لعبة الكراسى الموسيقية بين النفط التقليدى والنفط الصخرى

عندما استخدم العرب وبخاصة المملكة العربية السعودية، النفط كسلاح إستراتيجى فى مواجهة الغرب والولايات المتحدة على الخصوص إبان حرب أكتوبر 1973، بدأت الولايات المتحدة تنفض الغبار عن ما يسمى بالنفط الصخرى فما هى حكايته؟ وما هى جدواه؟ وكيف يتم إستخدامه فى حرب العرض والطلب فيما يتعلق بالنفط؟

لعبة الكراسى الموسيقية بين النفط التقليدى والنفط الصخرى

لعبة الكراسى الموسيقية بين النفط التقليدى والنفط الصخرى

أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون لها إستقلالا خاصا بها فيما يتعلق بالنفط ، فهى لا تريد لدول الأوبك وعلى رأسها المملكة العربية السعودية أن تكون لها القدرة على التحكم فى مقدرات الولايات المتحدة النفطية وألا يتم إستعمال سلاح النفط  كطريقة للمساومة كما حدث عام 1973 ، وعليه فبدأت بتشجيع إنتاج النفط الصخرى الذى تدرك أنها تمتلك إحتياطيا ضخما منه...

كما هو معلوم فسوق النفط  كأى سوق يخضع لقوى العرض والطلب بمعنى إذا كان الطلب عليه أكثر من الكمية المعروضة بواسطة الدول المنتجة ، إزداد سعره عالميا والعكس إذا كانت كمية المعروض هى الأكثر فذلك يؤدى إلى إنخفاض سعر النفط ...

ولأن النفط يستخدم فى الصناعة والإنتاج والتدفئة والنقل وغيره، فيؤثر على الطلب عليه عدة عوامل منها نمو الناتج العالمى وإزدياد حركة التجارة والنقل بين الدول وكذلك المناخ ....

كذلك يجب أن يعلم القارئ الآتى:

  • الدول المنتجة للبترول أو النفط فى الأغلب هى دول من العالم الثالث وتعتمد على عوائد تصدير النفط فى موازاناتها السنوية، أى أنها تضع رقما تقديريا لما ينبغى أن تحصل عليه كعائد من النفط خلال العام وهذا الرقم تتحرك على أساسه فى إنتاج عدد البراميل بين التخفيض لها أو الزيادة وفى كل ذلك هى تابعة أيضا لحركة النمو الإقتصادى والتجارة العالمية.
  • منظمة الأوبك تهدف دائما إلى تحقيق التوازن فى سوق النفط بحيث لا يزداد المعروض منه للدرجة التى تهوى بثمنه إلى الحضيض، ولا ينخفض المعروض منه للدرجة التى تصل بأسعاره لمستويات تكون من شأنها إبطاء عجلة الإنتاج الصناعى والنمو العالمى.
  • الخلافات بين الدول الكبيرة المصدرة للنفط فى منظمة الأوبك تؤثر على السوق العالمى، وعليه فهم على قدر الإمكان ينشدون التوافق فيما بينهم وقد تتغير الإتفاقات بصفة مستمرة وكنتيجة لإجتماعات فيما بينهم سواء دورية أو طارئة.
  • النفط التقليدى يتميز بأن تكلفته ( أى تكلفة إستخراجه) متدنية فهى فى أشد الحالات لا تزيد عن 4 دولار للبرميل الواحد بما يعنى أن كل ما هو يزيد عن 4 دولار مثلا هو بمثابة مكسب صافى يدخل فى خزائن الدول المنتجة له.
  • على العكس من ذلك هو النفط الصخرى الذى قد تصل تكلفة إنتاجه الكلية فى أحسن الأحوال 50 دولار للبرميل بما يعنى أنه لن تكون هناك مكاسب للشركات المنقبة أو المستخرجة له إلا بعد تجاوز هذا الرقم.
  • يستخرج النفط الصخرى من تشكيلات الصخور الرسوبية التى تكونت فى باطن الأرض بطريقة التكسير الهيدروليكى، وذلك عن طريق حفر الآبار رأسياً ثم أفقياً مع استخدام الماء والمواد الكيماوية وخليط من الرمل، وتحتاج عملية تفتيت الصخور إلى ضخّ كميات كبيرة من الماء تتراوح ما بين 7 إلى 23 مليون لتر من المياه، تعادل تقريباً 5 براميل ماء لكل برميل نفط. ( يحتاج لكمية كبيرة من المياه لإستخراجه وهذا من عيوبه)
  • على الرغم من كل التقدم التقنى الذى احرزته اساليب التكسير الهيدروليكي في استخراج النفط الصخرى وأدت الى تخفيض التكلفة من مستوى أعلى من 80 دولارا للبرميل قبل عدة سنوات الى ما دون 40 دولارا لبعض منتجى النفط الصخري حاليا  إلا أن تحديات انتاج النفط الصخرى لا تكمن فى تكلفة الانتاج فقط إنما مخاطر التلوث البيئى المصاحب لعملية الاستخراج. ففي تقرير حديث حذر مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية الامريكي (NRDC) من مخاطر انتاج وقود النقل من النفط الصخرى بالاضافة الى دراسات عديدة أشارت الى التأثير السلبى من استخراج النفط الصخري على الهواء والماء والارض حول موقع مشروع الحفر. إن عملية التكرير (التصفية) تؤدي إلى إطلاق ملوثات في الهواء تتضمن ثاني اوكسيد الكبريت، الرصاص، وأوكسيدات النتروجين. يشير التحليل الصادر مؤخرا من مكتب إدارة الأراضى الامريكي (BLM) إلى أن مشاريع النفط الصخرى تؤدي الى انخفاض مدى الرؤية بأكثر من 10% ولعدة أسابيع في السنة. وأشار مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية إلى أن إنبعاثات غازات الاحتباس الحرارى (الغازات الدفيئة) من النفط الصخرى تعادل ما يقارب الضعف من انبعاثات النفط الخام التقليدي، وأشار تقرير مكتب إدارة الاراضى (BLM) إلى أن تعدين وتكرير النفط الصخرى يتطلب 2.1-2.5  برميل من المياه لكل برميل نفط صخرى منتج. بالإضافة الى هذه التحديات فأن استخراج النفط الصخري نفسه يستهلك طاقة كبيرة فبحسب شركة (Rand) والذي استند اليه تقرير مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية فإن انتاج 100,000 برميل من النفط الصخري يتطلب طاقة كهربائية تعادل 1200 ميغاواط  وهذه طاقة كبيرة تعادل تزويد مدينة يقطنها نصف مليون نسمة بالكهرباء. هذه التداعيات المصاحبة لاستخراج النفط الصخري ليست نهائية، فهناك المزيد من الدراسات البيئية المتعلقة بدراسة تأثير النفط الصخري على البيئة والحياه البرية وتخطيط الطرق وتجريف مناطق خضراء والتأثير الجيولوجى خصوصا الزلازل.

من المعطيات السابقة، فإننا نجد الولايات المتحدة تترقب فإذا إزداد السعر العالمى للبترول لما يفوق 50 أو 60 دولار للبرميل فإنها تقوم على تشجيع إنتاج النفط الصخرى وتشتريه من المنتجين داخل الولايات المتحدة وكما حدث فى بعض السنوات أن وصل سعر البرميل لما يزيد عن 100 دولار ففى هذا الوقت كان أوج نشاط النفط الصخرى، أما لو انخفض سعر البرميل للأرقام المتدنية الموجودة حاليا فى غضون مارس 2020 ( بفعل خلاف المملكة العربية السعودية مع روسيا) ففى هذه الحالة يكون النفط الصخرى أعلى تكلفة وقد تقوم الولايات المتحدة حينئذ بإستيراده بهذه الأسعار المتدنية ، ودائما الدول المنتجة الصناعية الكبرى مثل اليابان أو كوريا الجنوبية والتى تفتقر إلى النفط ما تجد ضالتها عند هبوط السعر لإستيراد النفط ومن ثم تخزينه.

هى لعبة صعبة بين دول لها مصالح وتعقيدات مع شعوبها إذ أيضا وكنتيجة لفتح الولايات المتحدة المجال أمام الشركات للتنقيب الصخرى أنه قد تشجعت للدخول فى هذا المجال وهى نفسها التى تعانى الآن، إذ عندما يكون هناك بديل مماثل بسعر أقل مما تتكلفه هى فى الإنتاج فمن الطبيعى ستكون هناك صعوبة فى المنافسة، وعليه فهذه الشركات قد تشهر إفلاسها وحينئذ ستعانى الولايات المتحدة من إزدياد البطالة وخصوصا مع تزامن ذلك مع أزمة تفشى مرض كورونا الواقعة الآن...

الوضع صعب وعندما أرادت الولايات المتحدة ذلك كانت تنظر لأهداف إستراتيجية بعيدة المدى كما سبق وذكرنا وهو ألا تخضع لإرادة الدول المنتجة للنفط، وأن تشجع وجود شركات محلية تستوعب جزء من البطالة عندها وغير ذلك...

كما فى إعتقادى أن الاضرار البيئية المتزايدة للنفط الصخرى سوف تخلق مزيداً من الضغط على الجهات الحكومية والتشريعية من قبل جماعات حماية البيئة  وهذا بالتأكيد سوف يقود الى رفع تكاليف انتاج النفط الصخرى مرة اخرى بسبب اشتراطات وقائية لحماية البيئة التى من الممكن فرضها على المنتجين، مما فى رأيى قد يصبح طلقة رصاصة الرحمة على ما يسمى " النفط الصخرى"...

وكذلك من يدرى؟، فلعله وبعد قليل من السنوات يتم الوصول عالميا بتكلفة إنتاجية متدنية لمصادر الطاقة المتجددة مما قد يكون إيذانا بعصر جديد لا مكان فيه لمصادر الطاقة التقليدية التى طالما أتلفت كوكبنا....