سنوحى ( قصة فرعونية جميلة)

أهمية قصة سنوحى أنها تسرد لنا بأسلوب مميز الصراع الداخلى للإنسان والذى قد يأتيه فى لحظة بين حبه لأرض جديدة اضطرته ظروف ومقادير الحياة للعيش فيها وبين وطن الميلاد والآباء والتى اضطرته كذلك ظروف قاسية لمغادرتها، أى صراع موجود دائما بين حب وطن الغربة الذى يأوى فى لحظات الصعاب ووطن الميلاد الذى قد يطرد بنيه لسبب أو لآخر الذى يكون فى الأغلب سببا يتعلق بظروف الحاكم أو السياسة...

سنوحى ( قصة فرعونية جميلة)

سنوحى ( قصة فرعونية جميلة)

تعود قصة سنوحى إلى أوائل الأسرة (الثانية عشر) حوالى 2000 ق.م.، وسنوحى أو  ( سنوهى  Sinuhe) تعنى ابن الجميز، والجميز هى شجرة مقدسة عند المصريين القدماء، وتُعد قصة سنوحى من أحسن القصص عند المصريين القدماء؛ فقد أحبوها، وتناقلتها الأجيال عبر الزمن، وحظيت قصة سنوحى بإعجاب الأدباء العالميين المشهورين مثل كبلنج  (1865- 1936) الذى أعتبرها جديرة بأن توضع بين روائع الأدب العالمى، كما نجد الروائى الفنلندي ميكا والترى ((1908- 1979 يستمد شخصيته الخيالية فى روايته العالمية الشهيرة (المصرى The Egyptian) التى نشرت عام1945م من قصة سنوحى، ومن أشهر الكتاب العرب الذين تحدثوا عن سنوحى الأديب العالمى الحائز على جائزة نوبل (نجيب محفوظ) وذلك في قصته القصيرة (عودة سنوحى).

مختصر القصة:

نشأ سنوحى في قرية "أتيت أواى " التى كانت عاصمة لمصر في هذا الوقت، وكان أبوه طبيبا من أثرياء هذه المنطقة فى عصر الملك أمنمحات الأول. وتروى لنا أحداث القصة أن الملك أمنمحات الأول كان قد كبر فى السن، وبدأ الصراع الخفى بين أثنين من أبنائه على وراثة الحكم، حيث يحكى سنوحى فى مذكراته أنه سمع ذات ليلة أثناء سيره فى الطريق، حديثًا خافتًا بين رجلين، استشعر من خلاله أنهما يدبران شيئًا خطيرًا، فاقترب وسمع حديثهما، وعرف أن أحدهما هو سنوسرت الأول ( أحد أبناء الملك أمنمحات)، وفهم أنهما يرتبان خطة لقتل الملك.  أعتقد سنوحى أن أحد الرجلين قد لاحظ وجوده وسماعه لحديثهما، مما أثار مخاوفه وأضطره للفرار مسرعًا وهو فى حيرة وصراع بين أمرين أحدهما أن يبلغ الملك لينقذه مما قد يعرضه لخطر الإنتقام من ابن الملك، والآخر أن يهرب بما عرفه من سر خطير ليحافظ على حياته. وفى النهاية يقرر الفرار بعد أن حمل معه بعض أدواته الطبية التى كان يستعملها وهو يعمل مع أبوه الطبيب.

ويصف سنوحى رحلة هروبه، وسفره من مكان إلى مكان حتى أصابه الظمأ، وسقط مغشيًا عليه وظن أنه سيموت إلا أنه سمع صوت الماشية ورأى بدوًا وقد تعطف عليه شخص منهم ، وقدم إليه ماء، وأخذه إلى قبيلته التى عاملت سنوحى معاملة حسنة لينتقل سنوحى بعد ذلك من بلد إلى آخر حتى مكث فى رتنو العليا (فلسطين) فى وسط بلاد الشام ويتزوج هناك وينجب الأبناء ولأنه كان طبيبا حاذقا ونبيلا ويعالج الفقراء، فقد ذاع  صيته بكنية "سنوحى المصرى"، فطلبه ملك بلاد رتنو حينما كان مريض، وتمكن من علاجه فأحبه الملك وجعله طبيبه الخاص المقرب منه، ومستشاره ........

وقد كانت علاقة ملك رتنو بملك مصر سيئة للغاية، وكان يعد جيشه لهجوم كبير ضد مصر، وتمكن من تجهيز الجيش بسيوف معدنية، وكانت السيوف آنذاك تصنع من الخشب، حيث اعتبروا هذا السيف المعدنى تطورًا وتقدمًا نوعيًا سيضمن لهم النصر على الجيش المصرى الذي يمتلك أسلحة تقليدية خشبية ، وتمكن سنوحى من الحصول على واحد من هذه السيوف، وأرسل لملك مصر رسالة يطلب منه فيها أن يقابله لأمر هام .

 يعود سنوحى إلى مصر ومعه السلاح الجديد، فيأمر الملك سنوسرت الأول بتسليح الجيش المصرى بنفس السلاح، وتأتى الحرب، ويتمكن الجيش المصرى من صد الغارة وملاحقة جيش العدو لخارج الحدود المصرية .

يشكر الملك سنوسرت الأول سنوحى على ما قدمه من خدمة لمصر وله، ويطلب منه أن يطلب أى شىء لمكافأته ، فلا يطلب سنوحى سوى الأمان ليقص عليه حكاية هروبه من مصر و يناشده السماح له بالإقامة الدائمة هو وأسرته فى مصر، ويستجيب الملك لطلبه ويعينه كذلك طبيبه الخاص حتى وفاته.

ويكتشف من الأحداث ومن سنوسرت الأول خطأ ظنه بأنه كانت تتم مؤامرة لقتل الملك أمنمحات الأول وأنه قد توهم فى إعتقاده بوجود مؤامرة، وأنه هرب لمجرد ظن...

تصف قصة سنوحى عدم نسيانه لوطن الميلاد مصر رغم ماتمتع به من مكانة إجتماعية وسياسية فى مجتمع غربته، فعندما شاءت الأقدار أن يجمع بين وجد الغربة وألم فراق الحبيب إذ توفيت زوجته بسبب مرض سريع ألم بها، فنراه يكتب مخاطبا رب الكون:

إلهى كن رحيما بى ، أعدنى ثانية إلى بلادى، وربما تسمح لى أن أرى المكان الذى يسكن فيه قلبى، والأمر الذى أهم من كل ذلك أن تدفن جثتى فى الأرض التى ولدت فيها، إلهى ساعدنى، كن رحيما  بمن تم إجباره على أن يعيش خارج بلاده، إلهى ردنى إلى مكانى وبيتى الذى خرجت منه....