على بك الكبير ومحمد أبو الذهب ( اتق شر من أحسنت إليه)

علي بك الكبير هو أحد أعظم الشخصيات التاريخية المملوكية في تاريخ مصر، وهو كغيره من المماليك مجهول الأصل، حيث كانت المماليك تشترى صغارًا، وتجلب إلى مصر وتعتنق الإسلام، وتخضع لتربية عسكرية صارمة، ثم تبدأ رحلتها في الصعود إلى السيطرة والنفوذ السياسي، وقد استطاع هذا الرجل أن يصل إلى منصب شيخ البلد، وأن يعزل الوالى العثمانى على مصر، مستغلا انشغال الخلافة العثمانية فى حربها مع روسيا، كما استطاع القضاء على نفوذ شيخ العرب همام بن يوسف الهوارى زعيم الصعيد، وأن يُحكِم قبضته على مصر بوجهيها القبلى والبحرى، ولم يكتف فقط بذلك، بل ضم إليها كل من أرض الحجاز والشام، ولكن ما لبث أن ضاع منه ملكه بعد أن انقلب عليه محمد بك أبو الدهب ذراعه الأيمن...

على بك الكبير ومحمد أبو الذهب ( اتق شر من أحسنت إليه)

على بك الكبير ومحمد أبو الذهب

( اتق شر من أحسنت إليه)

من الصعب معرفة أصول على بك الكبير على وجه اليقين  لأنه كان كباقى المماليك الذين يتم شرائهم ثم بيعهم لامراء يقمون بتربيتهم على الدين الاسلامى وحسب بنيان أجسامهم يوجهونهم إلى الخدمات التى تناسبهم فمهم الخدم و منهم من يخضعون لتربية عسكرية صارمة، ويبدأون رحلتهم فى الصعود إلى النفوذ والسيطرة.  ويذكر المؤرخ الأوربى  ستافرو لانسبان  وكان معاصرا لعلى بك الكبير و كان ملاصقا له، أنه ابن قسيس رومى أرثوذكسى من قرية أماسيا فى الأناضول ، وأنه ولد فى سنة 1728م  ثم تم خطفه فى الثالثة عشر من عمره، وبيع فى القاهرة  فاشتراه إبراهيم كتخدار القازدوغلى المعروف بإبراهيم كتخدا ، وبدأت معه رحلة التعليم والتدريب التى يمر بها المماليك.

وفى تلك المرحلة ظهرت ملامح شخصية على بك الكبير وكفاءته العسكرية، فتفوق على أقرانه فى ركوب الخيل، والضرب بالسيف والطعن بالرمح، وإستخدام الأسلحة النارية، وهو ما جعل سيده يعتقه وهو لم يتجاوز العشرين، وولاه بعض المهام الإدارية، وأصبح كاشفا (أميرا) سنة 1749م  وله من العمر اثنان وعشرون عاما، ولما توفى أستاذه إبراهيم كتخدا سنة  1754م خلفه فى مناصبه ثم أميرا للحج و كبيرا  للمماليك و شيخا للبلد. 

أما محمد بك أبو الذهب فهو مملوك مملوك جركسى، اشتراه على بك الكبير والى مصر فى أوائل ستنييات القرن الـ18، إذ تم خطفه من أسرته فى شمال بلاد القوقاز لعائلة من الأبخاز أو الشركس، وكان حينها يتم شراء العبيد منها قبل أن يتحولوا إلى مماليك لكل «بك» فى مصر، وقد اشتراه سيده على بك الكبير من تاجر عبيد يهودى، ثم أصبح ساعده الأيمن وأقرب المقربين وأصفى الأصفياء لدرجة إنه زوجه إبنته. لكن وكما يقول المثل الشعبى المصري «عندما تربى حية فى بيتك، ستقوم بلدغك».. وهذا ما حدث مع علي بك الكبير الذى ربى «حية» فى بيته، بل ثعبانا كبيرا، تضخم وكبر وأراد التهام كل شىء حوله.

سعى على بك الكبير وهو شيخ للبلد فى البداية لكسب ثقة وود الدولة العثمانية حتى تأمن مكره وحتى يتخلص من منافسيه وعقب تحقيق ذلك بدأ بالسعى للاستقلال بحكم مصر، فأستغل فرصة انشغال الدولة العثمانية فى حربها مع روسيا، ولم تكن نتائجها فى صالح العثمانيين الذين منوا بخسائر فادحة، فاستصدر أمرا من الديوان بعزل الوالى العثماني، وتولى هو منصب القائم مقام بدلا من الوالى المخلوع، وذلك فى 11 من ديسمبر 1768م. وأتبع ذلك بمنعه قدوم الولاة الأتراك إلى القاهرة، فلم ترسل الدولة أحدا منهم على مدى أربع سنوات، كما أوقف إرسال الأموال المقررة سنويا على مصر إلى الدولة العثمانية ابتداء من سنة 1768م.

وفي أثناء ذلك نجح كذلك فى أن يسيطر على أحوال مصر، فى الوجهين البحرى والقبلى، وأن يقضى على الفتن هناك ويضرب بيد من حديد على الخارجين عليه في الشرقية والقليوبية والبحيرة، ثم قضى على نفوذ شيخ العرب همام بن يوسف الهوارى زعيم الصعيد، وكان يلجأ إليه كثير من منافسى علي بك الكبير طالبين حمايته وإمدادهم بالمال والسلاح، ولم يلبث أن توفي شيخ العرب همام وزالت دولته من بلاد الصعيد كأن لم تكن، وخلصت مصر  بوجهيها البحري والقبلى لعلى بك وأتباعه.

لم يكتف على بك الكبير بأن بسط نفوذه وسلطانه على مصر، فتطلع إلى بسط نفوذه خارجها، فتطلع إلى ضم الحجاز لتأمين الحج للمصريين والمغاربة والشوام، وإحياء تجارة مصر مع الهند  بالاستيلاء على ميناء جدة التجارى ذى الشهرة الواسعة، وجعله مستودعا وسطا لتجارة الهند  والشرق الأقصى، فيعيد بذلك الثروة والغنى التى فقدتها مصر من جراء تحول تجارة الشرق إلى طريق الرجاء الصالح. كما كان يفكر بالسماح للسفن الاوربية و لاسيما الانجليزية من ميناء السويس حتى يحدث نشاط تجارى و أقتصادى فى مصر و يزيد دخلها ليتمكن بعد ذلك من تنفيذ مشروعاته الداخلية و الخارجية.

وفى سبيل تحقيق حلمه بضم الحجاز، انتهز على بك فرصة النزاع الذي دار بين اثنين من أشراف الحجاز حول الحكم، فتدخل لصالح أحدهما وأرسل حملة عسكرية يقودها محمد بك أبو الدهب  فى يونيو 1770م إلى هناك فنجحت فى مهمتها، ونودى بعلى بك الكبير فى الحرمين الشريفين سلطان مصر وخاقان البحرين ، وذكر اسمه ولقبه على منابر المساجد فى الحجاز كلها.

وقد شجع نجاح حملة الحجاز على بك الكبير على أن يتطلع إلى إرسال حملة إلى بلاد الشام  منتهزا سوء أحوالها وتعدد طوائفها، واستنجاد صديقه والى عكا ضاهر العمر  به الذى نجح فى أن يمد نفوذه فى جنوب سوريا، وكان هو الآخر يسعى إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية.

لقد تعاون مع  حاكم صيدا  الشيخ ضاهر العمر  و الذى تعرف بعلى بك سنة 1766 م حين نفى الى فلسطين فلما استقر الامر لعلى بك استعان به ضاهر العمر ضد العثمانيين. ولم يكد محمد أبو الدهب يعود بحملته الظافرة من الحجاز حتى سيره على بك، على رأس جيش كبير يتألف من أكثر من أربعين ألف جندى ليزحف على الشام، وكان السبب الذى أعلنه على بك من وراء حملته على الشام هو إيواء عثمان العظم والى الشام (دمشق) لخصوم على بك وأعدائه وإعدادهم للإغارة على مصر  وأن هذا الوالى يسىء الحكم فى بلاد الشام مما جعل السوريين يتذمرون من حكمه.

خيانة أبو الدهب لعلى بك الكبير:

مع نجاح وتوالى الإنتصارات فى الحملات بدأ أبو الدهب يشعر أنه هو من له الفضل فى إزدياد نفوذ على بك الكبير ، فهو الذى أوقع بشيخ العرب همام فبسط على بك الكبير سيطرته على الصعيد ، وهو الذى قاد الحملات الناجحة فى الحجاز والشام، وبهذه العقلية بدأ يفكر فى الإنقلاب على سيده على بك وبدأ يطمع فى نسب كل هذه الانتصارات لنفسه، واستطاع أن يثير عليه البكوات، فكان تارة يصفه بالكفر والإلحاد، وتارة أخرى يتهمة بالعمل على إخضاع هذه البلاد للكفرة، فى إشارة منه على تعاون على بك مع الروس.

خرجت حملة بقيادة أبو الدهب عام 1771 م وتوجهت الى غزة ثم الرملة حيث ألتقت بحملة تمهيدية بقيادة ” أسماعيل بك “  و بعد الاستيلاء على الرملة وبيت المقدس و يافا بعد حصار دام شهرين اتجهت لعكا حيث عسكر  أبو الدهب  انتظار لاوامر على بك و انتظارا لانضمام جيش ضاهر العمر إليه . وفى جنوب دمشق ألتقى مع جيش  عثمان باشا  و هزمه  و فر شمالا إلى حمص فحاصر أبو الدهب دمشق التى فتحت أبوابها له على مصراعيها  فى 6 من يونيو 1771م . ولكن المفاجأة أنه رغم ذلك الإنتصار ينسحب أبو الدهب  بجيوشه!!!!!

 لقد اتبعت الدولة العثمانية سياسة ” فرق تسد ” فقامت بالاتصال بمحمد بك ابو الدهب لترغبه على  الانقلاب، واتفقا على أن يقوم محمد أبو الذهب بقتل على بك الكبير وأن يصبح هو واليا على مصر مقابل ان تعود مصر إلى حظيرة الدولة العثمانية ، وهو ما قد تم...

نهاية على بك الكبير:

عندما علم على بك الكبير بخيانة ربيبه محمد أبو الذهب، جاء من بلاد الشام ومعه جنود الشام وأولاد حليفه ضاهر العمر ، فتهيأ محمد بك للقائه و برز خيامه إلى جهة العادلية ونصب الصيوان الكبير هناك وهو صيوان «صالح بك»، الذى كان غاية فى الاتساع والعلو والارتفاع والجمال ثم جاءه الخبر بوصول على بك إلى الصالحية بعساكره، فتوجه إليه وتحاربا فكانت الهزيمة من نصيب على بك وأصابه جرح فى وجهه فسقط عن جواده فاحاطوا به وحملوه الى صيوان محمد بك الذى أحضر له الأطباء لمداواته، ولكن بعد سبعة أيام من وصوله للقاهرة توفى على بك الكبير, وقيل أنه سمم فى جراحه فغسل ودفن عند أسلافه بالقرافة، حيث مدفن أستاذه ابراهيم كتخدا.

نهاية محمد أبو الذهب ( الجزاء من جنس العمل):

لم تدم مدة حكم محمد أبو الدهب ولم يهنأ بما حصده من خيانات أو ولاء للسلطان العثمانى طويلا. فعندما صدر فرمان من الباب العالى لمحمد بك أبو الدهب لمحاربة ، وتطهير الشام، قاد أبو الدهب جيشا كبيرا إلى فلسطين 1775م بمعونة الجنود المغاربة من جند ضاهر العمر الذين خانوه. كما لعب عثمان بك ابن ضاهر العمر دورا فى معاونته ضد والده طمعا فى أن يحل محله فى ولاية صيدا، ففتح يافا عنوة وأعمل السيف في المعارضين.

وانتقاما مما فعله فى ضاهر العمر، يحكى الجبرتى أن العُمر قدم رشوة للطباخ الخاص بمحمد أبو الدهب كى يضع له السم فى الطعام، ليموت هناك فى فلسطين ويحمله أتباعه لدفنه بمسجده في مصر،  وكانت الجثة قد اقتربت من التعفن والتحلل، بسبب نقلها لمدة أسبوعين تقريبًا، فقد كانت الرائحة لا تطاق، وتم إطلاق البخور من مشاعل يحملها الكثيرون فى أرجاء المسجد لإخماد رائحة التعفن.

فعلا السياسة لا أمان لها، وعندما تصبح الغاية مبررا لكل شئ فلنتوقع دائما كل ما هو قذر....

يوجد تحميل لكتاب مسرحية على بك الكبير لأحمد شوقى

الفيديو التالى يوضح محتوى المقال:

 

الملقات