فى ذكرى هجرة المصطفى (1)

بمناسبة حلول العام الهجرى الجديد 1442 هجرية، فيطيب لى بهذه المناسبة أن أبعث بأسمى التهانى للأمة الإسلامية وأن أستعرض فى حلقات ما كان من أمر هذه الهجرة العطرة التى كان لها عظيم الأثر فى الحفاظ على الدعوة الإسلامية ونشرها فى ربوع الجزيرة العربية وبعدها العالم بأسره ولو لم يحفظ الله بقوته الرسول وأتباعه سواء الذين سبقوه فى الهجرة ومن خلفوه فيها لتم القضاء على الدعوة الإسلامية فى أعوامها الأولى، فإلى المقال.....

فى ذكرى هجرة المصطفى (1)

فى ذكرى هجرة المصطفى (1 )

ولما تم إتخاذ القرار الغاشم بقتل النبى صلى الله عليه وسلم نزل إليه جبريل بوحى ربه تبارك وتعالى، فأخبره بمؤامرة قريش، وأن اللَّه قد أذن له فى الخروج وحدد له وقت الهجرة قائلاً: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه.

وذهب النبى صلى الله عليه وسلم فى الهاجرة إلى أبى بكر رضى اللَّه عنه ليبرم معه مراحل الهجرة، قالت عائشة رضى اللَّه عنها: بينما نحن جلوس فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة قال قائل لأبى بكر هذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم متقنعاً، فى ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر فداء له أبى وأمى، واللَّه ما جاء فى هذه الساعة إلا لأمر. قالت: فجاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: أخرج من عندك فقال أبو بكر: إنما هم أهلك ، بأبى أنت يا رسول اللَّه. قال: فإنى قد أذن لى فى الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت يا رسول اللَّه؟ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: نعم وبعد إبرام خطة الهجرة رجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى بيته ينتظر مجئ الليل.

تطويق منزل الرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم :

أما أكابر مجرمى قريش فقضوا نهارهم فى الإعداد لتنفيذ الخطة المرسومة التى أبرمها برلمان مكة (دار الندوة) صباحاً وأختير لذلك أحد عشر رئيساً من هؤلاء الأكابر وهم: أبو جهل بن هشام/ الحكم بن أبى العاص/ عقبة بن أبى معيط / النضر بن الحارث/ أمية بن خلف/ زمعة بن الأسود/ طعيمة بن عدى / أبو لهب/ أبى بن خلف / نبيه بن الحجاج / منبه بن الحجاج

قال ابن إسحاق: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى نام، فيثبون عليه، وكانوا على ثقة ويقين جازم من نجاح هذه المؤامرة الدنيئة، حتى وقف أبو جهل وقفة الزهو والخيلاء، وقال مخاطباً لأصحابه المطوقين فى سخرية واستهزاء: إن محمداً يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها. وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، فباتوا متيقظين ينتظرون ساعة الصفر، ولكن اللَّه غالب على أمره، بيده ملكوت السماوات والأرض، يفعل ما يشاء، وهو يجير ولا يجار عليه، فقد فعل ما خاطب به الرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما بعد: (وَإِذ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) الأنفال 30

الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر بيته:

ومع غاية إستعداد قريش لتنفيذ خطتهم قد فشلوا فشلاً فاحشاً. ففى هذه الساعة الحرجة قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب: نم على فراشى، وتسج ببردى هذا الحضرمى الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه منهم، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينام فى برده ذلك إذا نام. ثم خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وإخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم، وقد أخذ اللَّه أبصارهم عنه فلا يرونه، وهو يتلو: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) يس 9 فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه تراباً، ومضى إلى بيت أبى بكر، فخرجا من خوخة فى دار أبى بكر ليلاً حتى لحقا بغار ثور فى إتجاه اليمن.

وظل المحاصرون ينتظرون حلول ساعة الصفر، وقبيل حلولها تجلت لهم الخيبة والفشل، فقد جاءهم رجل ممن لم يكن معهم، ورآهم ببابه فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمداً. قال: خبتم وخسرتم، قد واللَّه مر بكم، وذر على رؤوسكم التراب، وانطلق لحاجته، قالوا: واللَّه ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم. ولكنهم تطلعوا من صير الباب فرأوا علياً، فقالوا واللَّه إن هذا لمحمد نائماً، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا وقام على عن الفراش، فسقط فى أيديهم، وسألوه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فقال: لا علم لى به....