سيف الدين قطز ( سيرته ومقتله)

قائد عظيم من قواد الإسلام قد تمكن من إعادة الأمة الإسلامية إلى مكانتها التى فقدتها على أيدى المغول، وذلك بما قام به فى قيادته لجيش المسلمين فى موقعة عين جالوت. وكما كانت حياته زاخرة بالأحداث فقد اختلف المؤرخون كذلك فى روايات مقتله وفى ضلوع صديقه بيبرس فى ذلك، فإلى سيرته....

سيف الدين قطز ( سيرته ومقتله)

سيف الدين قطز ( سيرته ومقتله)

نشأته:

ولد في سمرقند عام 1221م، وإسمه الحقيقي محمود بن ممدود، وقد ولد أميرا فأبيه هو الأمير ممدود إبن عم سلطان الدولة الخوارزمية جلال الدين الخوارزمي وزوج أخته، ولكن حياة الإمارة إنتهت بسقوط الدولة الخوارزمية بيد التتار، فتم خطفه وبيعه كمملوك، ومن وقتها أصبح لقبه قطز، وهو اسم أطلقه التتار عليه حيث قاومهم بشراسة خلال اختطافه وبيعه، ومعنى قطز باللغة المغولية (الكلب الشرس)

تم بيعه في أسواق دمشق، وبدأ حياته خادما إلى أن شراه أحد القادة وضمه إلى مماليك السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب الذي كان يكثر من شراء المماليك ويضمهم إلى جيشه ويربيهم على الولاء لجيشه وكان إسم الجيش "المماليك الصالحية" ، ولأن قطز من أصول ملكية في الدولة الخوارزمية وقد تعلم فيها فنون القتال، وشاهد المعارك والحروب التي دارت بين قومه وبين التتار المغول، فقد ساعده ذلك كله في ترقيته في صفوف المماليك الصالحية البحرية، وارتقى بسرعة حتى أصبح الساعد الأيمن لأمير الجند عز الدين أيبك.

في عام 1249م تعرضت مصر لحملة فرنجية بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا وتوفي السلطان الأيوبي نجم الدين أيوب أثناء احتلال الفرنجة لدمياط شمال مصر، وبدأ الفرنجة بالزحف نحو القاهرة، إلا أن قوات المماليك استطاعت إلحاق الهزيمة بهم عند مدينة المنصورة ثم فارسكور وآلت الحملة إلى الفشل، وأُسِر الملك لويس التاسع وانتهت برحيل الصليبيين عن مصر، وزاد نفوذ سيف الدين قطز نتيجة الشجاعة والبسالة التي أبداها في المعارك.

وفي عام 1250م قتل السلطان الأيوبي توران شاه بن نجم الدين أيوب على يد المماليك، وتولت شجرة الدر زوجة نجم الدين أيوب الحكم، ولكن الخليفة العباسي المستعصم بالله رفض توليها لأنها إمرأة، وكتب الخليفة العباسي المستعصم بالله إلى مصر : . " إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً"

فتزوجت شجر الدر من عز الدين أيبك وأصبح السلطان المعز عز الدين أيبك هو السلطان، وكان قطز هو ساعده اليمين وأقرب القادة له، ولكي يضمن السلطان أيبك السيطرة قام بتأسيس جيش مملوكي جديد هو "المماليك المعزية"، وبدأ بإضطهاد " المماليك الصالحية" فقتل فارس الدين أقطاي وهرب بيبرس وقلاوون، وكان قطز هو المشرف على عملية الإضطهاد.

وفي عام 1257م قتل عز الدين أيبك على يد زوجته شجرة الدر، وتولى الحكم السلطان علي بن أيبك وكان طفل، وانشغل قطز بصراعات المماليك الداخلية وصد الأيوبيين القادمين من الشام، كل هذا على الرغم من  إزدياد الخطر المغولي بسقوط بغداد عام 1258م وإستشهاد الخليفة العباسي المستعصم بالله

ومع عزم المغول على إحتلال مصر قام قطز بخلع السلطان علي بن أيبك بسبب طيشه وضعفه وتحكم أمه والقادة به، وأصبح قطز هو السلطان في نوفمبر 1259م.

معركة عين جالوت:

في ظل تقدم المغول وإنتصارهم على كل ما هو أمامهم، بدأ السلطان سيف الدين قطز بالإستعداد لمواجهتهم، فراسل المماليك الصالحية للقدوم لمصر ومصالحتهم فعاد بيبرس وقلاوون إلى مصر، وبهذا أصبح جيش المماليك كبيرا بتوحد المماليك المعزية والصالحية، وفرض ضرائب لدعم الجيش بعد أن أخذ فتوة من الشيخ العز بن عبد السلام، وقام بمصالحة إمارة عكا الفرنجية كي يجعلهم على الحياد.

وقبل المعركة إقترح أغلب قادة المماليك أن ينتظروا جيش المغول إلى أن يصل لمصر، ولكن قطز خالفهم وأمر بالذهاب إلى فلسطين، وكانت المعركة في سهل عين جالوت شمال فلسطين في 1260/09/03م، وقد تم خداع كتبغا قائد جيش المغول بأن ظهر أمامه عدد قليل من جيش المماليك بقيادة بيبرس، فظن كتبغا أنه كامل الجيش فهاجمه، وبعد أن وقع في الفخ، إنقض عليهم باقي جيش المماليك الذي كان مختفي خلف التلال، وحاصروا المغول من كل الجهات، ولكن المغول واجهوهم بقوة ، وتأزم الموقف عند المماليك، عندها رمى قطز خوذته وأخذ يصرخ «واإسلاماه... واإسلاماه»، واحتدم القتال في سهل عين جالوت، وكان فيه أن صوّب أحد التتار سهمه نحو قطز، فأخطأه وأصاب فرسه وقتل الفرس، واستمر القتال وقطز في أرض المعركة يقاتل، وبدأت الكفة تميل لصالح المماليك، وارتد الضغط على التتار، وتقدم أمير من أمراء المماليك واسمه جمال الدين آقوش الشمسي واخترق صفوف التتار حتى وصل لكتبغا، ودار بينها قتال فتمكن آقوش من كتبغا وقتله، وبهذا إنتصر المماليك...

مقتل قطز:

قال العديد من المؤرخين، أن مقتل"قطز" كان على يد القائد المملوكى ركن الدين بيبرس، إلا ان الرواية لم تكن واحدة فيما يدور حول السبب الذى دفع "بيبرس" للإقدام على فعلته، فقد اختلفت الروايات التاريخية حول الدوافع التى جعلت الظاهر بيبرس يقدم على مقتل سيف الدين قطز على يد بيبرس منها:

-   هروب بعض المماليك البحرية أصدقاء بيبرس من أرض المعركة أمام المغول فى يوم "عين جالوت"، فلما انتهت المعركة، "وانتصـر الإسلام، تنمّر عليهم السلطان المظفر قطز ووبّخهم، وشتمهم، وتوعّدهم، فأضمروا له السوء، وحصلت الوحشة منذ ذلك اليوم، ولم تزل الأحقاد والضغائن تتراءى فى صفحات الوجوه وغمزات العيون، وكل منهم يترقب من صاحبه الفرصة....

-   قد كان قطز ضالعًا فى مقتل الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب أحد كبار الأمراء المماليك الصالحية أثناء التنافس المحموم بين السلطان أيبك وأقطاى على السلطنة، وقد اشترك قطز فى تلك الوقعة، وذلك أنه [أى قطز] رحل من دمشق عائدًا إلى الديار المصرية وفى نفوس البحرية منه ومن أستاذه ما فيها لقتلهما الفارس أقطاي، واستبدادهما بالملك وإلجائهم إلى الهرب والهجاج، والتنقل فى الفجاج، إلى غير ذلك من أنواع الهوان التى قاسوها، والمشقات التى لبسوها، وإنما انحازوا إليه لما تعذر عليهم المقام بالشام، والتناصر على صيانة الإسلام لا لأنهم أخلصوا له الولاء، أو رضوا له الاستيلاء....

-   رفض قطز إعطاء ولاية حلب للأمير بيبرس فأضمرها فى نفسه، والحق أسباب مصرع السلطان سيف الدين قطز تبدو أكثر تشابكًا من رواية رفضه تسليم نيابة حلب للأمير بيبرس، وأن هذا الرفض لم يعدُ أن يكون سببًا مباشرًا لمقتله عند الحدود المصرية، والواقع أن تلك الأسباب قديمة ترجع إلى أيام السلطان أيبك وتشـريده معظم المماليك البحرية الصالحية، وقتله زعيمهم أقطاي، إذ صار مماليك أيبك وهم المعزية ومنهم قطز، أصحاب النفوذ والسلطان فى مصر....

وبينما كان قطز متواجد في رحلة صيد في منطقة الصالحية شمال فلسطين، أتاه مجموعة من المماليك واقتربوا منه وانحنوا لكي يقبلوا يده، وعندما مد قطز يده أخرجوا السيوف وقاموا بقتله في 1260/10/24 م  وبعد فقط أقل من 50 يوم من معركة عين جالوت.

وأصبح بيبرس البندقداري هو السلطان الجديد، وأما قبر قطز فيقال أنه في القرافة في القاهرة ويقال أنه في حمص في جوار قبر السلطان علي بن أيبك...

قام الكاتب الكبير على أحمد باكثير- وبوحى من هذه الأحداث- بتأليف رائعته الخالدة " وااسلاماه" التى تحولت إلى فيلم سينمائى وإلى مسلسل تليفزيونى حمل اسم " الفرسان"...

مشهد من مسلسل الفرسان: