فى ذكرى هجرة المصطفى (2)

بمناسبة حلول العام الهجرى الجديد 1442 هجرية، فيطيب لى بهذه المناسبة أن أبعث بأسمى التهانى للأمة الإسلامية وأن أستعرض فى حلقات ما كان من أمر هذه الهجرة العطرة التى كان لها عظيم الأثر فى الحفاظ على الدعوة الإسلامية ونشرها فى ربوع الجزيرة العربية وبعدها العالم بأسره ولو لم يحفظ الله بقوته الرسول وأتباعه سواء الذين سبقوه فى الهجرة ومن خلفوه فيها لتم القضاء على الدعوة الإسلامية فى أعوامها الأولى، فإلى المقال.....

فى ذكرى هجرة المصطفى (2)

فى ذكرى هجرة المصطفى (2)

من الدار إلى الغار:

غادر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيته فى ليلة 27 من شهر صفر سنة 14 من النبوة الموافق لسنة 622 م. وأتى إلى دار رفيقه أبى بكر رضى اللَّه عنه  ثم غادرا منزل الأخير من باب خلفى، ليخرجا من مكة على عجل، وقبل أن يطلع الفجر.

ولما كان النبى صلى الله عليه وسلم يعلم أن قريشاً ستجدّ فى طلبه، وأن الطريق الذى ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسى المتجه شمالاً، فقد سلك الطريق الذى يضاده تماماً، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور (وهذا جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، ذا أحجار كثيرة) فحفيت قدما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وقيل أنه كان يمشى فى الطريق على أطراف قدميه كى يخفى أثره فحفيت قدماه، وأيا ما كان فقد حمله أبو بكر حين بلغ إلى الجبل، وطفق يشتد به حتى إنتهى به إلى غار فى قمة الجبل عرف فى التاريخ بغار ثور.

إذ هما فى الغار:

ولما إنتهيا إلى الغار قال أبو بكر: واللَّه لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شئ أصابنى دونك، فدخل فكسحه، ووجد فى جانبه ثقباً فشق إزاره وسده به، وبقى ثقبان فألقمهما رجليه، ثم قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أدخل فدخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ووضع رأسه فى حجره ونام، فلدغ أبو بكر فى رجله فلم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فسقطت دموعه على وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت، فداك أبى وأمى، فتفل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فذهب ما بجسده وكمنا فى الغار ثلاث ليال( ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد) وكان عبد اللَّه بن أبى بكر يبيت عندهما وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمراً يكيدون به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يأتى الظلام. وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى غنما فكان يأتى إلى رسول الله وأبى بكر بأغنامه كى يشربا من لبنها أثناء هذه الليالى الثلاث و كذلك كان عامر ابن فهيرة يتبع بغنمه أثر عبد اللَّه بن أبى بكر بعد ذهابه إلى مكة ليعفى عليه أى يزيلها.

أما قريش فقد جن جنونها حينما تأكد لديها إفلات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة تنفيذ المؤامرة  فأول ما فعلوه أنهم ضربوا علياً وسحبوه إلى الكعبة وحبسوه ساعة، علّهم يظفرون بخبرهما، ولما لم يحصلوا من علىّ ما يفيدهم جاؤوا إلى بيت أبى بكر، وقرعوا بابه، فخرجت إليهم أسماء بنت أبى بكر، فقالوا لها: أين أبوك ؟ قالت: لا أدرى واللَّه أين أبى؟ فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشاً خبيثاً - فلطم خدها لطمة طرح منها قرطها. وقررت قريش فى جلسة طارئة مستعجلة إستخدام جميع الوسائل التى يمكن بها القبض على الرجلين، فوضعت جميع الطرق النافذة من مكة (فى جميع الجهات) تحت المراقبة المسلحة الشديدة، كما قررت إعطاء مكافأة ضخمة قدرها مائة ناقة بدل كل واحد منهما لمن يعيدهما إلى قريش حيّين أو ميتين ، وحينئذ جدت الفرسان والمشاة وقصاص الأثر فى الطلب، وإنتشروا فى الجبال والوديان، والوهاد والهضاب، لكن من دون جدوى، وقد وصل المطاردون إلى باب الغار، ولكن اللَّه غالب على أمره، فقد روى البخارى عن أنس عن أبى بكر قال: كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى الغار فرفعت رأسى فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت يا نبى اللَّه لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان، اللَّه ثالثهما، وفى لفظ ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللَّه ثالثهما.

وقد كانت معجزة أكرم اللَّه بها نبيه صلى الله عليه وسلم ، إذ رجع المطاردون وهم على بعد خطوات معدودة منهما!!!!!

فى الطريق إلى المدينة:

وحين خمدت نار الطلب، وتوقفت أعمال دوريات التفتيش، وهدأت ثائرات قريش بعد إستمرار المطاردة الحثيثة ثلاثة أيام بدون جدوى، تهيأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة، وكانا قد استأجرا عبد اللَّه بن أريقط الليثى وكان ماهراً بالطريق وكان على دين كفار قريش، وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فلما كانت ليلة الاثنين غرة ربيع الأول جاءهما عبد اللَّه بن أريقط بالراحلتين، وحينئذ قال أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم: بأبى أنت يا رسول اللَّه خذ إحدى راحلتى هاتين، وقرب إليه أفضلهما، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: بالثمن، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر رضى اللَّه عنها بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاماً، فلما إرتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فشقت نطاقها باثنين، فعلقت السفرة بواحد، وانتطقت بالآخر فسميت ذات النطاقين ثم إرتحل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى اللَّه عنه وارتحل معهما عامر بن فهيرة وأخذ بهم الدليل  عبد اللَّه بن أريقط على طريق السواحل. وأول ما سلك بهم بعد الخروج من الغار أنه أمعن فى إتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غرباً نحو الساحل، حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس إتجه شمالاً على مقربة من شاطىء البحر الأحمر وسلك طريقاً لم يكن يسلكه أحد إلا نادراً ثم قدم بهما على قباء وفيما يلى بعض ما وقع فى الطريق:

-  كان أبو بكر رضى اللَّه عنه يلقى أحدهم أثناء الطريق فيسأله من هذا الرجل معك؟ فيقول هذا رجل يهدينى الطريق، فيحسب السائل أنه يعنى به الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير (وهذا لا يعتبر كذبا لأن الرسول بالفعل يهدى أبى بكر ويهدى المسلمين أجمعين)

- وتبعهما فى الطريق سراقة بن مالك المدلجى الكنانى ( سيد بنى مدلج وأحد أشراف قبيلة كنانة وصحابى جليل قائف يقتص الأثر) لحق بالرسول محمد وصاحبه أبى بكر الصديق فى الهجرة وهو يومئذ مشرك طمعا فى جائزة قريش (مائة ناقة)، فلما وصل للرسول، إنغرست قدما فرسه فى الوحل فطلب من رسول الله أن يدعوا الله لينجيه مما هو فيه على أن يرجع عنهم ويعمى كذلك عنهم الطلب فدعا له رسول الله ثم قال له: كيف بك إِذا لبست سِوَارَى كسرى ومِنْطَقَتَه وتاجه، فقال سراقة: كسرى بن هرمز؟ فقال رسول الله: نعم ثم انصرف سراقة، فلما فتح سعد بن أبى وقاص المدائن فى زمن خلافة عمر بن الخطاب، أرسل سوارى كسرى وتاجه ضمن الغنائم إلى الخليفة فتحقق لسراقة وعد النبى له حيث ألبسه عمر سوارى كسرى.