رواية البؤساء

رواية البؤساء للكاتب العالمى الفرنسى فيكتور هيجو هى أحد عيون الأدب الفرنسى والعالمى، ويتم تدريسها إلى الآن فى الأكاديميات العلمية لما تتمتع به من رؤية فلسفية إجتماعية وكذا لأنها تؤرخ لفترة هامة فى التاريخ الفرنسى وهى الفترة التالية للثورة الفرنسية والتى مرت بفترات من الصعود والهبوط ومن الرضا الشعبى والسخط عليها كذلك. ووسط هذه التموجات كانت تلك الرواية التى هدف منها هيجو إلى بيان الفارق بين تنفيذ القانون المجرد وبين الإستماع إلى نداء روح القانون فالأولى هى التطبيق بلا قلب أو عقل والثانية قد تكون هى البداية للتهذيب وخلق الشخصية السوية المفيدة لمجتمعها، ورواية البؤساء هدفت لبيان أنه ليس كل ثرى هو إقطاعى لا يفكر سوى فى ملذاته بل منهم من يؤثرون بالإيجاب على مجتمعاتهم، وكذا ليس كل فقير هو إشتراكى محب لمجتمعه بل منهم اللصوص الذين لا قلب لهم والذين ينافقون ويظهرون عكس حقائقهم.... رواية البؤساء هى صيحة للمجتمعات التى ترى أن التخلى عن الدين هو ضرورة من ضرورات التقدم، بل هو يرى أن الدين فى أحد أهم أولوياته هو بناء القلب السليم الذى بدوره ومع إتخاذ أسباب العلم والعمل سيتم بناء مجتمع مثالى، وهو يرى فى روايته أن الدولة قبل أن تعاقب مواطنيها على إرتكاب الجرائم عليها أن تبدأ بنفسها بأن تكشف هى ماذا قدمت للمواطن حتى يسلك الطريق القويم....

رواية البؤساء

رواية البؤساء

فى عام 1796 ميلادية، سرق المواطن جون فالجان رغيف خبز من أحد المحال وتم ضبطه فتم الحكم عليه بقسوة بالسجن لخمس سنوات ولكنه كان كثير محاولات الفرار من السجن مما تسبب فى زيادة مدة سجنه من خمس أعوام لتصل إلى تسعة عشر عام ليخرج فى عام 1815 وعمره قد تجاوز الأربعون...

تسعة عشر عاما ثمنا لرغيف خبز وهو ثمن جد باهظ دعاه إلى النقم على ذلك المجتمع الإنسانى الذى دفعه للسرقة وفى ذات الوقت يعاقبه عليها هكذا...

لم يسأله ذلك المجتمع عن سبب سرقته وهو سوء أحوال معيشته والتى كان يعيش مثلها المجتمع الفرنسى كله، وهو الذى كان مسئولا عن نفسه و أخته وأبنائها الستة بعد وفاة أبيه وأمه وزوج أخته، فقد كان يرى أبناء أخته يتضورون جوعا مما دفعه فى لحظة يأس إلى إقتراف جريمته....

وقد ظن بعد الخروج من السجن أنه قد سدد من زهرة شباب عمره ثمن ما قد ارتكب ولكنه فوجئ بأن تاريخ سابقة سجنه يسبقه فقد لفظه الناس وأصحاب الأعمال ولا يكتفون برفضه أن يعمل لديهم على الرغم من قوة هيئته البدنية، بل إنهم يردونه بالسباب والشتم والطرد المهين...

قام أحد الأشخاص بإرشاده إلى منزل قس طيب يعيش مع أخته وخادمة كى يبيت عنده ويساعده، وبالفعل استقبله شارل فرانسوا ميريل ( أسقف مدينة دينى) وأكرم وفادته ولكنه كان قد وصل إلى مرحلة الكراهية الشديدة لمجتمعه وهى الكراهية التى أصبحت فى أثناء وجوده فى منزل القس لا تفرق بين المحسن له والمسئ تجاهه، وعلى إثر ذلك يقوم بسرقة أوانى من الفضة الخالصة موجودة فى منزل القس وبمجرد هروبه فجرا من منزل القس حاملا هذه الأوانى حتى تم إستيقافه من رجال الشرطة وتفتيشه والتى تفاجئت بأنه يحمل أوانى غالية الثمن من الفضة لا تتناسب بحال مع هيئته الرثة التى كان عليها فزعم لهم كاذبا بأنه قد حصل عليها كهدية من القس ولم يصدقه رجال الشرطة وذهبوا به إلى القس للتحقق من كلامه وهنا كانت اللحظة التى انسلخ فيها جون فالجان من كراهية المجتمع إلى الإيمان بأنه كما تواجد السيئون البخلاء غلاظ القلب يتواجد كذلك من يفعلون الخير دائما ولا ينتظرون مقابل....

أكد لهم القس فى حنو بالغ أدهش فالجان نفسه  أنه بالفعل منح تلك الأوانى لفالجان وليس ذلك فحسب بل زعم لهم أنه قد نسى أخذ شمعدانان من  الفضة الخالصة كذلك وأعطاهما فالجان وطلب منه أن يفعل فى حياته دائما ما فيه خير لنفسه وراحة لضميره....

نجحت لحظة عطف وجملة مؤثرة فى أن تحيل إنسان من النقيض إلى النقيض، أن تحوله من جون فالجان إلى الأب مادلين كما سيتقدم، نجح ذلك الفعل العطوف فيما لم تنجح فيه تسعة عشر عام ظنها المجتمع تهذيب وإصلاح أى نجح روح القانون فيما فشل فيه تنفيذ القانون.....

يهبط فالجان على قرية مونتريل سرمير وكله أمل فى أن يبدأ حياة جديدة يتحلى فيها بالشرف وألا يكون لماضيه أثر فيها، ويتصادف بعد مجيئه فيها بفترة وجيزة أن يحدث فى القرية حريق ضخم فيقوم بمساعدة الأهالى فى إطفائها وأفادته قوته الجسمانية فى أن يظهر براعة وشجاعة فى إنقاذ طفلين هما ابنا قائد الشرطة فى القرية ليحمد بدوره صنيع فالجان فلم يبالى بسؤاله عن هويته أو خلافه، ويستغل فالجان المودة والترحاب اللتان قابلهما من أهالى القرية وقائد شرطتها فيمكث فى القرية ويتخذ اسما مستعارا هو مادلين واستعان بثمن بيع الصحاف وأوانى الفضة فى شراء مصنع مهجور فى القرية ليجعل منه نواة لبدء مشروع صناعى تجارى فى القرية ساعد فى تشغيل بعض من شبابها وفتياتها ومع مرور الأيام زادت تجارته وأمواله وأصبح ذو شأن فى القرية ويهابه ويحبه الجميع لسخائه وكرمه مع الناس مما دفعهم للإلحاح عليه أن يقبل بأن يكون عمدة قريتهم وقد ظل مترددا فى الموافقة ولكنه وافق فى النهاية...

وفى أحد الأيام وبينما هو يسير في طرق المدينة شاهد رجلاً محصورا تحت عجلات العربة، وحينما لم يتطوع أحد لإنقاذه يقرر أن ينقذه بنفسه فيستلقى بنفسه تحت العربة ويرفعها لينقذ بذلك الرجل. ضابط شرطة فى المدينة وهو المفتش جافيير يلاحظ ذلك ، وقد كان حارساً في سجن طولون وقت احتجاز جان فالجان، مما دعاه للشك  فى العمدة بعد أن شاهد قوته في رفع العربة إذ قد كان يعرف شخصاً واحداً بهذه القوة، مجرماً اسمه جان فالجان.

والمفتش جافيير فى رواية البؤساء هو المثال الحى لذلك الشخص النمطى الذى ينفذ التعليمات دون تمييز أو روية وهو يرى أنه لا مجال للشفقة مع متهم أو محكوم وأن أى شخص يكون موضع شبهة هو متهم حتى تثبت براءته أى بإختصار هو النموذج المريض فى المجتمع الفرنسى والمغاير تماما لنموذج القس فرانسوا ميريل....

قبل ستة أعوام، كانت توجد فتاة تدعى فانتين تحب فتى مستهتر ومن عائلة ثرية فى باريس وأقامت معه علاقة آثمة نتج عنها طفلة أنجبتها وحدها وأسمتها كوزيت وظلت تراسل الفتى الذى أحبته حتى يتزوجها ولكنه غدر بها ولم يجب طلبها...

كانت فقيرة ومضطرة إلى العمل حتى تنفق على نفسها وطفلتها وفى ذات الوقت لن يقبل أحد تشغيلها وهى معها طفلة ما تزال فى الثالثة من عمرها ولذلك التجأت لعائلة صاحبة نزل أو فندق صغير متواضع فى قرية مونفيرماى وهى عائلة تيناردييه كى يقومون برعاية ابنتها نظير مبلغ شهرى ترسله لهم وعائلة تيناردييه تلك مكونة من أب وأم وطفلتين فى عمر ابنتها تقريبا وقد كانت تظن فيهم الرحمة ولكنها كانت مخطئة....

اتجهت للقرية التى أصبح مادلين عمدتها واشتغلت فى مصنعه وكانت ترسل كل شهر المبلغ المتفق عليه مع تيناردييه ولكنهم كانوا سيئين فكل فترة يزعمون الإحتياج للمزيد لزيادة تكاليف المعيشة وخلافه، وكان مرتبها لا يكفيها وأصيبت بالمرض وحدث أن تم فصلها من العمل دون علم مادلين وتبدأ صحتها فى التدهور بسبب السل وتشاء الظروف أن تواجه مادلين وتعتبره من أشرار العالم الذين ساهموا فى بؤسها بالرغم من عدم علمه بشئ ويفهم منها سبب بؤسها وأن لها ابنة وترعاها فيتعاطف معها ويعدها وهى تموت أنه سيكون بمثابة الأب لإبنتها كوزيت....

لقد رأى مادلين فيما يجرى لفانتين وابنتها بؤسا شبيها لما عاناه هو وأخته وأولادها، وبالفعل يفى مادلين بوعده ويذهب لعائلة تيناردييه ولكنه يفاجأ بأن كوزيت تلقى معاملة سيئة من هذه العائلة وأن الأم لا تعامل كوزيت بمعاملة مساوية لما تعامله لإبنتيها، ويقر قراره على أخذ الفتاة من هذه العائلة التى كانت تعاملها كالخادمة وكانت تبلغ حينئذ الثامنة من عمرها...

يحدث فى سياق الرواية أنه بسبب شكوك المفتش جافيير فيه ووجود جريمة تكون صفات المتهم فيها شبيهة به أن يتم إتهامه هو ، ولكنه يستطع الهرب ويظل طريدا من العدالة ويعاود تربية الفتاة كوزيت وتعتبره أباها...

ثم تأتى تداخلات أخرى عندما تكبر الفتاة وتحب شابا ويأتى صراع نفسى داخلى  عند فالجان أو مادلين خشية أن تعرف كوزيت نشأتها وحقيقتها كابنة غير شرعية  لفانتين أو تظل معه أو تعرف حقيقته هو نفسه عندما كان سجينا فى شبابه فيسقط من ناظريها...

فى أثناء الرواية يتم إلقاء الضوء على المتغيرات فى المجتمع الفرنسى فقد رمز فى عائلة تيناردييه لهذه الطبقة الأقل من متوسطة أو فقيرة والتى لا تبالى بالإبتزاز والنفاق والكذب والبلطجة والتى قد تعاون الشرطة للوشاية بالثوار الذين يهدفون فى ثورتهم لرفعة أمثالهم!!!

رواية البؤساء رواية جميلة أدعو إلى قراءتها وقد حاولت فى هذا المقال إلقاء الضوء عليها حتى أدفع القارئ لقراءتها كاملة باذن الله....

الفيديو: