ما بعد إطلاقه الرصاص على الأمير فؤاد

فى المقال السابق الذى بعنوان (صراع الأصهار بين الأمير فؤاد والأمير سيف الدين) إنتهينا إلى أنه ولكون الحادثة بين أفراد من العائلة المالكة، فقد تم الحكم فيها على نطاق العائلة المالكة وتم القضاء بإيداع الأمير سيف الدين أحد المصحات النفسية فى لندن ولكن ما الذى حدث بعد ذلك؟ هذا ما سيتم معرفته من خلال المقال التالى....

ما بعد إطلاقه الرصاص على الأمير فؤاد
الأمير سيف الدين كبيرا فى السن

ما بعد إطلاقه الرصاص على الأمير فؤاد

لقد كان من حظ الأمير سيف الدين السيئ أن خصمه فى الحادثة هو أمير مثله وله أهمية فى العائلة المالكة، وليس ذلك فحسب بل صار بعد ذلك سلطانا للبلاد فملكا لها بعد وفاة السلطان حسين كامل، وهو ما جعل قضيته تتعقد دائما ولا تجد حلا لسنوات، وكان دائما نفوذ فؤاد يقف حجر عثرة أمام أية محاولات لحل تلك الأزمة ولا شك أن العداء كان مستحكما لأن الملك فؤاد عانى من عاهة مستديمة من جراء تلك الحادثة إذ أصيب ببعض المشاكل فى حنجرته وسببت له تلك الحادثة ضخامة فى الصوت.

الملك فؤاد

بعد إيداعه المصحة النفسية تقرر كذلك الحجر على ثروته الطائلة ويكفى أن يعرف القارئ أن الأمير سيف الدين ( ثانى أغنى رجل فى مصر وقتئذ بعد الأمير عمر طوسون) كانت له ممتلكات فى عام 1900 قد تدر عليه دخل سنوى يقدرب120 ألف جنيه، وكان الحجر على ثروته معناه أن يصله فقط 4000 جنيه سنويا، وعليه فلا عجب إذن من أن يسعى كثيرون من أفراد العائلة المالكة والأوصياء على ثروته للعمل على إستمرار تواجده فى المصحة النفسية وأن يظل إعتباره مجنونا، وبالفعل فقد ظل بها 25 عام من 1900 إلى 1925!!!

حاولت والدته الأميره نجوان و شقيقته شويكار جميع المحاولات الممكنة لإخراجه من المصحة، فقدموا إلتماسات للسطان حسين كامل ومن قبله للخديوى عباس و حتى لملكة انجلترا و رفعت القضايا و استعانوا بمحامين كبار أشهرهم مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد.

وصل عمره للخمسين وبدأت صحته فى التدهور، وهو ما يزال حبيس المصحة النفسية وأثناء كل ذلك كانت محاولات إخراجه منها تبوء بفشل وراء فشل.

لقد كان القيم على أموال الأمير سيف الدين يسرقها ويبنى بها قصور ويشترى العزب وهو ما استفز شقيقته شويكار، فرفعت قضية عام 1920 ضد «القيم على أمواله» ولم تسفر على شىء، فلجأت إلى مغامرة تهريبه من المستشفى إلى الأستانة، ورفعت وأمها الأميرة نجوان هانم دعوى أمام مجلس البلاط كمؤسسة تنظر فى خلافات الأسرة المالكة، وتم توكيل ثلاثة محامين هم: مصطفى النحاس، ويصا واصف، وجعفر فخرى، مقابل 117 ألف جنيه، أتعاب  فى حالة الحصول على قرار رفع الحجر، وعشرة آلاف جنيه فى حالة تقدير نفقة تصل إلى 22 ألف جنيه، وبدأت أولى الجولات أمام مجلس البلاط يوم 30 مارس 1927.

فى 22 سبتمبر 1927 انتخب الوفد مصطفى النحاس رئيسا للوفد خلفا لسعد زغلول، وفى17 مارس 1928 شكل وزارته الأولى، وفى يوم 22 يونيو 1928 خرجت الصحف التى تصدر فى المساء، وفى اليوم التالى ظهرت صحف الاتحاد والأخبار والسياسة بمانشيتات عريضة هى «فضائح برلمانية خطيرة.. رئيس الوزراء» «النحاس» ورئيس مجلس النواب «ويصا واصف» يستخدمان السلطتين التنفيذية والتشريعية لمصالحهما الذاتية، وتحت هذه المانشيتات نشرت صورة لعقد أتعاب المحامين بعد سرقته من منزل «جعفر فخرى بك» بالإسكندرية قبل ثلاثة أشهر ونصف.

مصطفى النحاس

تقدم النحاس ببلاغ يتهم هذه الصحف بقذفه لأنها وصفته هو وزميليه بالمجرمين بالفطرة والنذالة، ورغم ذلك حفظت التحقيق، وأحالت المحامين الثلاثة إلى مجلس تأديب المحامين، لارتكابهم عشرة اتهامات، من بينها، المبالغة فى الأتعاب، وعدم قطع النحاس صلته بالقضية بعد رئاسته للحكومة، ومواصلة ويصا، مرافعته فيها وحدها رغم تركه الأشتغال بالمحاماة بعد انتخابه رئيسا للنواب.

 وأمام مجلس تأديب المحامين دارت واحدة من أكثر المعارك القانونية ضراوة، فند فيها خمسة من ألمع المحامين هم نجيب الغرابلى ومحمود بسيونى وكامل صدقى وحسين صبرى ومكرم عبيد كل الاتهامات، ويؤكد صبرى أبوالمجد فى كتابه سنوات ما قبل الثورة 1930-1952، أن دفاع مكرم عبيد كان فى 156 صفحة بالغة الروعة، وجاء فيها: «ليس للسياسة ضمير فى أى بلد من بلاد الله، أما فى مصر فليس للسياسة عقل أيضا»، وأنهى مرافعته قائلا: «اجتمعت فى هذه القضية كل عناصر الظلام بل وعناصر الإجرام، فمن سرقة إلى تزوير إلى شهادة الزور إلى شراء الذمم، إلى الدس والتلفيق وكنا فى كل ذلك مجنيا علينا لا جناة، فقولوا كلمتكم حاسمة فاصلة فإن شعاعا واحدا من نوركم يكفى لتبديد كثيف الظلام وكلمة واحدة من عدالتكم أنفذ إلى الباطل من حد السهام»، و فى7 فبراير 1929 قضى مجلس التأديب بأن التهم التى أسندت إلى النحاس، ويصا، فخرى، خالية من كل أساس.

أخيرا لجأت أسرة الأمير سيف الدين للحل الغير قانونى، إذ أعطت أسرته رشاوى لحراس المصحة لتهريبه من المصحة وبالفعل يهرب إلى تركيا التى ظل فيها مع والدته وشقيقته لفترة من الوقت، حتى وصل خبر هروبه إلى مصر مما أغضب الملك فؤاد الذى قام بمراسلة الخارجية فى إنجلترا للوم، وقام الجميع ( سيف الدين وأمه وشقيقته) بالهرب متنكرين بعد ذلك إلى فرنسا ثم إيطاليا.

بعد فترة من الهروب وعند إستقرار الوضع، عاودوا الإقامة فى تركيا فى قصر على البوسفور، وكانت الأم والأخت يفعلان كل ما فى وسعهما من جهد لإرجاعه لحالته المعنوية التى تردت بسبب سنوات المصحة فقد خرج لهم وكأن عمره 150 عام!!!

كانت المعارك القانونية البطيئة لرفع الحجر تدور رحاها فى مصر دون فائدة ومع تعطيل متعمد من القصاء المصرى، لتنتهى آخر فصول هذه المأساة برحيل الملك فؤاد فى سنه 1936 ، و بعده بعام واحد فقط أى فى سنة 1937 يموت الأمير سيف الدين أحد أغنى شباب مصر دون أن يتمتع بثروته الضخمة التى حرم منها وهو على قيد الحياة .

إنها بحق مأساة إنسانية، وبسبب لحظة حمقاء متهورة فقد زهوة الحياة والتمتع بميراث وافر!!!