فريد الأطرش ( الفنان الفريد)

لا شك أن الفنان الحقيقى هو الذى تسمو مشاعره الإنسانية، فلا يكون متبلد الإحساس، ويشعر بمعاناة من حوله، وتصدر منه التصرفات التى تدل على المشاركة والإحتواء، وهو الذى لا يتعالى على من حوله أو من هم أدنى منه بما إكتسبه من مال أو شعبية، فلا نجده يصف نفسه بأوصاف تميزه عن غيره ولا نجده بمجرد أن يكرمه الله بالثراء يتباهى به عن طريق الصور والأحاديث، وهكذا يكون الفنان الفريد وهكذا كان ( فريد الأطرش)....

فريد الأطرش ( الفنان الفريد)

فريد الأطرش ( الفنان الفريد)

كان الموسيقار الفنان فريد الأطرش واحدا من الفنانين العرب الذين فتحت لهم مصر ذراعيها بكل حب، وقد كان على قدر ترحيب مصر به بارا بها يعتبرها  وطنه، وقد قدم عشرات الألحان وعدد من الأفلام وقد شهد له جميع خبراء الموسيقى فى العالم بالإبداع والتفرد وأنه إستطاع بأنامل ذهبية أن يخرج من آلة العود مجموعة من أروع الألحان وما تزال أغنية ( الربيع) بلحنها البديع هى الرمز لبدء أجمل فصول السنة...

الفنان فريد الأطرش لا يحتاج لمن يصف أعماله بالتفرد أو يحلل مواطن الجذب فيها، فهذا كله قد ذكره الكثيرون سواء فى مقالات أو كتب أو رسائل علمية تتعلق بالموسيقى والفن، وهذا المقال لا يتوقف عند الجانب الموسيقى أو الفنى للفنان العظيم، بل هو لمحة عن جانبه الإنسانى الفريد.....

قال عنه :

الموسيقار محمد عبد الوهاب:

" فى الواقع أن فريد الأطرش كان فنانا عظيما فى عصره.. وصديقا لا يعوض فى صداقته.. وإنسانا لا يبارى فى بساطته".

الملحن محمد الموجى:

" إن فريد كان فنانا صادقا.. وإنسانا صادقا.. وسط إطار يخلو منه الصدق تماما، بل يملؤه الكذب تماما."

نعيم المأمون فى كتابه (من قصص فريد الأطرش.. مع  البخلاء)

" كان الموسيقار الرّاحل فريد الأطرش يجاهر دائماً بأنّه لا يحبّ إلاّ الرّجل الكريم، وأنّه بطبيعته يكره البخلاء الّذين لا تمتدّ أيديهم إلى جيوبهم، ولا يسعدون النّاس كما يسعدون أنفسهم بالأموال الطّائلة الّتى يملكونها.

والكرم، كان الميزة الأهمّ الّتى تحبّب فريد الأطرش في النّاس، ولا سيّما إذا كانوا من غير الوسط الّذى يعيش فيه، أى من الّذين لا يرى نفسه مضطرّاً إلى مصادقتهم أو الاختلاط بهم"

 الكاتب الصحفى محمد بديع سربية:

" كل من عرف فريد الأطرش فى شتى مراحل حياته يمكنه أن يزعم أنه كان صديقا  له, لأن الموسيقار الراحل كان دائماً صاحب قلب كبير عطوف ومتسامح حتى مع الذين كانوا يتعمدون الإساءة اليه, وإثارة عصبيته وغضبه, وكان يعتبر جميع الناس أصدقاء له..."

قالت عنه مريم فخر الدين متحدثة عن إنسانيته ورغبته الدائمة فى جبر خواطر من حوله:

فى أحد الأيام قمت بإستضافة فريد فى البيت ورأيته من الشرفة قد قام بركن سيارته فى الناحية المقابلة للبيت وتوقعت أنه سيصعد لى فى غضون خمس دقائق على الأكثر ولكنه لم يصعد وانتظرته حوالى نصف ساعة!!!

اندهشت وكل خمس دقائق أنظر من الشرفة، فأجد سيارته مكانها ، وبعد حوالى نصف ساعة وجدته يضرب جرس الباب فسألته عن سبب تأخره فى الصعود هذه المدة.

قال لى : " أثناء صعودى لكى استوقفنى حارس عمارتك وقال لى أنه يحبنى جدا ويتمنى حضور حفلة لى ولكنه لا يستطيع بسبب ثمن التذكرة، فسألته عن أكثر أغنية يحبها لى فقال لى اسم أغنية وطلب منى سماع جزء منها، وعليه قمت بغناء جزء من الأغنية التى يحبها وأثناء ذلك شاهدنى مارة بالقرب من العمارة فدخلوا وتابعوا مع الحارس غنائى حتى انتهيت وبعدها مباشرة صعدت لكى...."

فعاتبته مريم فخر الدين على ذلك، ولكنه أجابها " الله مش من جمهورى!!! مش الناس دى جمهورى وهو زيه زى الوزير وله عليا حق"

كان الموسيقار الراحل يكسب كثيراً وينفق كثيراً, وفى أواخر أيامه كان يحرص على أن يجمع المال, ليستطيع أن يحافظ على مستوى حياته فيما لو اضطرته حالته الصحية إلى التقاعد، وذات ليلة قال لمدير أعماله  إنه قرر أن يقيم بصورة نهائية فى القاهرة، وطلب منه أن يعمل له حساب المبالغ التى تمت إضافتها فى حسابه هذا الصيف، كى يقوم  بتحويلها إلى مصر، وطلب منه كذلك أنه بالإستناد إلى معدل إنفاقه أن يحسب عدد السنوات التى يستطيع عيشها بهذا المبلغ فيما لو اضطرته ظروفه الصحية إلى التقاعد، وبالحساب تبين أنه بهذا المبلغ وبما عنده من إيرادات عن الأداء العلنى لأغانيه سيمكن له أن يعيش لمدة خمس سنوات فى بحبوحة تامة، ودون أن يكون بحاجة الى أحد.

 ولأن فريد الأطرش كان يشعر دائماً بأن حالته الصحية قد ترغمه يوماً على التقاعد كفنان، فإن خوفه الوحيد كان دائماً من معاناة العوز والحاجة، ولهذا كان هاجسه باستمرار هو أن يؤمن لنفسه وطوال حياته موارد تؤمن له الحياة الكريمة..

ولم يكن الموسيقار الراحل يفكر بغده ، وبالمال، إلا فى السنوات الأخيرة من حياته، وبعد أن كان يحسّ بينه وبين نفسه باشتداد وطأة المرض عليه، وأبرز دليل على إنسانية فريد الأطرش، وأنه لم يكن أنانياً فى تفكيره، بل كان يفكر فى نفسه وفيمن حوله من الذين يعيشون معه أو يعملون عنده ، أنه كان يبدى دائما رغبة فى أن ينال هؤلاء بعض ما عنده فيما لو اصابه سوء، لذلك فإنه كان يعلن أمام زائريه وأصدقائه المبالغ التى يريد أن يخصّ بها الذين كان دائم القلق على مصيرهم وحياتهم من بعده....

حديث لفريد الأطرش بالفيديو