فيلم جريمة فى الحى الهادئ ( الإستعانة بحدث تاريخى لخدمة الدراما والسياسة)

فى بعض الأحيان قد يلجأ صناع السينما أو الدراما بوجه عام لحدث تاريخى أو واقعة قد هزت الرأى العام ، كى يتم نسج قصة درامية حولها وفى أغلب الأحيان يتم إستخدام الحدث كواقعة تدور حولها الأحداث الأخرى دون أن يكون هناك ثمة علاقة بين الحدث التاريخى بباقى مجريات الفيلم وعلى هذا المنوال كان فيلمنا الذى نتحدث عنه جريمة فى الحى الهادئ....

فيلم جريمة فى الحى الهادئ ( الإستعانة بحدث تاريخى لخدمة الدراما والسياسة)
أفيش فيلم جريمة فى الحى الهادى

فيلم جريمة فى الحى الهادئ

( الإستعانة بحدث تاريخى لخدمة الدراما والسياسة)

فى فيلم ( فى بيتنا رجل) تم استغلال واقعة إغتيال محمود فهمى النقراشى كمحور لأحداث الفيلم، إذ تم فيه- ودون شرح من صانعى الفيلم- الإستغلال الضمنى لوعى المشاهد بأحداث قريبة العهد منه فى تاريخ مصر، وبناءا عليه قاموا بنسج قصة درامية تدور حول هروب من قام بعملية الإغتيال ليلجأ لبيت صديق لا يهتم هو وأسرته بالسياسة ليكون وجوده معهم بداية لفهمهم بقضية مصر الوطنية...

فى هذا الفيلم، لم يبالى صانعوه بحادث الإغتيال نفسه أو بشخوصه ( سواء القتيل أو القاتل) وإنما كان الإهتمام بإيصال رسالة للمشاهد بأن ظلم الساسة من شأنه دفع الشباب للعمل السياسى وأنه محمود إهتمام أفراد الشعب بحالة البلاد ومراقبة القائمين على الحكم، ووقتئذ ومن أجل أغراض الرقابة، فقد اهتم صانعو الفيلم بإيضاح أن ما قد   دفع فى السابق شبابا لإنتهاج العنف والإغتيالات هو سوء العهد الملكى وأن الوضع الحالى ( بعد قيام ثورة يوليو 1952) هو نتاج لتلاحم الجيش مع الشعب إيمانا بعدالة القضية الوطنية وأن الشعب الآن بعد ثورة 1952 يجنى ثمار نضاله ضد العهد الملكى ، وعليه فلا احتياج بعد للعمل الثورى مثل الماضى!!!

على هذا المنوال كان فيلم جريمة فى الحى الهادئ، الذى تم إنتاجه فى عام 1967 والذى يتلاحظ أنه كان نفس العام الذى وصل فيه عداء النظام المصرى وقيادته (الرئيس جمال عبد الناصر) للكيان الصهيونى إلى أوجه، وهو العداء الذى انتهى إلى هزيمة يونيو 1967....

استغل صانعو الفيلم حادثة إغتيال اللورد موين (وزيرالمستعمرات البريطانى) على يد  إحدى العصابات اليهودية لمناصرته للفلسطينيين ( وهى حادثة حقيقية وقعت فى 6 نوفمبر 1944) كى تكون محور الأحداث التى ستدور فى الفيلم تباعا، والسؤال هو لماذا هذا الحدث تحديدا؟ لأنه وفى الأحداث الحقيقية تم القبض فعليا على منفذيه عقب وقت قصير من إرتكاب الجريمة وتم إكتشاف أنهما  اليهوديان «إلياهو حكيم» و«إلياهو بيت زورى» وأنهما تابعان لمنظمة شتيرن الإرهابية الصهيونية  وقد قاما بتلك العملية كنوع من الإنتقام لمقتل  أبراهام شتيرن، الذى لقى مصرعه على يد قوات الانتداب البريطانية بفلسطين...

اللورد موين

كذلك كانت تلك المنظمة تهدف إلى الوقيعة بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية  و تريد أن تجعلها حادثة على غرار ( مقتل السير لى ستاك) ولكن كانت عناية الله الفائقة إذ تمكن الكونستابل «الأمين عبدالله»، الذى كان منتدبًا فى منطقة الزمالك بدلا من زميل له، بشجاعة من إلقاء القبض على قاتلى اللورد موين، الأمر الذى جعل الصحافة المصرية فى عام 1944 تصفه بـ«أنه أنقذ سمعة مصر». وبالفعل لا نعرف ماذا كان مآل الوضع السياسى إذا لم يتم القبض على الجناة الفعليين...

إلياهو حكيم

إلياهو بيت زورى

مما سبق نجد أن هدف صناع الفيلم الأساسى هو بلورة تلك الواقعة أمام الجماهير فى قالب درامى  كى تعرف دناءة العدو، وكذلك أمام الأجانب فتنضم تلك الحادثة لواقعة أخرى هى ( فضيحة لافون فى عام 1954- والتى سبق وأن تم كتابة مقال عنها فى تلك المدونة) كى يتم صناعة سجل أسود يكشف مدى خبث ودناءة الكيان الصهيونى ، وقد تزامن ذلك مع إرهاصات إفتعال إسرائيل للمشاكل مع الدول العربية عام 1967 كى تبرر فعلها الإجرامى الهادف للإستيطان وإحتلال الأرض العربية....

تدور قصة الفيلم حول عملية اغتيال اللورد موين (وزير المستعمرات البريطانى) علىَ يد عصابة شتيرن الإرهابية الصهيونية لمناصرته للفلسطينيين، ثم يتم القبض على القاتلين الإثنين علىَ يد الكونستابل (الرائد الأمين عبد الله). ويتولىَ ضابط المباحث أحمد عزت (رشدى أباظة ) التحقيق فى القضية ويندس وسط العصابة ويوقع جينا (نادية لطفى) إحدى أفراد العصابة المهمين فى غرامه، ولكنهم يكشفون هويته فيخطفون ابنته للضغط عليه لتهريب القاتلين فيجاريهم حتى تتمكن الشرطة من تحرير الابنة والقبض علىَ العصابة والقاتلين من جديد!!!

وكنوع من الجذب التجارى للجمهور تم الإستعانة بالبطل الفعلى الذى قام بالقبض على المتهمين وهو الرائد الأمين عبد الله الذى تصادف أنه كان هاويا للتمثيل وفى نفس الوقت ولحسن الحظ  كذلك أنه كان وقت تصوير الفيلم عام 1967 وبعد 23 عاما من الواقعة الحقيقية ما يزال يحتفظ بلياقته البدنية رغم تجاوزه حينئذ الخمسين من عمره، وبسبب جدارة المخرج حسام الدين مصطفى جعله يقوم بإعادة مشهد المطاردة كما حدثت فى الواقع، والفيديو التالى يوضح ذلك:

أبطال الفيلم هم:

نادية لطفى ( جينا)، رشدى أباظة ( أحمد عزت) ، زوزو نبيل ( عزيزة)، سهير المرشدى  ( سعاد زوجة أحمد عزت)، زين العشماوى ( إلياهو بيت زورى)، رشوان توفيق ( إلياهو حكيم)، محمود رشاد ( اللورد موين)، الأمين عبد الله ( شخصيته الحقيقية)

نتيجة الواقعة الأصلية ( إغتيال اللورد موين):

تم تشكيل محكمة عسكرية لمحاكمتهما برئاسة محمود منصور بك، وانتدبت المحكمة محامين للمتهمين، فرشح لهذه المهمة توفيق دوس باشا، الذى قال فى دفاعه أن الجريمة سياسية، وأكد ان المتهمين يقولان الحق، وانهما لم ينويا قتل السائق، وان التفرقة بين الجريمة السياسية وغيرها معمول بها فى جميع البلاد ، ووجدت المحكمة أن الجريمة هى جريمة قتل عمد مع سبق الاصرار وأصدرت حكمها باعدام المتهمين، وعلى الرغم من بعض الوساطات ومحاولات التدخل تم تنفيذ الاعدام بحقهما شنقا فى 22 مارس سنة 1945.

فإلى مشاهدة ممتعة لأحداث الفيلم مع التذكير أنه فيما عدا الخط الدرامى الأساسى المتعلق بإغتيال اللورد موين والقبض على قاتليه، فبقية الأحداث هى من وحى خيال المؤلف: