داشرات مانجى ( عندما يدفعك الوفاء لقهر المستحيل)

إن كثير من قصص الحب تتشابه، فنرى المحب قد يقول الشعر فى محبوبته فيخلد ذلك الحب فى التاريخ بفضل تلك الأبيات من الشعر والأمثلة كثيرة ( عنترة بن شداد العبسى وعبلة/ قيس بن الملوح وليلى/ جميل وبثينة) ولكن إذا تأملنا مقدار تضحية الحبيب فسنجدها لا تزيد عن قرض بعض أبيات من الشعر مستغلا فى ذلك موهبته الشعرية وحسه المرهف وإتقانه للغة، ولكن أبدا لم يتجاوز ذلك الحب الحد الذى فيه بذل قوة عضلية أو أوقات كثيرة مهدرة من العمر، وحتى فى قصص وفاء الزوج لزوجته نجدها لا تتجاوز حد عدم الزواج بأخرى بعد وفاتها مثلا أو بناء ضريح فخم لتخليد ذكراها ( كضريح تاج محل) أو صدقة جارية على روحها لسنوات و يساعد الزوج فى الإقدام على تلك الأمور وفرة الثروة لديه، ولكن أن يبرهن زوج فقير على حبه ووفائه لزوجته التى توفت بضرب الفأس فى أحضان الجبل يوميا لمدة 22 عاما بلا كلل ولساعات طويلة بلا راتب أو أموال تمنح له بما يعنى مجهود مهدر من عمره، وليس ذلك فحسب بل أن يكون فعله هذا محل سخرية الآخرين لأعوام، فهذا لا شك هو الوفاء الحقيقى.إنه وفاء داشرات مانجى أو رجل الجبل، فإلى قصته.....

داشرات مانجى ( عندما يدفعك الوفاء لقهر المستحيل)
داشرات مانجى أو رجل الجبل

داشرات مانجى

( عندما يدفعك الوفاء لقهر المستحيل)

كان مانجى يعمل فى أحد مناجم الفحم فى إحدى قرى الهند،  واعتادت زوجته على الذهاب إليه يوميا  بالطعام والشراب، واستمر الحال كذلك لسنوات، الرجل يكافح من أجل لقمة العيش، والزوجة ما زالت على إخلاصها تذهب حاملة الطعام والشراب فى يدها لزوجها.

في يوم من الأيام وأثناء ذهابها إليه وخلال مرورها بأحد المنحدرات الجبلية الوعرة، انزلقت قدمها لتقع أرضا وهى تنزف بشدة، ليتجمع قاطنو القرية حولها ويحملوها إلى منزلها ويبعثون بأحدهم لإخبار زوجها.

وما أن وصل الخبر إلى مسامع الزوج، حتى انتفض خوفا وأخذ يسابق الريح من أجل زوجته، وربما قلبه وصل قبله إلى كوخه الصغير للاطمئنان عليها، ليجدها راقدة على الفراش مثخنة بجراحها وتنزف بشدة جراء السقوط.

كانت أقرب مستشفى يمكن  لزوجته الذهاب لها للعلاج تقع فى بلدة جاهلور الصغيرة والتى تقع بالقرب منهم، ولكن يفصل بينهما جبلا يحتاج للاستدارة حوله، ويستوجب كذلك اجتياز طريق وعر يستغرق حوالي 80 كيلو مترًا، وبالتالي تعذر على سيارة الإسعاف الوصول إليهم، وأيضا لم يكن بمقدور أحدهم أن ينقلها، ففارقت الزوجة الحياة فى اليوم التالى، متأثرة بجراحها.

رحلت الزوجة ورحل معها جزء من مانجى، إن لم يكن رحل كله خلفها، و ظل حبها ملتصقا بقلبه دون خلاص، ظل يراها ف كل شىء حوله....

ظل مانجى قابعا فى منزله لا يخرج ولا يحدث أحدا، بالكاد يأكل ويشرب ما يبقيه قيد الحياة، ظل هكذا حتى اهتدى إلى فكرة لتكريم زوجته، فليس هكذا ترحل؛ سيخلدها وسيخلد حبهما وسيكتب اسمها على جباه التاريخ. فكيف ذلك؟

فوجئ الجيران بالرجل يخرج عليهم من كوخه حاملا فأسه الصدئ وتوجه نحو الجبل الذى يفصل قريتهم عن القرية الأخرى التى بها كل مظاهر الحياة والعيش والمستشفى التى كان يتمنى علاج زوجته بها، وحينئذ نظر إليه الجيران وهم يهمهمون أسفا عليه، معتقدين أنه قد أصابته لسعة من الجنون بعد فراق زوجته.

نعم، لقد أصابته لسعة ولكنها لسعة الرغبة فى قهر المستحيل وعدم إنتظار موافقة الحكومة والمسئولين التى لن تأتى أبدا لسبب وحيد وهو أن من يشتكون ليسوا الصفوة وإنما هم ملح الأرض الذين يجب أن يكدوا فقط  فى هذه الحياة ويلتقطون شاكرين ما قد يتم إلقاؤه إليهم من خدمات حكومية وكأنها صدقة قد تعطفت بها....

مانجى بقلبه الدافئ اللين على عكس قلوب المسئولين،  لم يرغب فى أن يلقى شخص آخر نفس مصير زوجته الحبيبة، عندما يتوجب عليه الركوب لمسافة 80 كيلو مترًا، فى حين أن شق هذا الجبل اللعين سيجعل المسافة لا تتجاوز 4 كيلومترات فقط...
رغم صعوبة العمل وغياب أى نوع من أنواع المساعدة، ووسط سخرية بعض السكان، إلا أنه استمر فى العمل يوميا لمدة 22 عاما، دون أن يتسلل اليأس إلى قلبه، أو يقل فيض الحب والوفاء لزوجته قيد أنملة، بل كانت هى رفيقته خلال رحلة الـ 22 عاما يراها تتألق له وتبتسم مشجعة مع كل ضربة فأس....

في عام 1982، ضرب مانجى ضربته الأخيرة فى النفق الذى امتد بطول 110 أمتار وبعرض 9 أمتار وارتفاع قدره 7 أمتار، حتى أنجز مهمته بعد أكثر من عقدين من الزمن، وهكذا وبدلا من أن تقطع سيارة الإسعاف 80 كيلو مترا للالتفاف حول الجبل والوصول إلى القرية، أصبح قطع المسافة الفاصلة بين المشفى والقرية يقاس بدقائق قليلة.!!!

وكالعادة فإن مثبطى الهمم يسخرون منك فى البدء، ثم ينحازون لك عند إكتمال النجاح بل لعلهم يزعمون كذلك - بعد النجاح- دعمهم لك أثناء تنفيذ الفكرة التى رآوها من قبل مجنونة !!! وهذا ما اضطر مسئولى الولاية الهندية - وكنوع من المداراة على تخلى الأمس- لمنح مانجى قطعة أرض مساحتها 10 أفدنة تكريما له وتقديرا لجهوده، لكنه - وفى إستمرار للبذل والعطاء - لم يتردد فى التبرع بها لصالح بناء مستشفى فى قريته يخدم الجميع، وقد تسمت تلك المستشفى على اسمه تكريما له.

سؤال ما الذى كانت سيضير الحكومة لو تبنت فكرة مانجى والتى كانت لسان حال كل أهل قريته وهو كطلب ليس فيه أى جنون إذ أن الجميع بمن فيهم المسئولين كان يعرف أن الجبل يقف كحجر عثرة لشق طريق يسهل ويوفر الإنتقال بين القرى، ولكنه عدم الإهتمام برؤية الآخرين - إن كانوا فقراء أو غير ذوى مكانة - لتصبح الأولويات بالنسبة لهم هى بناء قصر لمسئول أو تعبيد طريق يمر بمنطقته!!! لعل الحكومة لو تبنت رؤية مانجى وأهل القرية وأصبح مشروعا تحت رعايتها تقوم به معدات الحفر الضخمة مع كثرة من الأيدى العاملة لأنتهى هذا المشروع فى عام أو إثنين، ولكن ما فعله مانجى قد أسقاهم الخزى...

طابع بريد هندى تكريما له

الحياة بعد شق الجبل:

مات مانجى في يوم ١٧ أغسطس من عام  ٢٠٠٧ عن عمر 73 عام، لكن الطريق الذى شقه فى الجبل مازال حاضرا فى ضمير العالم أجمع، لأنه أثبت أن كلمة «مستحيل» يمكن أن تختفى تماما عندما يكون الهدف واضحا والرغبة صادقة، وأثبت مجددا مقولة أن «الحب يصنع المعجزات».

قصة مانجى الملهمة والمليئة بالحب والإخلاص، دفعت بوليوود إلى إنتاج فيلما سينمائيا بعنوان: «رجل الجبل» فى عام 2010، يروى قصّة هذا الرجل الرائع لتكون إلهاما للأجيال القادمة في كل بلدان العالم، لتظل الهند بقعة المحبين على الأرض، بعد ما تركه ورائه مانجى من ميراث من العشق والوفاء...

فيديو للقصة: