب افراد أسرته، ودخل جناحه الخاص للاشراف على إعداد حقائب السفر. ورغم جو الدعابة الذى ساد اجتماع أفراد الاسرة وهم يتناولون الشاى فان شيئا من القلق والتوجس كان يسيطر على مشاعر بعض الأميرات وبخاصة الاميرتان عابدية وبديعة ( توفت فى عام 2020 عن عمر 100 عام) . قام الملك بحلاقة شعر رأسه بطريقة اظهرته أكثر شبابا وهو يفكر بلقاء خطيبته. وكان بين لحظة واخرى يسأل الحضور ضاحكا مستفسرا عن رأيهم بتسريحة شعره، ثم يضحك بطريقة طفولية عرف بها. وعند الساعة التى سبقت الغروب وصلت سيارة شاهدها أفراد العائلة وهم جالسون فى شرفات القصر، توقفت وترجل منها ضابط يحمل رسالة سلمها للملك، تطلع اليها الملك مليا وقد اكتسى وجهه بالوجوم. وحاول إخفاء ارتباكه أمام الاميرات وناولها إلى خاله الأمير عبد الاله الذي لم يقدر على اخفاء ارتباكه حال الاطلاع عليها، ثم استأذن الحاضرين وخرج من القصر. لقد ترك هذا الذى جرى تاثيرا نفسيا يبعث على التشاؤم فى نفوس أفراد الأسرة. لكن الملك الشاب حاول تلطيف الجو ودعا الجميع لمشاهدة فيلم (لعبة البيجاما) تمثيل دوريس داى. كانت الرسالة من مدير الأمن العام تتضمن معلومات مقتضبة تفيد بوجود تحركات مريبة من قبل الجيش، دون ابداء تفاصيل، وكان خروج عبد الاله من القصر بهدف إستدعاء مدير الامن العام ليبحث معه مصادر المعلومات وماهية هذه التحركات. لكن الوقت كان مثل السيف، ولم يتح فرصة كافية لاحتواء الموقف، إذ عاد عبد الاله الى القصر تاركا التحقيق فى الأمر الى اليوم التالى.

بعد مشاهدة الفيلم اجتمعت الأسرة للعشاء. وكان الملك الشاب يحاول الابتسام والضحك لطرد المخاوف التى تنطوى عليها تساؤلات الأميرات عن سبب غياب عبد الاله ومحتوى الرسالة. وبعد العشاء عانق الملك خالاته وقريباته من الأميرات عناقا كان يبدو وكأنه الوداع الأخير أو العشاء الملكي الاخير. وبعدها أوى الملك الى جناح نومه أملا للنهوض مبكرا استعدادا للسفر. وما أن حان منتصف الليل حتى أطفئت انوار قصر الرحاب. بانتظار صباح جديد.

المجزرة الدامية فى 14 يوليو ( تموز) 1958:

عند الساعة الخامسة تقريبا، استيقظ الجميع على أصوات طلقات نارية. هب الجميع (الملك وعبد الإله والاميرات والخدم) فزعين، وخرج أفراد الحرس الملكى الى حدائق القصر يستقصون مصدر النيران. وازداد رشق الرصاص والاطلاق نحو جهة القصر. ولم يهتد الحرس الى مصدر النيران فى البداية. وخرج الملك فيصل الثانى من جناحه وقد ارتدى ملابسه، وخاطب الحراس من أعلى الشرفة مستفسرا عما حصل، ومن شرفة قريبة طلب عبد الاله من حراس آخرين بأن يذهبوا الى خارج القصر ليروا ماذا حصل. وعاد الحراس ليخبروا الملك الواقف على الشرفة مع أفراد الاسرة بأنهم شاهدوا عددا من الجنود يطوقون القصر. فسأل الملك: ماذا يريدون؟ ، فيجيبونه بأنهم يزعمون وجود أوامر بتطويق القصر والمرابطة أمامه. تلقى الملك وأسرته هذا الامر باحتمال كونه اجراء أمنيا لحراسة القصر. لكن تطور الوضع لم يترك فرصة لهذا الاحتمال. اذ سرعان ما انهال الرصاص ورشق الرشاشات على القصر. وتراجع الجميع الى الداخل ليتبادلوا الرأى حول ما حدث. وقال عبد الاله انه يعتقد أن هذه حركة من الجيش ضد الأسرة، وساد الوجوم والارتباك وسط ازدياد اطلاق النار. بعد ذلك دخل آمر الحرس الملكى مستأذنا مقابلة الملك، ليخبره بعد مثوله أمامه بأن الجيش قام بثورة، وأن الضباط القائمين بها أعلنوا الجمهورية وأنهم يطلبون من العائلة الملكية تسليم نفسها. وأردف قائلا: نحن بانتظار أمركم لمقاتلتهم وسحقهم، وهنا رد الملك: لا داعى للقتال ولا نريد سحق أحد. ثم استدعى مرافق الامير وطلب منه الذهاب للقوات التى تحاصر القصر قائلا: اذهب للجماعة وقل لهم اننا مستعدون للتفاوض ولا داعي للقتال ولا نريد مقاومة، ونحن مستعدون لمغادرة البلاد اذا كانوا يريدون ذلك. وذهب المرافق ومعه ضابط برسالة الملك. لكنه لم يعد، وقيل أن الثوار قتلوه وأعتقلوا الضابط الذى معه. وقيل ايضا ان عبد الاله اتصل تلفونيا بعبدالسلام عارف لكن الاخير رفض الحديث معه. كانت الساعة قد تجاوزت السادسة والنصف صباحا حين ذهب الملك لتهدئة الأميرات الباكيات وأخذت الأميرة عابدية تنتحب قائلة : ما نريد منهم شى سوى سلامة الملك.. مسكين.. ما شاف شي بعمره. بعده شاب ما شاف من الدنيا شي.. يريد يتزوج حاله حال الناس.. مانريد منهم شي بس يتركون هذا الولد يروح (وهي تشير الى الملك). وهم فى الصالون كان راديو بغداد يذيع أسماء أعضاء الحكومة الجمهورية فورد اسم ناجى طالب. انتبه الملك حين سمع اسم ناجى طالب. فصاح بألم مخاطبا عبد الاله: حتى ناجى طالب؟ يابا حتى ناجى طالب!! ، كان ناجى طالب مرافقا للملك فترة طويلة ويظهر ولاء حميما له. وهذا ما أثار دهشة الملك الشاب. كانت اللحظات عصيبة واشتد الرمى على القصر، وشعرت العائلة المالكة بحصار ينذر بالموت. فيما كان عبدالسلام عارف يذيع بيانات الثورة ويعلن مقتل العائلة المالكة ويدعو الناس للهجوم على معاقل النظام. وتبادل الحراس والقوات المهاجمة إطلاق النار وسط أوامر ملكية بايقاف الرمى وترك المقاومة، وعدم تطوير الاحداث الى درجة قصف القصر. اجتمعت العائلة المالكة فى الحجرة الخلفية. بعد أن اقتحم الضابط عبدالستار السبع وثلة من القوات بهو القصر وتوجهوا الى الغرفة التى تجمع فيها أفراد العائلة مع الملك مصوبين رشاشاتهم نحو الملك والأميرات، وصاح الضابط الثورى بوجه الملك: اطلعوا للخارج. فرد الملك عليه: يا أخى على ويش كل هذى الرشاشات؟ شايفنا مسلحين؟ لكن الضابط فتح الباب وهو يصيح بهم: اطلعوا للخارج. وخرج الجميع الى الحديقة باتجاه باحة النافورة، والضابط الثورى يتقدمهم وهو يصوب رشاشه، ويتبعه الملك الشاب هادئا مستسلما لقدره، ثم عبد الاله محتضنا والدته الأميرة نفيسة تجر نفسها وهى تحمل المصحف الكريم وتلوح به للسماء. ووراءها باقى الأميرات. ومر الموكب باتجاه الفسحة الخلفية عند نافورة القصر. وكان هناك ضابط يتربص واقفا يحمل رشاشه وأشار مناديا على عبدالستار السبع متسائلا: ذوله كلهم؟ ولم ينتظر الجواب هو والسبع، فاطلقا النيران صوب العائلة المالكة يمينا وشمالا، فراحت الأجساد تتساقط وسط صيحات الالم. وخر الملك الشاب صريعا الى الخلف على جسد ضحية أخرى. فيما كان المصحف ملطخا بالدم الى جانبه. ثم تقدم السبع نحو الجثث وأطلق الرصاص من جديد على جسد الملك، فسأله زميله الضابط: ليش؟ فأجاب بدم بارد: حتى أتأكد.

نقلت جثة الملك إلى مستشفى الرشيد العسكرى فى إحدى غرف العمليات، للتحقق من وفاة الملك. وفي مساء اليوم نفسه حفرت حفرة قريبة من المستشفى في معسكر الرشيد، وأنزلت فيها الجثة وأهيل عليها التراب، ووضعت بعض العلامات الفارقة معها لتدل على مكانها فيما بعد. ثم تم نقل الجثة ودفنها في المقبرة الملكية فى منطقة الأعظمية فى بغداد بناءا على طلب من الملك الحسين بن طلال ملك الأردن في إحدى زياراته للعراق.

واحيلت باقى الجثث إلى مستشفى الرشيد العسكرى، عدا جثة الأمير عبد الإله التى تم سحلها ثم تعليقها على باب وزارة الدفاع قبل أن يتم حرق بقية أوصالها والقاءها فى نهر دجلة.

وهكذا انهت أحداث صباح يوم 14 يوليو 1958 العهد الملكى في العراق والذى راح ضحيته الملك فيصل الثانى الذى وصف بأنه مسكين لاذنب له رحل دون جريرة أو سبب إذ كان طيباً بريئاً ساعد المحتاجين واليتامى وقد تسبب قتله فى ندم عدد كبير من ضباط الثورة.

نورى باشا السعيد:

بعد سماع نورى باشا السعيد بتفاقم الأحداث المتلاحق بعد اعلان الجمهورية ، فانه لم يكن لديه الوقت الكافى للمقاومة ولا للهرب، لذا حاول الاختباء لمدة يومين كاملين تمهيدا للهرب ومقاومة النظام الجديد كما فعل عند قيام حركة رشيد عالى الكيلاني عام 1941. عرف نورى السعيد بمقدم قوة عسكرية من المهاجمين بغرض إلقاء القبض عليه، فتنكر بزى امرأة ليتمكن من المرور من بين المهاجمين والحشود الملتفة حولهم، فاستقل سيارة انطلق بها إلى إلى منطقة الكاظمية لاجئا إلى بيت صديق له كما فعلها سابقا بعد ثورة 1941 خلال حركة رشيد عالى الكيلاني حتى سافر هاربا من العراق مع الوصى عبد الاله ليتدبروا معا كيفية إسقاط حكومة الثورة يومذاك.

وبعد جلاء الموقف أمام القادة الجدد، ادركوا مخاوفهم بأن هرب نورى السعيد المعروف بدهائه وحنكته سيسبب لهم مصاعب جمة وربما بأسلوبه واطلاعه على خبايا الامور سيقنع الإنجليز بالإطاحة بالحكم الجمهورى الجديد. وفى مساء 14 يوليو/ تموز أعلن القائد المنفذ للحركة عبد السلام عارف مكافأة مالية للقبض على نورى السعيد، وبعد يوم من ذلك قام من جانبه عبد الكريم قاسم زعيم الحركة ورئيس وزرائها بتكرار اعلان ذلك، وتوالت اعلانات هرب نورى السعيد بشكل هستيرى من خلال بيانات اذاعتها وزارة الداخلية من دار الإذاعة العراقية مما وجه اهتمام الشارع نحو البحث عن السعيد بشكل تراجيدى محموم، واسقطت من يد السعيد كل محاولات الاختباء والهرب وبدأت تضيق الدائرة حول تحركاته، لقد كان هدفه ألا يبقى مختبئا بل الفرار إلى خارج العراق ليتدبر أمر مقاومة النظام الجديد. ففي يوم 15 يوليو/ تموز انطلق على وجه السرعة تاركا خلفه بيت صديقه فى محاولة منه للتقدم بخطوة للامام نحو خارج العراق، ولكن فى أثناء هروبه  تعرف اليه أحد الشبان فى منطقة الكاظمية وهو يركب فى السيارة بعد أن انكشفت ملابسه التنكرية. أبلغ الشاب السلطات برقم السيارة المنطلقة. وبعد مطاردات أقرب إلى السينما حوصر السعيد ولم يتمكن من الهرب عبر الازقة المجاورة، وهنا اختلفت الروايات حول مصرع الباشا فإحدى الروايات تذكر بأنه اصيب بعدد من الرصاصات من قبل أحد عناصر القوة المهاجمة والتى أدت إلى وفاته، وتذكر رواية أخرى وردت فى مذكرات الدكتور صالح البصام أحد اصدقاء نورى السعيد الشخصيين، بأنه عندما وجد نفسه محاصرا وأن مصيره سيكون مشابه لمصير الوصى عبد الاله أطلق على نفسه رصاصة الرحمة، كى لا يعطى فرصة لخصومه للإمساك به وإهانته وتعذيبه.

ودفن نورى السعيد في مقبرة الكرخ بعد وضع جثته فى قبو بوزارة الدفاع حيث كان يتواجد العميد عبد الكريم قاسم الذى بعد تأكده من وفاته أمر بنقل جثمانه إلى المستشفى ثم دائرة الطب العدلي لاستكمال الإجراءات الأصولية لدفنه. لقد مات نورى السعيد ولم يترك لأهله أى مبلغ من المال أو تركة يرثونها، وقامت الحكومة البريطانية بتخصيص مبلغ قليل لزوجته لا يكاد يكفي لسد رمقها. وفى مطلع عقد الثمانينيات من القرن الماضى، التمست ابنته من الرئيس الأسبق صدام حسين للعودة إلى العراق فسمح لها بالعودة وخصص لها مكافأة بسيطة إلا أنها أودعت فى دار الرعاية الاجتماعية بعد فرض الحصار الاقتصادى على العراق عام 1991 على أعقاب احتلال الكويت وتردى الأوضاع الاقتصادية.

نهايات ومآلات:

انقلب الذين قاموا بثورة أو إنقلاب 14 يوليو 1958 على قائدهم عبد الكريم قاسم وأكثرهم إنقلابا عليه هو رفيقه فى الإنقلاب عبد السلام عارف والذى سبق لعبد الكريم قاسم انقاذه من الإعدام، ولكن بعد محاكمة استمرت بضع دقائق لعبد الكريم قاسم تم إعدامه رميا بالرصاص فى 9 فبراير 1963.

ولقي عبدالسلام عارف الذى أصبح رئيسا للجمهورية، بعد ان أعدم شريكه عبد الكريم قاسم، مصيرا داميا مروعا فى 13 إبريل 1966، حين قفز من المروحية التى كانت تحترق فى الجو، فسقط على رأسه ولاقى مصير عبد الكريم قاسم، شريكه فى مذبحة الهاشميين في قصر الرحاب، وسبحان من له الدوام...

فيديوهات: