فلورنس نايتنجيل ( سيدة المصباح وملاك الرحمة)

لا شك أن أزمة (تفشى مرض كورونا الحالية) ألقت الضوء مجددا على ملائكة الرحمة وهم الأطقم الطبية فى المستشفيات وعلى الأخص منهم الأطباء والممرضات، وفى كثير من دول العالم ترى أن الممرضة فى أحيان كثيرة قد يفوق دورها دور الطبيب لأنها هى التى تتولى تنفيذ البرنامج العلاجى الذى وضعه الطبيب فإذا نسيت أو غضت الطرف عن شئ فمن الوارد جدا تدهور صحة المريض، هى كذلك بطريقة محادثتها وابتسماتها ومرحها من الممكن أن تخلق للمريض جوا من الراحة النفسية والطاقة الإيجابية يساعد على سرعة شفائه، ولا يعيب أبدا مهنة التمريض- وذلك كحال أية مهنة- وجود الشاردات التى يتخذنها وسيلة للإغراء أو خلافه أو تلك اللاتى يعانين من أمراض نفسية، فينتقمن من المجتمع كله فى صورة إيذاء المريض اللاتى يتولين رعايته، فما سبق كما ذكرت هو نقطة سوداء صغيرة جدا تكاد لا ترى بالعين فى ثوب أبيض ناصع البياض كان من رائداته بطلة مقال اليوم وهى فلورنس نايتنجيل....

فلورنس نايتنجيل ( سيدة المصباح وملاك الرحمة)
تمثال لها بقصر ووترلو فى لندن

فلورنس نايتنجيل

( سيدة المصباح وملاك الرحمة)

ولدت فلورنس نايتينجيل فى بلدة فلورنسا بإيطاليا عام 1820 ، وكانت من عائلة بريطانية غنية تؤمن بتعليم المرأة، ، تلقت تعليمها فى المنزل على يد والدها، وكانت تطمح بأن تخدم الآخرين وتصبح ممرضة لكن والداها عارضاها فى البداية حيث لم يكن ينظر إلى مهنة التمريض فى ذلك الوقت على أنها مهنة جذابة أو “محترمة”. لكن فلورنس تشبثت بطموحها أمام رفض والدها، وأكملت تعلم التمريض، وفى سبيل ذلك رفضت عروض الزواج منها فى عديد من المناسبات، وذلك لأنها رأت أن الزواج سيكون مسؤولية  من شأنها ابتعادها عن ممارسة مهنة التمريض التى كانت دوما تشعر أن الله قد خلقها لها.....

فلورنس نايتنجيل

 لا شك أن الحياة الارستقراطية التى ترعرت فيها، وتواجدها  فى عائلة تؤمن بتعلم المرأة، والبيئة المهذبة التى نشأت داخلها، فكل هذه الأمور جعلت منها  صاحبة أخلاق حميدة يملأ قلبها الرحمة والشفقة تجاه الأشخاص الذين هم فى حاجة إلى العلاج والتمريض، فأصبح لا شاغل لها سوى مساعدة الآخرين....

فى عام 1851، التحقت فلورنس بمدرسة الكايزروارت ، وقد سعت من خلالها إلى تطبيق أفكارها وطموحاتها وبرامجها التي تخدم مجال التمريض فقد كانت تؤمن إيمانا شديد بأهمية عمل التمريض وضرورة وضع برنامج خاص لتدريس آداب المهنة.

 كان أهم شئ تحرص عليه فى أى مكان تتولى الرعاية فيه هو عمليات (النظافة والتطهير)،  فقامت لأول مرة بتطبيق نظرياتها العلمية فى معهد التمريض  الذى افتحته وهو معهد السيدات النبيلات للعناية بالمرضى، إذ كانت تصر على النظافة التامة و كذلك كان الإصرار على فتح النوافذ والسماح للهواء النقى بدخول الغرف حتى فى أيام الشتاء الباردة، وهو المبدأ الذى عملت به الممرضة ،( النظافة والهواء النقى)، مما ساهم فى انجاح عملها وبدأت جيوش المرضى بالإقبال على المعهد، وتراجعت حالات المرض وكذلك الوفيات.

بدأ الناس الحديث على أعمال هذه الممرضة، التى تعالج مرضاها بالشمس والهواء النقى، وذاع صيتها بعد الاصلاحات الكبيرة التى ادخلتها على نظم التمريض وأساليبه، وأصبحت مرجعا لإنشاء معاهد تدريب الممرضات على مستوى العالم.....

عندما اندلعت حرب القرم فى عام 1854 بين روسيا من جهة وبريطانيا وتركيا وفرنسا وسردينا من جهة أخرى، بدأت رائدة التمريض بالقرب من تحقيق حلمها وتبليغ رسالتها، عندما أطلق الجرحى فى الميدان صيحة فزع عبر الصحيفة البريطانية التايمز، إذ كانوا يموتون بسبب غياب الاسعافات والتمريض. ولم تتردد نايتنجيل فى الاسراع نحو ساحة المعركة لتلبية نداء الواجب وتحقيق هدفها الذى طالما سعت من أجله، وقد عملت على إدارة معسكر التمريض بمنتهى الجدية والحزم رغم أنها لم تكمل عامها الرابعة والثلاثون، إلا أنها استطاعت من خلال كفاءتها الطبية هزيمة الموت داخل هذا المعسكر فبعدما كانت نسبة الموتى فى ذلك المبنى تتعدى الـ 44 % فقد أصبحت بفضل مجهودات هذه الممرضة الشابة  2 % فقط !!!، حتى أنه عند عودتها إلى إنجلترا قامت الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا بإرسال آنذاك تحية خاصة لها من القصر الملكى على سبيل التكريم.

ولأنها كانت تخرج فى ظلام الليل إلى ميادين القتال، وهى تحمل مصباحا بيدها، للبحث عن الجرحى والمصابين لإسعافهم حتى أن المرضى والجرحى كانوا يلثمون ظلها حين تمر بجوارهم،  فقد أطلق عليها لقب السيدة حاملة المصباح حينها....

جمع الشعب البريطانى خمسين الف جنيه قدموها لها هدية تقديرا للخدمات التى أدتها خلال الحرب وتسلمت نايتنجيل هديتها لتقدمها بدورها لبناء ( بيت نايتنجيل ) لتدريب الممرضات بمستشفى سانت توماس ، وهو البيت الذى مازال قائما يحمل اسمها حتى اليوم وفى عام 1907 كانت أول امرأة تمنح وسام الاستحقاق وكانت قد قاربت العام التسعين من حياتها الحافلة بالعمل...

وفى 13 من أغسطس عام 1910، رحلت فلورنس نايتنجيل عن عمر يناهز التسعين سنة، لتترك ورائها حياة حافلة بالانجازات الانسانية....

الفيديوهات التالية عن حياتها: