رحلوا فى ريعان الشباب ( 2)

كما اكتسبوا شهرتهم مبكرا إلا أن مشيئة الله أرادت كذلك أن يرحلوا عن عالمنا مبكرا تاركين محبيهم فى صدمة من رحيلهم المفاجئ، وبعضهم كان مايزال يشق خطوات نجومية رائعة كانوا للتو قد بدءوا فيها وهذا المقال يلقى الضوء على بعض منهم، فمنهم من توفى فى الثلاثينات من عمره وبدء الأربعينات وكثير منهم للأسف قد توفى دون أن تكون له عائلة، فلندعو لهم بالرحمة والمغفرة....

رحلوا فى ريعان الشباب ( 2)

 رحلوا فى ريعان الشباب ( 2)

عبد الله محمود: (1959- 2005)

 هو ممثل مصري، ولد في عام 1959 في العاصمة المصرية القاهرة. بعد تخرجه من معهد التعاون الزراعي، إلتحق عبد الله محمود بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وبدأ مسيرته الفنية من خلال مسلسل (البوسطجي) الذي أهله للمشاركة في عدد كبير من المسلسلات التليفزيونية، منها: عصفور النار، أبواب المدينة، الأبرياء. أما في السينما فقد قدمه المخرج الراحل يوسف شاهين من خلال فيلمه الهام (اسكندرية، ليه؟) وشارك بعدها في العديد من الأفلام الهامة، منها: سواق الأوتوبيس، الطوق والأسورة، طالع النخل، المواطن مصري. اتجه عبد الله محمود في أواخر حياته إلى مجال اﻹنتاج، حيث أنتج فيلم (واحد كابوتشينو) الذي يعد أول بطولة مطلقة له، لكنه توفى في عام 2005 قبل عرض الفيلم في دور العرض من جراء مضاعفات مرض السرطان.

فى بدايات مرضه ظهر إعلاميا وشارك في عرض خاص لأحد الأفلام ، كما شارك في تشييع جثمان الفنان أحمد زكي، وحتى عندما دخل الفنان سعيد صالح نفس المستشفى حرص على زيارته، لكن تدهورت الأمور سريعا بعد ذلك.

فى معهد ناصر بالقاهرة، وبعد أن تدهورت حالته فى الأيام الأخيرة أوقف الأطباء الجرعات الكيماوية واكتفوا بالمسكنات بعدما قرروا خروجه من غرفة العناية المركزة وبقاءه في غرفته.فلم يعد لوجوده في العناية المركزة ضرورة، فقد تمكن المرض منه، ولم يعد للعلاج فائدة وتأثر نظره بسبب الورم الخبيث الموجود في المخ وانقطعت صلته بالدنيا ووافته المنية في 9 يونيو العام 2005.

اقتحام عبد الله محمود عالم الفن جاء بالصدفة، إذ كان صديقا للفنان محسن محيي الدين الذى بدأ يأخذ بعض الخطوات الجادة فى التمثيل ، وكان يذهب معه أثناء التصوير، وعندها أحب عبد الله محمود هذا المجال، وعرض على والدته الفكرة فشجعته بشدة على خوض التجربة....

وعن مرحلة مرضه وإصابته بمرض سرطان الدماغ، قالت زوجته: "عبدالله لم يكن يحب الذهاب للأطباء، وقبل اكتشاف مرضه كان يشعر بصداع دائم ولكنه كان يعتقد أن الأمر مجرد آلام في الأذن تعاوده كل فترة بسبب حادث تعرض له في طفولته تسبب في ثقب بطبلة الأذن". وتابعت: "ماكنش أبدا بيوافق يروح للدكتور، ولما كان يجيله صداع يقولى بس اعملي مساج في دماغى عشان بخف، وبمجرد ما يحس بتحسن يبقى خلاص، ولما لقيته بيكح كحة غريبة طلبت منه نروح للدكتور لكن رفض، وحدث أن وقع مغشيا عليه فى التصوير مما استلزم ذهابه إلى الطبيب لتكون نتيجة الفحوصات الطبية والأشعة المقطعية هى إصابته بسرطان من الدرجة الرابعة بحجم كبير....."

وأوضحت أنها رافقته في رحلة مرضه لمدة 6 أشهر، لمست خلالها حب الناس وأصدقائه من الفنانين، خاصة في مرحلة الانتقال من مستشفى المنيل لمعهد ناصر.

وأكدت زوجته أنه كان مستسلما لقضاء الله، وكان يقبل أي اقتراح نطرحه عليه وقتها، وخوفا على نفسيته بعد سقوط شعره من جلسات الكيماوي، اقترحت أن يحلق شعره مثل الممثل العالمي يول براينير.

ورحل النجم الكبير عبدالله محمود عن عالمنا في 9 يونيو 2005، عن عمر يناهز 46 عاما، بعدما ترك عدة أعمال لا تنسى أبرزها "المصير"، "عرق البلح"، "الطوق والأسورة"، "المواطن مصري"، وغيرها من الأعمال، وله ابن يعمل فى المجال الفنى هو الفنان أحمد عبد الله محمود والذى تزوج من فنانة سورية تدعى سارة نخلة ولكنه زواج لم ينجح وانتهى بالطلاق ومشاكل قضائية كبيرة.

أحمد عبد الله محمود وزوجته سارة نخلة

هالة فؤاد: ( 1958- 1993)

هى صاحبة الوجه الملائكي والابتسامة العذبة والتى استطاعت أن تترك بصمة في الأعمال التي قدمتها وبقصة حياتها المليئة بالدراما والحب والشجن والمرض...

في 26 مارس عام 1958 ولدت هالة أحمد فؤاد في مدينة القاهرة، وعندما بلغت العامين بدأ والدها المخرج أحمد فؤاد يشركها في بعض الأدوار الصغيرة في أفلام، منها "العاشقة" و"إجازة بالعافية" و"رجال في المصيدة"، فأحبت الفن منذ صغرها، لكنها حرصت على استكمال دراستها، فحصلت على بكالوريوس من كلية التجارة عام 1979.

بعد أن قدمت أدواراً صغيرة فى أفلام، منها "البنت اللي قالت لأ" و"عاصفة من الدموع"، حصلت هالة فؤاد بعدها على البداية الحقيقية والبطولة من خلال فيلم "مين يجنن مين" والذي شاركت في بطولته إلى جانب ​محمود ياسين​ وحسين فهمي، وبعدها قدمت "سجن بلا قضبان" و"الأوباش" و"الحدق يفهم" و"عشماوي" و"السادة الرجال" و"المليونيرة الحافية" و"شقاوة في السبعين" و"حارة الجوهري"، ونظراً لما تمتعت به من خفة دم، تأهلت لتشارك في بطولة فوازير "المناسبات" مع ​يحيى الفخراني​ و​صابرين​ عام 1988، وقدّمت هالة فؤاد أيضاً العديد من المسلسلات منها "الرجل الذي فقد ذاكرته مرتين"، وهو العمل الذي جمعها بأحمد زكي، و"الإنسان والمجهول" و"الحياة مرة أخرى" و"ثمن الخوف" و"رجال في المصيدة"، وكان آخر عمل قدمته فيلم "اللعب مع الشياطين" عام 1991 قبل أن تقرر الاعتزال.

عام 1981 وأثناء تصوير مسلسل "الرجل الذي فقد ذاكرته مرتين"، بدأت قصة حب كبيرة بين هالة فؤاد وأحمد زكي والذي لم يحب إمرأة مثلها، وتزوجا عام 1983 فى زفاف أسطوري، وأنجبا إبنهما الوحيد ​هيثم أحمد زكي​، لكن زواجهما لم يستمر طويلًا إذ انفصلا بسبب انشغالها بالتمثيل، وأحمد زكي كان يرغب في أن تتفرغ للحياة الزوجية.

وبعد الإنفصال إلتقت هالة فؤاد بزوجها الثاني وهو الخبير السياحي عز الدين بركات، وأنجبت منه إبنها الثاني رامى، وبعد زواجها حاول أحمد زكي الانتحار، بعد أن علم بخبر زواجها للمرة الثانية لغيرته الشديدة عليها.

وكان أحمد زكي في لقاء صحفي قال إنها كانت نموذجاً هائلاً للزوجة الرائعة، ولكن لم تكتمل الحياة بينهما لحبها للفن، وبعد أن أنجبت هيثم قررت العودة للفن مرة أخرى، وهو ما كان يرفضه، فبدأت الخلافات بينهما، وأصبح أحمد زكي عصبياً وعنيداً معها لدرجة كبيرة، فلم تستطع التأقلم مع الأمر، فإتفقا على الإنفصال بعد عامين من الزواج، ولم ينكر زكي أنه عاملها بقسوة وظلم وقتها.

عام 1990 نجت هالة فؤاد من مضاعفات ولادة متعسرة  فى ابنها رامى بركات، وأصيبت بجلطات في قدمها وكانت على وشك الموت، ما جعلها تقرر الإعتزال وارتداء الحجاب والاتجاه للتقرب من الله، بعد أن شعرت بأن حياتها قصيرة، على الرغم من نجوميتها الكبيرة في تلك الفترة، وبعد مدة، فوجئت هالة فؤاد بإصابتها بمرض السرطان، فتم تشخيص حالتها بسرطان الثدي، وبدأت رحلة العلاج بين فرنسا والقاهرة، وبعد فترة عاودها المرض بشكل أشرس فقررت أن تواجهه بشجاعة.

وأثناء تواجدها في المستشفى لتلقي العلاج، فوجئت بوفاة والدها المخرج أحمد فؤاد، ما جعلها تدخل في غيبوبة متقطعة، ونُشر خبر وفاتها في الصحف مرتين، وفي أول مرة تم تكذيب الخبر.

في العاشر من مايو عام 1993 توفيت هالة فؤاد بعد صراع مع المرض، وهي في عمر الـ35 عاماً، وكانت قد إبتعدت قبل فترة عن الأضواء وإكتفت بالعبادة فقط والتقرب من الله، حتى أنها كانت في المستشفى تدعو الممرضات والأطباء للتقرب من الله، إلى أن لفظت أنفاسها الأخيرة.

وكان الماكيير محمد عشوب قال في لقاء تلفزيوني إن أحمد زكي حاول الإنتحار، بعد أن علم بخبر وفاتها، عندما كان يقوم بالتصوير فوق أحد الأسوار، وحاول الإنتحار فمنعه المنتج السبكي، فظل زكى يردد وبشكل هستيري "أنا اللي قتلتها أنا اللي موتها" .

هيثم أحمد زكى: ((4 أبريل 1984 - 7 نوفمبر 2019)

وهو ابن الممثل أحمد زكي والممثلة هالة فؤاد، ولد في مدينة القاهرة التى عاش فيها وحيدا ومات فيها وحيدا أيضا، إذ بعد وفاة والدته ( هالة فؤاد) عام 1993 فقد تولت جدته لأمه رعايته، إلا أنها رحلت كذلك، وكان وقتها يبلغ من العمر 14 عاماً، لتنتقل مسؤوليته إلى خاله هشام فؤاد. غير أن الأمر لم يدم سوى عامين إذ توفى خاله عندما كان هيثم فى السادسة عشرة من عمره لينتقل للعيش مع والده ( الفنان أحمد زكى)،  الذى ظل معه لـ5 سنوات ثم رحل ليترك هيثم وهو في الـ21 من عمره ومنذ ذلك الوقت، ظل وحيداً، ولم يترك أي مناسبة تلفزيونية يتحدث فيها سوى ويشير إلى هذا الأمر ومدى الألم الذي يسببه له، وكونه القاسم المشترك بينه وبين والده الراحل الذي كان يشعر بالوحدة أيضاً. ومثلما بدأت رحلته الفنية مع المخرج شريف عرفة في فيلم "حليم"، انتهت أيضاً مع نفس المخرج الذي استعان به فى فيلم "الكنز".

 وقد بدأ هيثم مشواره الفني عام 2006 بالمصادفة، عندما استكمل ما تبقى من مشاهد فيلم حليم بعد رحيل والده بطل الفيلم أحمد زكي، ليقوم بالعام التالي ببطولة فيلم البلياتشو الذى لم يصادف النجاح المنشود له وتسبب فى إحباط ، مما جعله يؤثر التوقف عن العمل الفنى لثلاث سنوات قبل أن يعود عام 2010 من خلال مسلسل الجماعة، ليشارك بعدها في العديد من الأعمال ما بين السينما والتلفزيون مثل مسلسل دوران شبرا، الذي حصد بعده جائزة أفضل ممثل شاب في مصر،  وفى عام 2018 كان أحد أبطال مسلسل كلبش 2، وأشاد به النقاد حينئذ واختتمت مسيرته بفيلم الكنز 2.

 وقد تعرض هيثم لمحنة  إذ في يناير 2011 كان متهما بجريمة قتل لأنه كان يملك مسدساً ورثه عن والده، وقد تمت سرقة هذا المسدس منه في فترة ثورة يناير، ونفذت به جريمة قتل فى صعيد مصر فظل متخفيا حتى تم القبض على القاتل الحقيقى، وتبرئته من تهمة القتل.

توفي فى الساعات الأولى من صباح الخميس 7 نوفمبر 2019 إثر هبوط حاد فى الدورة الدموية عن عمر يناهز 35 عام.  وعُثر على جثته في منزله الكائن فى ضاحية الشيخ زايد بمحافظة الجيزة في مصر بعد تلقى بلاغا من خطيبته بأنه متغيب ولا يرد على الهاتف. و قام أصدقاء الراحل ببناء مسجد باسمه وهو (مسجد هيثم أحمد زكي).

ميرنا المهندس: (3 مايو 1976 - 5 أغسطس 2015)

اكتشفها الكاتب والمخرج حسين حلمي المهندس ولُقبت بـ"المهندس" نسبة له، بدأت بدخول العمل الفني في الإعلانات منذ أن كانت بسن صغيرة، كان أول عمل تلفزيوني لها هو ضمير أبلة حكمت من بطولة الفنانة فاتن حمامة في عام 1991 من خلال دور صغير، شاركت بعدها في العديد من الأعمال التليفزيونية أشهرها دورها في مسلسل ساكن قصادي عام 1995...

لكنها توقفت عن العمل الفني بعد إصابتها بمرض نادر في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، إلا أن حديث الراحلة عن مرضها صور للجمهور كم كانت قاسية هذه التجربة، وكشفت ميرنا عن كونها في مصر حصلت على تشخيص خاطئ لما تعانيه، بعدما قال الأطباء إنها تعاني "ديزونتاريا" وكانت تحصل يوميا على 12 قرصاً يحتوى على مادة الكورتيزون، كما كانت تحصل على 6 حبات كمضاد حيوي.

بعدها توجهت ميرنا إلى الولايات المتحدة الأميركية في رحلة للبحث عن علاج، وبالفعل أجرت جراحة استأصلت فيها نصف القولون، وفي جراحة أخرى بلندن استأصلت النصف المتبقي، وعاشت رحلة لتحارب المرض، ومشاهد  صعبة عاشتها ميرنا المهندس أثناء تجربة المرض التي مرت بها، بعدما كانت تتولى بنفسها تنظيف "المصران" الذي كان خارج جسمها بعد إجراء الجراحة، حيث وضع داخل كيس، وعلمها الأطباء طريقة تنظيفه بعدما كان الطعام يصل إليه أثناء تواجدها بالمستشفى.

كل هذا في ظل انقطاع عن الطعام وشعور حاد بالاكتئاب، فوصل وزنها إلى 35 كيلوغرام، لتتوجه بعدها إلى ألمانيا لكن الطبيب رفض إجراء جراحة لها، بعدما أكد أن نسبة نجاحها ستكون 1% فقط.

عادت ميرنا إلى مصر وهي مستسلمة للمرض وتنتظر الموت، وعلى الرغم مما قيل عن كونها تعاني السرطان، فقد أكدت أن المرض الذي أصيبت به كان أشد خطراً من السرطان، خاصة وأنه يعتمد على كون الإنسان حساس أم لا، وهو ما كانت تتمتع به بشكل كبير.

 تحدثت ميرنا عن تجربة الحجاب ورغبتها في الانغلاق على نفسها، وأن تذهب إلى مجتمع لا يتواجد به سوى الملائكة، ولكنها بعد هذه التجربة عادت مرة أخرى إلى المجتمع الأوضح والواقعي بالنسبة لها، خاصة وأنها تقبلت كل المساوئ التي به، واعتبرت أن تجربة الحجاب من أفضل مراحل حياتها...

انتهى صراعها مع المرض بوفاتها يوم الأربعاء 5 أغسطس 2015 عقب إجراء عملية جراحية بالمركز الطبى العالمى....

عماد عبد الحليم: ( 1960- 1995)

هو من مواليد 15 سبتمبر 1960، وهو عم المطربة أنغام، منحه العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ اسمه، نظرا لإعجابه بصوته، وله عدد من الأغاني الشهيرة، منها "مهما خدتني المدن"، "ليه حظي معاكي يا دنيا كدة"، ولد عماد الدين علي سليمان فليفل في بيت فني، فوالده هو الملحن علي سليمان أشهر ملحني الاسكندرية في ذلك الوقت، لم يكن عماد هو الابن الوحيد، بل كان له 9 أشقاء، أشهرهم الملحن المعروف محمد علي سليمان والد المطربة أنغام، لذلك وجد عماد الغناء يحيطه من كل جانب، وأذناه لا تسمع سوى ألحان وأغاني يرددها والده، ولا يرى بعينيه سوى ملحنين ومطربين في منزله، فتربى ونشأ على حب الموسيقى.

واستطاع أن يلفت الانتباه عندما كان يغنى في حفلات المدرسة، فأطلقوا عليه لقب " الطفل المعجزة"، وبدأ الطلب عليه من متعهدي الحفلات، فأصبح يشارك في الحفلات الآخرى بعيدا عن المدرسة، ووصل أجره إلى 30 قرشا في الحفلة الواحدة آنذاك.

ظل عماد يواصل دراسته بجانب الغناء، حتى لعب القدر لعبته الكبيرة في حياته وحدث ما لم يكن يتوقعه، فذات مرة جاء العندليب عبدالحليم حافظ لإحياء حفل له بالاسكندرية، فالتقاه متعهد الحفلات المعروف عياد الرشيدي وكان بصحبته عماد الذي لم يكن تجاوز وقتها 14 عاما، وقدمه للعندليب مؤكدا له أن هذا الطفل يمتلك صوتا جميلا وعاشق لأغانيه ولا يقوم بإحياء أي حفل دون أن يغني شيئا من أغنياته، فطلب عبدالحليم منه أن يسمعه صوته، فأعجب به، ولم يكتف بمجرد الثناء عليه، لكنه طلب أن يقابل والده، وبالفعل لبى والد عماد دعوة العندليب، الذي أثنى على موهبته ابنه وطالبه بضرورة الاهتمام به ولاقتناعه به سيشركه معه في الحفل الذي جاء لإحيائه، وبالفعل أدى عماد أغنية “يا صلاة الزين وأغنية حب الوطن” ونجحت الحفلة التي لم ينقطع فيها التصفيق للطفل المعجزة، وأمام النجاح الكبير الذي تحقق اقترح العندليب على والده أن يتبناه فنيا ويمنحه اسمه وسيصطحبه معه للحياة في القاهرة ولن يتركه حتى يصبح نجما كبيرا في سماء الطرب.

وانتقل عماد إلى القاهرة ومنذ ذلك الوقت أصبح اسمه عماد عبدالحليم، واستأجر له العندليب شقة في مدينة نصر بالقاهرة أقام فيها مع شقيقه محمد، وخصص له مصروفا شهريا وأشركه بعد ذلك في معظم حفلاته، وبخبرته الكبيرة رأى عبدالحليم ضرورة أن تكون هناك أغاني خاصة لعماد، وآن له أن يكتفي بتقديم أغنيات غيره، أخبر شقيقه بذلك، وما هي إلا شهور حتى كانت له أغنياته الخاصة، حيث لحن له حلمي بكر أغنية “الحب زي المعجزة” كما تغنى من ألحان شقيقه محمد علي سليمان بأغنية “خاف علي”، وقدمهما لأول مرة في حفل العندليب الأسمر بجامعة القاهرة.

كان عماد في ذلك الوقت يعيش مشاعر متضاربة بين النجاح والشهرة الكبيرة التي حققها في سن مبكرة وبين الخوف على العندليب الذي كان يرى فيه أبيه الروحي، حيث بدأ المرض ينال منه بشكل كبير، وفي سنة 1977 رحل العندليب تاركا ابنه بالتبني، كان ذلك بمثابة الصدمة الكبيرة في حياة عماد، وقتها شعر باليتم، وبأنه فقد الداعم والمساند له، أيضا القادر على حمايته من استغلال الآخرين، حاول شقيقه أن يعوضه فقدانه العندليب، خصوصا أن اسمه بات معروفا في عالم الملحنين ولديه خبرة بالوسط الفني فقدم له العديد من الألحان، لكنه سرعان ما تزوج وانشغل بحياته، ولم يهمله بل أكثر أوقات عماد كان يعيشها في بيت شقيقه، وهو ما كشفته المطربة أنغام عندما روت في أحد البرامج التلفزيونية بأن عمها عماد تربى علي يد والدتها فعاش معهم، ولأنه كان قريبا منها في السن، أصبح صديقها قبل أن يكون عمها لذلك كانت علاقتها به علاقة خاصة.

عاش عماد عبدالحليم محاصرا بالشائعات، بداية من شائعة أنه الابن غير الشرعي للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، خصوصا أنه يشبهه كثيرا، وقد نفى العندليب تلك الشائعة في أحد الحوارات الصحافية قائلا “ياريت عندي ابن زي عماد”، كما ربطته الشائعات بالراقصة والفنانة نجوى فؤاد، حيث تردد أنها تزوجته وهو ما نفته تماما، بل أقسمت بأن ذلك لم يحدث، وربما راجت هذه الشائعة بسبب ملازمتها له في معظم حفلاته واشتراطها أن تكون موجودة كراقصة فيها، كما نفى عماد ذلك أيضا حين وصلته هذه الشائعة، وحتى عندما حانت لحظة النهاية فى عام 1995 أصبح موته لغزا محيرا، حيث انطلقت شائعة تفيد بأنه توفي نتيجة تعاطيه جرعة مواد مخدرة “حقنة هيرويين”، حيث تردد أنه عندما عثر عليه ميتا في الشارع وجدوا بجواره حقنة، وهو ما نفته أسرته مؤكدة أنها كان يعاني من مرض بالقلب وأن الوفاة حدثت نتيجة هبوط حاد في القلب، رغم أن أسرته علمت بوفاته من خلال الصحافة والإعلام، وكانت أنغام حسبما أكدت فيما بعد، تقوم بإحياء إحدى حفلاتها الغنائية في تونس.

رحل عماد عبدالحليم الذي كان صوته مليئا بالشجن، ويغلفه الحزن، رحل تاركا خلفه أسرارا لم تكشف حتى اليوم رغم رحيله منذ ما يقرب من ربع قرن، رحل وقد تنبأ من قبل بحياته التي كانت أشبه بفيلم تراجيدي مليء بالأحزان عندما غنى “ليه حظي معاكي يا دنيا كده”.