عبد الحى كيرة وعبد القادر الجن ودولت فهمى

دائما ما تكشف لنا ثورة 1919، الكثير من البطولات الشعبية التى توارت لأعوام طويلة والتى يجب أن نعرفها لأنها قد ساهمت بطريقة أو بأخرى فى نشأة دستور 1922 الذى أعطى مصر إستقلالا - حتى وإن كان جزئيا- إلا أنه كان إستقلالا معترف به فى العالم، ونجحت مصر فى أن تكون لها بسبب ثورة 1919 حكومة وطنية برئاسة سعد باشا زغلول وأن تشهد الحركة البرلمانية المصرية تعدد حزبى أساسه قد نشأ من رحم ثورة 1919 ، وقد سبق وتحدثنا عن بطولات "مدينة زفتى" وأشخاص منها مثل "يوسف الجندى"، وها نحن فى ذلك المقال نتحدث عن بطولات رجلين وإمرأة ضحوا بمستقبل باهر لكل منهم من أجل إعلاء إستقلال وشأن مصر وهم عبد الحى كيرة وعبد القادر شحاتة ودولت فهمى وهى شخصيات سلط عليها الضوء فى الآونة الأخيرة ذلك الفيلم الملحمى " كيرة والجن " للمخرج مروان حامد، فإلى المقال....

عبد الحى كيرة وعبد القادر الجن ودولت فهمى

عبد الحى كيرة وعبد القادر الجن ودولت فهمى

عبد الحى كيرة:

إن الصورة الحقيقية التى ينقلها لنا الأديب يحيى حقى لعبد الحى كيرة- وقد التقى به خلال ثلاثينيات القرن الماضى- تشير إلى أنه كان يميل إلى البدانة،سمرته غالبة وله صفرة تحتانية شأن أبناء السواحل، وله رأس ضخم.

أما ما يذكر من معلومات عن الرجل فيشير إلى أنه من مواليد فارسكور من أسرة متوسطة وأن والده يعمل فى التجارة وقد بعث بابنه لدراسة الطب بجامعة قصر العينى.

وخلافاً لذلك يرد ذكر أحمد عبد الحى كيرة فى مذكرات عريان يوسف سعد، لكن دون إشارة واضحة، بينما يأتى ذكره بكثير من التفصيل فى مذكرات سيد باشا عن العمل السرى فى ثورة 1919.

والمتاح بين ثنايا الكتب حول هذا الشاب أنه كان أحد كوادر خلايا الثورة المسلحة سنة 1919 السريين وهى التى كان يشرف عليها عبد الرحمن بك فهمى ، ويعاونه كل من محمود فهمى النقراشى وأحمد ماهر.

وما يقوله عريان يوسف سعد فى مذكراته يشير بوضوح إلى معرفته بأحمد كيرة ضمن طلبة كلية الطب الذين انضموا إلى جمعية اليد السوداء لاغتيال الإنجليز. ويذكر «سعد» أنه قبض على كيرة فى ذلك الوقت فى قضية محاولة اغتيال يوسف وهبة باشا. يحكى صاحب المذكرات أن أحمد كيرة قد أسس خلية صغيرة لتنفيذ اغتيالات للإنجليز أو إرهاب المصريين المتعاونين معهم واختار عددا من العناصر من الطلبة، وكان حريصا على عدم ترك أى دليل خلفه. وعندما وضع خطة لتخويف يوسف وهبة باشا لقبوله رئاسة الوزراء وقت ثورة 1919 وشى به أحد الطلبة إلى البوليس، فتم وضع مخبرين على المقهى الذى كان ينتظر موكب رئيس الوزراء عليه، لكنه أحس بالريبة فألغى العملية وسار بهدوء حتى منزله ولما قبض عليه فشل البوليس تماما فى الحصول على أى دليل إدانة ضده فتم الإفراج عنه بعد أربعة أشهر من الحبس.

وكان من الواضح أن الطالب أحمد كيرة كان شديد الفطنة والذكاء حتى أنه تعلم كيفية التنكر فى أزياء مختلفة بدءًا من أولاد البلد حتى الفلاحين والأجانب. ويذكر مصطفى أمين فى الكتاب الممنوع ( أسرار ثورة 1919 ) أن كيرة كان واسع الحيلة، ومتعدد المواهب فكان ينقل المنشورات والأسلحة بأزياء ومظاهر متنوعة، وكان يعد القنابل فى معامل كلية الطب، وينقل المعلومات، وأن فرقة الاغتيالات بقيادة النقراشى وماهر كانت تعتمد عليه بشكل مباشر فى عمليات ارهاب الإنجليز.

والمذهل فى قصة كيرة أنه كان يرفض تماما المشاركة فى مظاهرات الثورة مؤكدا لكل من حوله أنها عديمة الجدوى، ولم يكن ذلك سوى تمويه عن نشاطه السرى الخطير، والذى وصل لحد إطلاق الرصاص على كثير من جنود الاحتلال والموظفين الإنجليز فى زمن الثورة. لقد فشلت كل محاولات الاستخبارات البريطانية لكشف تفاصيل خلايا القتل التى أسسها عبد الرحمن فهمى ضمن إعداده لثورة 1919 ولم ينكشف أمرها حتى عام 1924 عندما اعترف شفيق منصور أحد الذين شاركوا فى اغتيال السردار السير لى ستاك سردار الجيش البريطانى فى السودان خلال زيارته إلى القاهرة، وهو ذلك الحادث الذى يذهب الكاتب مصطفى امين إلى أن المخابرات البريطانية كانت على علم به إلا أنها غضت الطرف لإسقاط حكومة سعد زغلول ولكشف التنظيمات السرية للمصريين.  وعندما كشف شفيق منصور الدور الذى يلعبه أحمد ماهر والنقراشى فى الاشراف على الجهاز السرى للثورة، تم كشف أحمد عبد الحى كيرة واعتبره الإنجليز أحد المطلوبين الرئيسيين لديها.

وطبقا لسلسلة تحقيقات نشرها الكاتب الراحل صبرى أبو المجد فى مجلة المصور فإن نشرة رسمية وزعت بأوصاف أحمد كيرة من قبل السلطات البريطانية وهو ما دفع أصدقاءه إلى تهريبه بأى ثمن خارج البلاد.

وقد أورد مصطفى أمين نص برقية وزعتها السلطات البريطانية فى ذلك الوقت سنة 1924  تقول «اقبضوا عليه حياً أو ميتا. اسمه أحمد عبد الحى كيرة، كيمائى كان طالبا فى مدرسة الطب، خطير فى الاغتيالات السياسية، قمحى، قصير القامة وذو شارب خفيف وعمره 28 عاما» ويعنى ذلك أن كيرة من مواليد سنة 1896.

وطبقا لرواية صبرى أبو المجد فقد تم تهريب كيرة فى إحدى السفن إلى إيطاليا بعد دفع مائتى جنيه إلى أحد البحارة الأجانب، والذى يبدو أنه قد وشى به هو الآخر حيث وجد كيرة فى انتظاره رجال البوليس، لكنه تمكن من الهرب.

ولا يذكر صبرى أبو المجد الذى قدم جانبا من سيرة كيرة كيف أفلت الشاب الهارب من البوليس الايطالى. واللافت فى حكايات أبو المجد أن كيرة هرب بعد ذلك إلى ألمانيا ومنها إلى تركيا والتى ذكر أنه افتتح فيها مقهى، إلا أن خوفه من عيون المخابرات البريطانية دفعه إلى إغلاقه والعمل كممرض بأحد المستشفيات النائية خارج مدينة اسطنبول.

والمثير فى حكايات صبرى أبو المجد عن كيرة أنه ذكر أيضا أن كيرة التقى الخديوى عباس حلمى فى اسطنبول وكان قد خلع عن عرش مصر وأنه قال له إنه لن يقتله لأنه لا يقتل رجلا بلا سلاح أو سلطة، ثم تزعم الحكايات كذلك أن السلطات البريطانية اتصلت به فى اسطنبول وعرضت عليه أن يشهد ضد أحمد ماهر والنقراشى فى قضية الاغتيالات السياسية مقابل إعادته إلى مصر وتبرئته فضلا عن تقديم 40 ألف جنيه له.

والواضح أن تلك الحكايات تتناقض مع بعضها البعض خاصة أنه لا يوجد سبب يدعو كيرة أن يذهب إلى الخديوى ويقول له فى عبارات مسرحية إنه لن يقتله، ذلك لأنه بالبديهة لا يوجد ثأر لكيرة لدى الخديوى فضلا عن أن الرجل أزيح عن عرش مصر وعمر كيرة لم يزد على 16 عاما. كذلك فإنه ليس من المنطقى أن يحدث اتصال بين عبد الحى كيرة والمخابرات البريطانية فى اسطنبول وتحدث المساومة المزعومة، ذلك لأن كيرة نفسه مطلوب وأنه كان خائفًا، وحذرًا، ورافضًا لأى نوع من الاتصالات، وهو ما ذكره يحيى حقى بوضوح فى كتابه « ناس فى الظل ». لقد كان يحيى حقى دبلوماسيا فى سفارة مصر فى اسطنبول وقد التقى كيرة عدة مرات وقد كتب عنه «رأيت فيه المثل الفذ للرجل الشريد، كانت ملابسه تدل على الفاقة وغلبت صفرته التحتانية على سمرته، يمشى على عجل وبحذر كأنه يحاول أن يفلت من جاسوس يتتبعه، عيناه كالنار تطوف نظرتها فى دائرة الأنف كلها رغم إطراق رأسه ». ويحكى أيضا " حاولت أن أعرف أين يسكن لأرسل له خطابا، فلم أنجح وقيل لى إنه يسكن بمفرده فى ثلاث شقق كل منها فى حى بعيد عن الآخر وأنه يتخذ كل سنة اسما مختلفا ولا ينام فى فراش ليلتين متتابعتين".

وحار يحيى حقى فى تفسير مسلك كيرة اللاجئ الحذر، وتصور أن ارتيابه وشكه فى كل من حوله هو حالة مرضية وأنه لا يوجد من يتتبعه أو يطارده، حتى صعقه خبر العثور على جثته مطعونة بخنجر إلى جوار سور اسطنبول العتيق.

والحقيقة فقد اتجهت كافة الأنظار إلى المخابرات البريطانية واعتبر كثير من الكتاب فى مقدمتهم مصطفى أمين أنه المتهم الأول فى قتل كيرة، لكن السؤال المنطقى الذى يتبادر إلى الذهن هو لِم تم قتل كيرة سنة 1935 بعد أكثر من خمسة عشر عاما على عملياته ضد الانجليز بينما لم تفعل السلطات البريطانية ذلك مع محمود فهمى النقراشى والتى كانت على يقين من ضلوعه فى عمليات الاغتيال بل وتعاملت معه وهو وزير ثم وهو رئيس وزراء ؟ وتقريبا نفس الأمر تم مع أحمد ماهر باشا الذى كان شريكا رئيسيا فى الكفاح المسلح السرى ضد الإنجليز!

والإجابة المنطقية التي يقدمها البعض أن نشاط كيرة خارج مصر استهدف تنفيذ عمليات فدائية داخل بريطانيا نفسها وأنه عقب هروبه من مصر لم يتوقف حماسه للانتقام من الإنجليز وأن المخابرات البريطانية رصدت اتصالات له بفدائيين مصريين هربوا إلى أوروبا مخططا معهم للانتقام من الإنجليز أينما كانوا.

فى كتاب « ناس فى الظل » يتساءل يحيى حقى فى حيرة : " كيف قدر للحذر أن يؤتى من مأمنه ؟ لا أحد يعلم، فالرجل كان لغزا فى حياته وهو فى موته أشد إلغازا ".

عبد القادر شحاتة (الجن):

ولد عبدالقادر شحاتة في أسيوط عام 1898، توفي والده وهو صغير وتولي تربيته أخوه الكبير عبدالجواد، وفي مرحلة الثانوية انضم للتنظيم السري للثورة، وتعرف من خلاله على الأخ فهمي وهو الاسم الحركي لأحمد كيرة.

كان دوره توزيع المنشورات في صعيد مصر وتحديدا في المنيا، وحكم عليه من المجلس العسكرى البريطانى في الواسطى بالإعدام رميًا بالرصاص، لكن خليل حافظ حكمدار المنيا ساعده على الهرب.

في هذا الوقت فوجئت الثورة بأن محمد شفيق باشا وافق أن يكون وزيرا للأشغال لتنفيذ مشروعات الإنجليز في السودان، وهو ما اعتبروه خيانة للوطن، وقرروا قتله ووقع الاختيار على عبدالقادر شحاتة والذي وافق على إتمام المهمة.

كانت التعليمات أن يلقي قنبلة نيتروجلسرين أمام موكب محمد شفيق، وتم تحديد اليوم ووضعت الخطة، ويحكي عبدالقادر شحاتة في مذكراته: «فى اليوم المحدد عندما ظهرت سيارة الوزير وتحفزت لإلقاء القنبلة تنبهت في الثانية الأخيرة لوجود طفلين في السيارة، ما حال بينى وبين إلقاء القنبلة، فلم أكن قاتلا لكننى كنت إنسانا يدافع عن وطنه، وفي اليوم التالي ذهبت في نفس الميعاد وعند قدوم الموكب تقدمت وألقيت القنبلة وانفجرت وملأ الدخان المكان»، لم تصبه القنبلة فركض شحاتة مسرعا كما كانت الخطة لكنه التقى بصديق ورأه يرتدي ملابس العامل، أخذه وركب حنطور وبدأ يخلع ملابسه فرأى صديقه المسدس الذي كان يحمله وفهم أنه السبب في الانفجار وبدأ يصرخ، وصل وقتها إلى مدرسة بنات دخلها ليختبئ بها وحاصرته الشرطة بعدما أخبرهم سائق الحنطور بوجوده، وألقي القبض عليه، وباندفاع الشباب اعترف بكل شيء وأنه من ألقى القنبلة.

وفي التحقيقات رفض عبدالقادر شحاتة البوح بأي شىء يخص التنظيم أو الاعتراف بأي اسم، ألح عليه المحققون لمعرفة أين كان يبيت في الليلة التي سبقت تنفيذ العملية، ومن كان معه لكنه لم يقل شيئا .

وفي يوم تلقى رسالة من الخارج جاء فيها أن سيدة ستأتي وتقول إنه حبيبها وكان يبيت عندها، فعلا دخلت  عليه سيدة هي (دولت فهمي)، أثناء التحقيقات وقالت إنه عشيقها وأكدت أنه كان معها .

وحكم على عبدالقادر شحاتة بالإعدام وبعد 30 يوما ارتدى فيها البذلة الحمراء خفف الحكم ليصبح الأشغال الشاقة المؤبدة، وبعد مرور 4 سنوات، تولى سعد زغلول رئاسة الوزراء وسعى لخروج المسجونين السياسيين وخرج عبدالقادر من السجن عام 1924.

دولت فهمى: (دور المرأة المصرية فى الكفاح الوطنى):

دولت فهمى هى احدى بنات الصعيد التى جاءت من قرية أبو عزيز بمحافظة المنيا الى القاهرة وانشغلت بقضية تعليم البنات حتى أصبحت وكيلة مدرسة الهلال الأحمر القبطى للبنات. واستطاعت من خلال موقعها الوظيفى أن تحشد جموع المرأة للخروج فى ثورة 1919. لم ينته دورها السياسى بانتهاء الثورة ولكنها انخرطت فى العمل السياسى بشكل تنظيمى فكانت عضواً فى التنظيم السرى للثورة وهو ما جعل الأمر من الصعوبة بمكان لمعرفة الكثير عنها، حيث كان العمل كله يتم فى سرية تامة. كان ذلك التنظيم السرى أو اليد السوداء - كما أطلق عليه - تحت قيادة عبد الرحمن فهمى وأحمد ماهر، وهدفه الأساسى تخويف المحتلين الانجليز والخائنين من المصريين، وذلك عن طريق اغتيال جنود الاحتلال وإرهاب بعضهم.

كان جهاز الثورة هذا يمنع أى مصرى أن يقبل رئاسة الوزراء فى ظل الحماية البريطانية لأن ذلك يعتبر خيانة للوطن، لكن فوجئوا بأن محمد شفيق باشا قبل أن يكون وزيراً للأشغال والحربية والزراعة، فقرر التنظيم السرى قتله وكلف عبدالقادر شحاتة بذلك.

كان شحاتة شاباً فى الحادى والعشرين من عمره وكان له دور لأعمال ثورية سابقة مثل طبع المنشورات واشعال الثورة، وفى اليوم الثانى والعشرين من فبراير 1920 قام عبد القادر بتنفيذ العملية متنكراً فى ملابس عامل، وجاء زميل له وسلمه القنبلة لكن بعد أن رمى القنبلة لم يمت الوزير وهرب شحاتة، و تمكنت القوات من القبض عليه واعترف بأنه كان ينوى قتل الوزير لقبوله الوزارة، وعندما أراد المحقق أن يعرف أين كان يبيت قبل محاولة الاغتيال، فوجئ برسالة تصله من التنظيم السرى تخبره بأن دولت فهمى ستأتى وتشهد بأنه كان يبيت فى بيتها ويجب عليه أن يعترف بنفس الشىء بالرغم من خطورة هذه الشهادة على سمعة دولت الا أنها قبلت تلك التضحية.

يقول شحاتة فى مذكراته أن النائب العام أصدر قراراً فورياً بالقبض على دولت وعندما دخلت عليهم أقبلت على شحاتة وقبلته وأعلنت أنه كان يبيت فى بيتها وأنهما كانا يتكتمان هذا الأمر خوفاً على سمعتها. والحقيقة أن دولت لم تكن قد رأت شحاتة قبل يوم الاغتيال، لكنها مع ذلك رفضت تغيير أقوالها حتى بعد أن هددها الانجليز بوسائل مختلفة.

خرج شحاتة من سجن طرة عام 1924 بعد أربع سنوات وبعد خروجه، بحث عن دولت فى كل مكان وسأل عنها زعماء التنظيم السرى وكان يشعر بأنه كان يحبها بعد موقفها معه ويجب أن يتزوجها. وفى النهاية علم أن أهلها قتلوها عندما سمعوا باعترافها بأن رجلا كان يبيت عندها ولم يعلموا أن ابنتهم بريئة لكنها قامت بتضحية من أجل وطنها.

والحق أن دولت كان من الممكن ألا تلقى هذا المصير، اذا لم يخبر كاتب التحقيق فى النيابة الذى كان من نفس قرية أهلها. وذهب الى اهلها وأبلغهم باعتراف شقيقتهم دولت فهمى أنها كانت عشيقة للطالب عبد القادر شحاتة، وأنه كا يبيت كل ليلة فى بيتها .

ولم يصدق أشقاء دولت هذه الفضيحة، كانوا يعتقدون أنها قديسة فكيف يصدقون أنها أقدمت على هذا الفعل المشين؟! وسافر وفد من القرية الى القاهرة وذهبوا الى النيابة العامة فى باب الخلق وأطلعهم ابن بلدهم كاتب التحقيق على أوراق التحقيق واعترافات دولت فهمى وامضائها على أوراق التحقيق وصاح الأشقاء فى صوت واحد: هذا بالضبط إمضاؤها !

وخرجوا من النيابة العامة الى مدرسة الهلال الأحمر وقابلوها مرحبين باشين ثم طلبوا منها أن تصحبهم الى المنيا ليعزوا فى خالتها التى داسها قطار سكة حديد خاصة أن اليوم التالى كان يوم جمعة والمدرسة فى اجازة ورحبت دولت بالفكرة وسافرت معهم فى قطار الصعيد الذى يتحرك فى الليل من محطة القاهرة، وعندما وصل القطار الى محطة المنيا ركبوا عربة الى القرية ثم اقترحوا على دولت أن يذهبوا مباشرة الى قبر خالتهم.

وقف أفراد الأسرة بخشوع أمام القبر، دولت أمامهم وهم يقفون خلفها، وفجأة انقضوا عليها بالخناجر والسكاكين وذبحوها...

وعادوا الى بيوتهم سعداء وقد شعروا بأنهم غسلوا عارهم.. ولم يتصوروا أنهم قتلوا قديسة نبيلة شريفة ضحت بنفسها من أجل الآخرين.

وتقول السيدة إنعام محمد على مخرجة الروائع:

" وقع اختيارى على قصة مصطفى أمين «دولت هانم التى لا يعرفها أحد» كى تكون فيلماً تليفزيونياً لهذه الشخصية النسائية التى أغفلها التاريخ، كما أننى كنت أريد أن أقوم بعمل عن ثورة 1919 لأن أحداً لم يتناولها بأعمال فنية، خاصة أن صاحب القصة الكاتب مصطفى أمين عاصر ثورة 1919. وبمجرد انتهائى من قراءة القصة قررت أن أحولها الى فيلم تليفزيونى ووجدت لدى ميولا قوية لإعداد أعمال وطنية، فطلبت من السينارست أ.عصام الجمبلاطى أن يعدها لتصبح عملاً فنياً للتليفزيون المصرى. ووقع الاختيار على الفنانة القديرة سوسن بدر وهى تتمتع بوجه مصرى خرج من تمثال فرعونى لامرأة فرعونية «نفرتيتى» وكان ممدوح عبد العليم هو البطل أمامها...".

فيديو للسهرة الدرامية " دولت فهمى التى لم يعرفها أحد" :