كارلوس كايزر ( عندما يبتسم الحظ إلى ما لا نهاية)

قدم الكاتب الفرنسى الكبير جول رومان مسرحيته الرائعة ( الدكتور كنوك أو إنتصار الطب) والتى تتحدث عن شخص مدعى طب ودجال قد جاء إلى قرية فرنسية وتلاحظ له سذاجة أهل القرية واستغل تقاعد طبيب القرية الذى كان بمثابة المرجعية الطبية لجميع أفراد القرية، فحل محله فى عيادته وابتدأ عمله بإصطناع هيبة زائفة فى الكلام ونجح بطريقته الفجة المباشرة فى الكلام فى إيهام كل فرد فى القرية بأنه مريض مستغلا حالة الرغبة الكامنة فى كل فرد بالإحساس بأنه يعانى فى هذه الحياة، فعلى سبيل المثال يوهم أحدهم بأنه يلاحظ تمايلا فى مشيته وأن ذلك قد يكون بسبب مرض كذا، أو مثلا يكلمه همسا وعندما لا يسمعه الشخص بطبيعة الحال يوهمه بأن مرد ذلك هو أنه يعانى من صمم ...إلخ، وقد أسفر ذلك فى النهاية عن إعتباره بالنسبة لأهل القرية أنه أفضل كثيرا من الطبيب الحقيقى ويمتدحونه فى كل وقت، وتدور الأحداث على هذا المنوال وبالطبع يجنى ثروة لا يستحقها حتى يتم إكتشاف أمره... القصة التى نحن بصددها فى المقال التالى هى لشخص نجح – وللغرابة الشديدة- فى أن يقنع الآخرين بمهارة كروية لا توجد فيه !!! وليس ذلك فحسب بل تتعدد النوادى التى تقع فى حبائله !!! ليجنى فى حياته ثروة من لاشئ بل والأدهى أنه حتى مع بدء إكتشاف ذلك فإنه يجنى ثروة أيضا من رواية ما قد فعله فى حياته من إستغفال للآخرين....

كارلوس كايزر  ( عندما يبتسم الحظ إلى ما لا نهاية)
كارلوس كايزر

كارلوس كايزر

( عندما يبتسم الحظ إلى ما لا نهاية)

رغب كارلوس كايزر فى أن يكون واحدا من بين أكثر من 250 مليون يمارسون لعبة كرة القدم، وقد كان له ما أراد بسبب دهائه الكبير، وقد وصل إلى مرتبة لاعب الهجوم فى كثير من الفرق الكبيرة من دون ان يلعب مباراة نظامية واحدة !!! أو حتى أن يسجل هدفا واحدا فى مرمى الفريق الثانى!!!، وقد امتدت مسيرته الكروية على هذا الحال إلى حوالى 20عاما!!!

تنقل اللاعب البرازيلى بين الكثير من الأندية العالمية آنذاك، ولكنه لم يشارك في مباريات كبيرة أبدا ولم يسجل هدفا واحدا وربما كان ذلك بسبب إصاباته المتكررة أو أنه لم يكن يجيد ممارسة رياضته التى كان يحلم ان يكون نجما فيها. الأدهى والأمر، أن كارلوس قد شارك مع أكبر الأندية آنذاك مثل نادى فلامنجو وفاسكو دي جاما ، وكان لاعب هجوم ولكنه لم يشارك فى مباراة واحدة أبدا وذلك لانه أستطاع خداع إدارة الأندية والمدربين، حيث أنه لم يكن يعرف حتى كيف يصوب الكرة او يرميها الى الطرف الاخر ببراعة.

وما ساعده على أن يكون لاعبا تطلبه الأندية بالرغم من أنه لا يعرف اللعب، هو ذكاءه الخارق بالاضافة إلى عدم إنتشار الانترنت وقتها كما اليوم، وعلاقاته الجيدة التىي كانت تربطه مع الرؤساء، فكان لا يشارك في المباريات بحجة اصاباته المتكررة ومع ذلك كان صيته ذائعا   ويتم إعتباره من أفضل لاعبى كرة القدم.

يقول عنه اللاعب البرازيلى العالمى بيبيتو الذى زامله فى فريق بوتافوجو "كان يجيد الحديث وتحب فعل ذلك معه، بمجرد أن يفتح فمه لا يتوقف".

يكشف كارلوس فى وثائقى ( تم عمله عن سيرة حياته)  أنه كى ينجح فى علاقاته الإجتماعية كان يقوم بتنظيم الحفلات والإتيان بأجمل الفتيات وأشهرهم، وكان يدعو زملائه فى الفرق والشخصيات المشهورة بالمجتمع، ويحرص دائما أن يتم رؤيته برفقتهم وتلتقط له الصور معهم حتى يحافظ على وضعه الاجتماعى كصديق لهؤلاء.

يقول كارلوس كذلك " بينما كل اللاعبين كانوا يأتون للتدريبات يفكرون كيف يسجلون ويفوزوا بالمباريات، فأنا لست كذلك، كنت أفكر فى كيف أتفادى لمس الكرة، كان هذا كل تفكيرى، وكنت أفعل أى شىء لتحقيق هذا الأمر".

وإستخدم كارلوس تشكيلة واسعة من الحيل، بداية بالطبع من الإصابات، إذ كان دائما يتعرض فى الإحماء للإصابة على مستوى العضلة الخلفية، وهى إصابة  كان صعب تشخيصها وقتئذ بسبب غياب الإشاعات المتخصصة لكشفها ، وكان المتعارف عليه أن التعافى منها يحتاج لوقت طويل.

وكان  كايزر يستخدم خدعة أخرى ناجحة فى ذلك الزمن، وهى الهواتف المحمولة والتى لم تكن وقتها  تكنولوجيا رائجة، فكان يأتى بهاتف لعبة ويدعى أنه يتحدث مع أطباء أو وكلاء أجانب يأتون له بعروض أخرى، أو بالخارج للعب مع فرق تطلب التعاقد معه.

يقول عنه زملاؤه بإجماع: " إن كارلوس كان يستطيع بكل سهولة ان يأسر من حوله فقط من خلال حديثه ولو لبرهة قصيرة، وإذا تحدث فهو يقنعك بكل سهولة بما يريد، ولهذا وصل إلى ما وصل اليه، ليصبح أشهر لاعب كرة قدم فى العالم دون أن يلمس أو يمارس الكرة يوما"

الآن وبعد إعتزاله بربع قرن، أصبح لا يبالى بفضح وضع كرة القدم فى البرازيل وقتئذ والذى مكنه من التحايل على الآخرين فيقول ساخرا ما يلى:

 " الأندية أفسدت حياة عديدين من قبل، وكان يجب أن يكون هناك من يرد لهم الدين، أنا هو هذا الشخص".

" فى البرازيل هناك ثلاثة طرق إذا كنت شخص فقير من أجل أن تكتسب الاحترام: الكرة، القتال، والنساء".

" كل الأندية التى لعبت لها احتفلت بسببى فى مناسبتين، عند توقيعى للعقد، وعند فسخى لنفس هذا العقد ورحيلى"

"كنت أقوى من وحدة الفريق، وكلما أراد رئيس فريق طردى، كان اللاعبون يجتمعون ويدافعون عنى، ليس بسبب كونى أدافع عن ألوان النادى، ولكن لأننى كنت أجلب العديد من النساء، وليس أى نساء، بل الأفضل".

الحيل التى كان يقوم بها:

  • يتم تقديمه للجماهير بعد التعاقد، يذهب ليشارك فى أول تدريب وبعدها يتعرض للإصابة.
  • ووصل الأمر بكارلوس أن استغل صداقته بطبيب أسنان وجعله يصدر له شهادة طبية تفيد بأن عدوى فى أحد أسنانه هى السبب فى إصاباته المتكررة، كما أنه اضطر للاشتباك مع أحد الجماهير ولكمه حتى يتم طرده ولا يخوض لقاء مع فريقه البرازيلى بانجو.
  • حيل كارلوس كانت لا تنفذ، ففى أحد المرات استغل لقاء كان فريقه فيه متأخر بهدفين نظيفين وحدث اشتباك بين اللاعبين والجماهير الغاضبة، ليتدخل هو ويدافع عن زملائه، بل ويضرب المشجعين، ليستدعيه رئيس ناديه الغاضب، ولكن كارلوس ينجح فى إمتصاص غضبه ويقول له إنه ضرب المشجع بسبب سبه لرئيس النادي، الأمر الذى جعل الرجل سعيدا، وبدلا من عقابه، قرر إعطاء كارلوس مكافأة وتمديد عقده لستة أشهر إضافية.!!!!

  شعر كارلوس أن خداعه للأندية فى البرازيل اقترب كشفه، فقرر تجربة حظه فى أوروبا، وجعل صديق له يلعب فى "جازيليك أجاكسيو" بالدرجة الثانية الفرنسية يقنع مسؤولى النادي بالتعاقد معه، وكاد أمره يفتضح فى التقديم عندما نظم النادى لقاء ودى لتعريف الجمهور عليه، فأخذ كارلوس الكرات وأخذ يقذف بها للجماهير وهو يقبل شعار النادى للهرب!

ولكن افتضح أمر كارلوس وسرحه النادى بعد عام، ولكنه استغل علاقاته ببعض الصحفيين بالبرازيل وجعلهم يكتبون أنه رحل عن أجاكسيو وهو هداف للفريق وأنه هو من اختار العودة لبلاده مرة أخرى، وهو ما أعطاه الفرصة لتكرار حيلته مرة أخرى فى أندية بحجم فاسكو دى جاما وفلومينينزى.

ولكن مع تقدمه فى العمر وزحف التكنولوجيا، بدأت حيل كارلوس فى النفاذ، فاكتفى بالتجربة مع بعض الأندية الصغيرة، قبل أن يتوقف مشواره الكروى "الوهمى" مع بداية التسعينيات.

بالطبع لكل شئ نهاية ، ولكن ألا يجد كل منا أمامه فى الحياة من يحظى بمهنة أو وظيفة مرموقة وهو لايستحقها وأن مجتمعاتنا العربية مليئة بمثل " كارلوس كيزر"

وإلى مشاهدة هذا الوثائقى القصير الممتع: