حمزة الشبراويشى ( العصامى الذى تم ظلمه)

برز اسم كولونيا 555 على الساحة مؤخرا، لما لها من فعالية في تعقيم الأيدي ضد الميكروبات والفيروسات وبينها كورونا المستجد "كوفيد 19"، وهو أحد منتجات العطور الشهيرة بالقرن الماضي، يحتوي على الكحول الإيثيلي بنسبة 70%، كما هو موضحا على الزجاجة من الخارج، ما دفع الكثير إلى النصح بشرائه لمواجهة العدوى بفيروس كورونا، على اعتبار أنّ مادة الكحول، لها فعالية كبيرة في مقاومة الفيروسات، ولكن الذى لا يعلمه الكثيرون أن وراء هذا الإسم تاريخ وسيرة وحكاية ، فإلى المقال التالى....

حمزة الشبراويشى ( العصامى الذى تم ظلمه)

حمزة الشبراويشى ( العصامى الذى تم ظلمه)

خرج حمزة الشبراوبشى من قرية شبراويش بالدقهلية، لا يحمل سوى موهبة فريدة فى صنع أسانسات العطور، فاستقر في منطقة الحسين، وافتتح محلا صغيرا لبيع العطور التي يصنعها بيديه، وقد عرف النجاح سريعا فافتتح فرعا فى الموسكى ثم وسط البلد ثم قرر أن يتحول معمله الصغير إلى مصنع، فاشترى قطعة أرض صغيرة في دار السلام، وكلما توفر لديه بعض المال كان يشتري قطعة مجاورة لتوسعة المصنع وكان يزرع بنفسه الليمون الذي يستخدمه فى تصنيع الكولونيا.

كان الملك فاروق يقدم سنويا جائزة لأفضل حديقة منزل، و كان منزله فى المعادى بقطعة أرض حوالي فدان تفوز بالجائزة كل عام ، وكان فى عيد الأم يقيم نافورة فى أرض المعارض بالجزيرة تضخ الكولونيا طوال اليوم، وأصبحت منتجات الشبراويشى جزءا هاما و ثابتا فى حياة المصريين  سواء الكولونيا أو بودرة التلك أو مستحضرات التجميل .

مع نجاحه الواسع وبعد ثورة 1952، كان عبدالناصر يشطب على اسم الشبراويشى فى أى قرار للتأميم  إذ كان يؤمن أنه رجل عصامى وليس إقطاعى، ويمثل مصر بصورة وطنية، فمنتاجته فى كل بلد عربى، إذ فى مصر تحمل اسم 555، وفى السعودية تحمل اسم سعود، وفي السودان تحمل صورة مطربهم الأشهر عبدالكريم كرومة، وفي مصر أيضا كانت أم كلثوم بطلة إعلانات منتجات الشرباويشى فى الصحف، وعندما اقترضت مصر من أجل بناء السد العالي، كان يتم سداد جزء من هذه القروض فى شكل عيني ( ثلاجات إيديال، منسوجات قطنية، أثاث دمياطى) و كانت كولونيا 555 تحتل موقعا مهما فى هذه القائمة. كذلك كان جمال عبدالناصر زبونا لمنتجات الشركة، وكان قراره صارما دائما مفاده ( لن نؤمم الشبراويشى)، بحسب الكاتب عمر طاهر فى كتابه "صنايعية مصر"، وفى ذلك يروى لنا أحد القيادات الأمنية- عندما كان ضابطا صغيرا مسؤولا عن تأمين مؤتمرات الاتحاد الاشتراكى- وصل له أحد موظفى الرئاسة الذى يحمل للرئيس حقيبته الخاصة فأصر الضابط على تفتيشها، وقال أنه وجد حينئذ فوطة وفرشة شعر وخرطوشة سجائر وزجاجة كولونيا 555. لكن ترى ما الذي جعل ناصر يتراجع عن قراره ؟!!

إعلان لعطر الشبراويشى عليه أم كلثوم

لم يكن حمزة الشبراويشى مهتما بالسياسة، ورفض كل العروض المغرية التي عرضت عليه لشراء مصنعه، كان عبود باشا يطارده ليل نهار لشراء المصنع، لكنه كان يرفض البيع متمسكا بصناعته و تجارته .و في نهاية عام 1965 أصيب حمزة الشبراويشى بجلطة اضطرته للسفر إلى سويسرا لتلقى العلاج ، لم يكن بطبيعة الحال يعرف كواليس أن عبد الناصر كان يستبعده طوال الوقت من قرارات التأميم ، إذ لو كان يعلم تلك المعلومة لم يكن ليخاف من العودة إلى مصر، لأنه كان يتابع أثناء علاجه فى سويسرا أخبار الأذى الذى يتعرض له أصحاب بعض الصناعات، فقرر أن تكون وجهته بيروت بعد أن يتم شفاءه ، و افتتح حمزة الشبراويشى فى بيروت مصنعا صغيرا لتصنيع العطور كبداية جديدة بعيدة عن الجو العام فى مصر، ولكن استغل البعض من كارهيه ما حدث و كانت الوشاية مكتملة الأركان إذ قالوا لعبد الناصر:        " حمزة الشبراويشى هرب من مصر إلى لبنان و سيستقر هناك بعد أن يصفى أعماله و سيسحب أمواله كلها..." وهنا كان قرار عبد الناصر بفرض الحراسة على ممتلكات الشبراويشى، و تم عرضها للبيع، و كان المقابل الذى دفعته شركة السكر و التقطير لشراء مصنع الشبراويشى و المحلات والاسم التجارى والمنزل و بعض الفدادين زهيدا للغاية لم يتجاوز مبلغ 165 ألف جنيه !!

عرف حمزة الشبراويشى الخبر و فهم أنه لا مجال للعودة، فاستمر فى لبنان ينتج و يواصل نجاحه حتى توفى مع نهاية الستينيات،  وعاد إلى مصر جثمانا ليدفن فيها حسب وصيته، كان الشبراويشى يعتبر عمال المصنع شركاءه فى التجربة وكانوا على قدر المسئولية فحافظوا عليه من بعده واستمرت منتجاته ناجحة، و عندما مات شيعوه سيرا على الأقدام من ميدان التحرير إلى مدفنه.

أما بيت المعادى الذى حصل على كأس الملك فاروق، و بعد فرض الحراسة بسنوات تحول إلى منزل للسفير الإسرائيلى منذ عام 1980 حتى رحل عن المعادى، وأما مصنع دار السلام فهو مهجور ومغلق منذ أكثر من خمسة عشر عاما و تحول إلى مقلب للقمامة، أما الكولونيا نفسها فيكن لها البعض محبة تاريخية....

وفى الختام، أذكر القارئ الكريم بترديد دعاء المصطفى عليه السلام وفيه يقول أنس: كنت أسمع رسول الله يكثر أن يقول: " اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال"، (البخارى في الدعوات، باب: التعوذ من غلبة الرجال).

الفيديو: