فى ذكرى هجرة المصطفى ( 3/ 3)

بمناسبة حلول العام الهجرى الجديد 1442 هجرية، فيطيب لى بهذه المناسبة أن أبعث بأسمى التهانى للأمة الإسلامية وأن أستعرض فى حلقات ما كان من أمر هذه الهجرة العطرة التى كان لها عظيم الأثر فى الحفاظ على الدعوة الإسلامية ونشرها فى ربوع الجزيرة العربية وبعدها العالم بأسره ولو لم يحفظ الله بقوته الرسول وأتباعه سواء الذين سبقوه فى الهجرة ومن خلفوه فيها لتم القضاء على الدعوة الإسلامية فى أعوامها الأولى، فإلى المقال.....

فى ذكرى هجرة المصطفى ( 3/ 3)

فى ذكرى هجرة المصطفى ( 3/ 3)

النزول بقباء: 

وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من النبوة وهى السنة الأولى من الهجرة  قال عروة بن الزبير: ( سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة. فانقلبوا يوماً بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جدكم الذى تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح.)

قال ابن القيم: ( وسمعت التكبير فى بنى عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحاً بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، فأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، والوحى نزل عليه:(فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) التحريم 4

قال عروة بن الزبير فتلقوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم فى بنى عمرو بن عوف، وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول. فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صامتاً، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند ذلك، وكانت المدينة كلها قد زحفت للاستقبال، وكان يوماً مشهوداً لم تشهد المدينة مثله فى تاريخها، ونزل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم، وقيل على سعد بن خيثمة، والأول أثبت، ومكث على بن أبى طالب بمكة ثلاثاً حتى أدى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الودائع التى كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشياً على قدميه حتى لحقهما بقباء، ونزل على كلثوم بن الهدم. وأقام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام (الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس)، وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان يوم الخامس أى يوم الجمعة ركب بأمر اللَّه له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بنى النجار- أخواله - فجاؤوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف، فجمع بهم فى المسجد الذى فى بطن الوادى، وكانوا مائة رجل.

الدخول فى المدينة:

وبعد الجمعة دخل النبى صلى الله عليه وسلم المدينة ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يعبر عنها بالمدينة مختصراً وكان يوماً تاريخيّاً أغر، فقد كانت البيوت والسكك ترتج بأصوات التحميد والتقديس، وكانت بنات الأنصار تتغنى بهذه الأبيات فرحاً وسروراً:

أشرق البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع

والأنصار إن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عنده، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته فكان يقول لهم خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوى اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلاً، ثم التفتت ورجعت فبركت فى موضعها الأول، فنزل عنها، وذلك فى بنى النجار (أخواله) صلى الله عليه وسلم، وكان من توفيق اللَّه لها، فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم بذلك، فجعل الناس يكلمون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى النزول عليهم، بادر أبو أيوب الأنصارى  (خالد بن زيد النجارى الخزرجى) إلى رحله، فأدخله ببيته، فجعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول المرء مع رحله، وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته، وكانت عنده.

وفى رواية أنس عند البخارى، قال نبى اللَّه صلى الله عليه وسلم: أى بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا رسول اللَّه، هذه دارى، وهذا بابى. قال: فانطلق فهئ لنا مقيلاً، قال: قُومَا على بركة اللَّه.

وبعد أيام وصلت إليه زوجته سودة، وبنتاه فاطمة وأم كلثوم، وأسامة بن زيد، وأم أيمن، وخرج معهم عبد اللَّه بن أبى بكر بعيال أبى بكر ومنهم عائشة، وبقيت زينب عند أبى العاص بن الربيع، لم تتمكن من الخروج حتى هاجرت بعد غزوة بدر.

قالت عائشة لما قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة أصابت وعكة كلا من أبو بكر وبلال بن رباح، فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك، ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

امرىء مصبّح فى أهله والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه يرفع عقيرته ويقول:

ألا ليت شعرى هل أبيتن بواد وحولى إذخر وجليل

وهل أردنْ يوماً مياه مجنة وهل يَبْدُوَ لى شامة وطفيل

قالت عائشة فجئت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته، فقال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حباً، وصححها، وبارك فى صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة....

أذكركم بصيام يوم السبت الموافق 29 أغسطس 2020 لأنه يوم عاشوراء (10 من محرم 1442 هجرية) الذى قيل أنه اليوم الذى أنجى فيه الله نبيه نوح من الطوفان ونبيه موسى من مطاردة فرعون له....