حمد الباسل والعلاقات المصرية الليبية

لا شك أن العلاقات المصرية الليبية هى علاقات ضاربة فى الجذور نتيجة الجوار بين الدولتين ونتيجة المصاهرات التى تمت بين عائلات وقبائل فى الدولتين، وقد كانت مصر هى العون والحليف إبان إستعمار إيطاليا لليبيا إذ كانت مصر تساعد على تهريب السلاح للمجاهدين الليبين، وكذا كانت ليبيا تؤيد نضال مصر من أجل الإستقلال عن بريطانيا، وأحد النماذج التى جسدت تلك المصاهرة هى عائلة الباسل ذات الأصول الممتدة إلى ليبيا والتى هاجر أفرادها إلى مصر فذابوا بين ربوعها واحتضنتهم مصر وكانوا نعم المواطنين الأوفياء الأبرار بمصر، فذلك المقال سيتحدث عن عائلة الباسل و أحد شخصياتها العظيمة ألا وهو الزعيم الوطنى حمد الباسل والذى طالما تردد اسمه موجزا دون تفصيل فى كتب التاريخ العامة والمدرسية، فإلى المقال.....

حمد الباسل والعلاقات المصرية الليبية
حمد الباسل

حمد الباسل والعلاقات المصرية الليبية

تاريخ الفيوم يشهد لها بأنها وطنية الهوى،  فهى التى اندلعت منها ثورة 1919م بسبب أحد قيادات الثورة وهو حمد باشا الباسل. وتحظى الفيوم، بوجود عدد من أفراد عائلة حمد باشا الباسل، فى قرية " قصر الباسل"، والتي سميت على اسم العائلة، وهي تتبع مركز إطسا، ويعد حمد الباسل وفدى أصيل كان مدافعا عن مبادئ الوفد، وتنتسب عائلته إلى قبيلة الرماح العربية، وعندما أتوا إلى مصر استقروا فى محافظة البحيرة، وفى منتصف القرن التاسع عشر نزحوا إلى الفيوم ليقيموا فى قرية "أبو حامد" التي عرفت فيما بعد، عندما بنى حمد باشا الباسل قصره عام 1907م بقصر الباسل، والذي جدده عام 1939م، للإعلان عن زيارة الملك فاروق له عند افتتاحه لمشروع المياه بمركز إطسا الذى تتبعه قرية قصر الباسل.

كانت بداية تاريخ العائلة الوطنى أثناء الثورة العرابية والدفاع عن الوطن ضد الاحتلال الإنجليزى فى نهايات القرن التاسع عشر الميلادى والتى شارك فيها محمود الباسل وكان أحد أعيان الفيوم وعمدة قبيلة الرماح والد حمد باشا الباسل وحكم عليه بالإعدام رميا بالرصاص ولكنه استطاع الهرب فألقى الانجليز القبض على أخيه رحيم الباسل وأعدم بدلا منه بناء على حكم صدر من المحاكم الانجليزية.

 ولد حمد باشا الباسل، فى عام 1871م، وتكريما لوالده محمود باشا الباسل، الذى كان عمدة قبيلة الرماح، أسندت إليه العمودية وهو فى سن العاشرة من عمره، فنشأ نشأة عروبية قبلية وفقا لما تربى عليه بدار والده، وفى عام 1914 تم منحه رتبة الباشوية.

 كان شقيقه عبد الستار بك الباسل عضواً بارزاً فى مجلس شيوخ المملكة المصرية وأحد رجال حزب الأحرار الدستوريين الكبار. ومن ما يذكر عنه أنه خلال ثورة 1919 كانت هناك ما تعرف بـ"منظمة اليد السوداء"، وهي مجموعة من الخلايا العنقودية للثوار، وكانت مكلفة بقتل الجنود الإنجليز فى مصر، وذلك من خلال تحديد الشخصية المستهدفة لأحد أعضائها، والمدة المقررة لتنفيذ المهمة، وإذا انتهت مهلة التنفيذ للمهمة دون التنفيذ، يتم قتل الشخص المكلف بها حتى لا ينكشف أمر باقى أفراد المنظمة، وكان عبدالستار بك الباسل، شقيق حمد باشا، من بين أعضاء هذه المنظمة، وتنكر في زى امرأة وقتل أحد القادة الإنجليز، ثم عاد بعد تنفيذ العملية إلى قصر الباسل.

مواقف من حياة حمد الباسل:

اجتهد حمد الباسل فى أن يعلم نفسه إذ لم يحصل على شهادة جامعية، وعندما زار الزعيم سعد باشا زغلول فى عام 1908 الفيوم كوزير للمعارف، تعرف عليه الشاب الوطنى الذى كان يطالب بتحرير مصر من الاستعمار الإنجليزى، وانخرط حمد باشا الباسل خلال هذه الفترة ، في ندوات ولقاءات ومؤتمرات سعد باشا زغلول، وفى عام 1918 انضم حمد باشا لتشكيل حزب الوفد بزعامة سعد باشا زغلول، وبعد تفويض الشعب للحزب بتحرير البلاد من الاستعمار، بدأت السلطات الإنجليزية بتضييق الخناق على زعماء الحزب وأوقفت الندوات والمؤتمرات، فكان حمد باشا يستضيف زعماء الوفد فى منزله بقصر النيل بالقاهرة، والذى كان قريبا من منزل سعد باشا زغلول، والمعروف حاليا ببيت الأمة.

فى 8 مارس 1919، ألقى القبض على حمد باشا ورفاقه سعد باشا زغلول وإسماعيل صدقي، ومحمد باشا محمود، فى منزله وقادوهم إلى السجن ثم إلى بورسعيد، ونفوا منها إلى جزيرة مالطا فى إيطاليا، وكان هذا هو المنفى الأول، وعندما سمع أهله فى الفيوم بهذا النبأ، ثار أبناء قبيلته وتوجهوا إلى مركز شرطة إطسا، واشتعلت الاحتجاجات، التى انتقل لباقى قرى المحافظة، ثم محافظة المنيا، وباقى محافظات الصعيد، والتى اشتعلت بثورة لتحرير الزعماء واتسع نطاقها لتدخل فيها المرأة لأول مرة وحملت شعار الهلال والصليب، ولم تكن ثورة طبقية أو صراع نفوذ أو سلطة. (ومن هنا كان العيد القومى لمحافظة الفيوم والذى تحييه المحافظة فى 15 مارس من كل عام تخليدا لهذه الذكرى)

وفى 17 أبريل 1919، سمح لزعماء المنفى الاتجاه إلى باريس وأثينا من أجل التفاوض لتحرير البلاد من الاحتلال الإنجليزي، ولكن بريطانيا لم تطبق مبدأ ويلسن الأمريكى الذي كان يقر فيه بحق الشعوب فى تقرير مصيرها، ولم يهدأ زعماء الثورة وتعرضوا للمنفى ثانية فى   سيشيل ، وقاد حمد باشا الباسل الحركة الوطنية فى محافظات الصعيد إلى أن تم القبض عليه ورفاقه السبعة وتم اقتيادهم إلى المحاكمة، فما كان من حمد باشا خلال ذلك إلا أن قال لهم عبارته الشهيرة: " أنتم تحاكمونا وليس لكم الحق في أن تحكمونا.. نموت نموت وتحيا مصر"، وصدر الحكم ضدهم بالإعدام ثم خُفض للسجن المؤبد 7 سنوات وغرامة 500 جنيه، وأطلق عليهم الأسود السبعة، وبعد ذلك أطلق سراحهم مع ضغط الثوار.

ترشح حمد باشا الباسل فى برلمان 1923 وكان يمثل دائرة الفيوم، التي كان يطلق عليها "أبو جندير"، وظل حتى 1926م، وكان يقود حزب الوفد وقتها فكان وكيلا لحزب الوفد ووكيلا للبرلمان فى نفس الوقت، فأطلق عليه صاحب الوكالتين.

عندما توفى سعد باشا زغلول، تركزت جهود حمد باشا الباسل أكثر فى عقد لقاءات الصلح بين العائلات المتنازعة فى العراق والأردن فى منزله، وجعل من قرية قصر الباسل مقرا للمجالس العرفية، ومركزا لحل الخلافات حينذاك.

موقفه من الثورة الليبية:

ساند الثوار الليبيين بقيادة عمر المختار ومدهم بالمال والسلاح لتحرير ليبيا من الغزو الإيطالي، كما استضاف بعض القبائل الليبية التى نزحت من هناك لتقيم بالفيوم، وكان يغدق عليهم بالمال للعيش هنا فى الفيوم، ولعل ذلك هو السبب فى أن محافظة الفيوم هى أحد معاقل إقامة وتوطن الليبين فى مصر دائما. وقد تبرع لهم بحوالى ٥٠٠ فدان من أرضه ليقيمون عليها ويرعون مواشيهم بها وكساهم وأطعمهم، كما تبرع للدولة العلية العثمانية وقتها ولجمعية الهلال الأحمر المصرية.

وعندما هرب ادريس السنوسى زعيم حركة الجهاد ضد الاحتلال الإيطالى وقتها ومعه مجموعة كبيرة من المجاهدين استضافهم الباسل فى الفيوم ومن خلال علاقته القوية بالحركة السنوسية فى ليبيا اقنع قيادات الحركة بالانضمام الى مصر لطرد الانجليز وارسل بذلك وفدا الى ليبيا وكان على رأسه شقيقه عبدالستار بك الباسل وهواف الباسل ابن عمه.

قضية السكاكينى فى ١٢ نوفمبر ١٩٣١ :

وجه حمد الباسل باشا الدعوة إلى الاحتفال بتأبين البطل الليبى الشهيد عمر المختار يوم 12 نوفمبر 1931، وكانت سلطات الاحتلال الإيطالى أعدمته يوم 16 سبتمبر 1931 بعد سنوات من قيادته للمقاومة الليبية ضد الاحتلال، وأعد أمير الشعراء أحمد شوقى قصيدة لتلقى فى هذه المناسبة جاء فيها: «خيرت فاخترت المبيت على الطوى/ لم تبن جاها، أو تلم ثراء/ إن البطولة أن تموت من الظمأ/ ليس البطولة أن تعب من الماء»، غير أن حكومة إسماعيل صدقى قررت الطوارئ فى العاصمة، لتحول بين الشعب وبين الاحتفال، فكيف حدث ذلك؟.. وماذا عن دلالاته فى هذه الفترة من تاريخ مصر.

 كان صدقى باشا رئيس الحكومة منذ أن كلفه الملك فؤاد بتشكيلها فى يوليو 1930 خلفًا لحكومة مصطفى النحاس باشا، وكان النظام يعتمد على ديكتاتورية لا مثيل لها فى التاريخ المصرى، إذ أصدرت الوزارة أمرها بمنع الاحتفال، فأوفدت حكمدارية بوليس العاصمة ألف جندى من البوليس وبلوك الخفر، وأحاطت بدار سعادة حمد الباسل، وسدت المنافذ المؤدية إليها وامتدت رباطات الجنود، وعلى الخطوط الحديدية الممتدة على المحطات، ومنعت الوصول إلى الدار التى كان مزمعا إقامة الاحتفال بها، ووصل حضرة صاحب السعادة فتح الله بركات باشا إلى مكان الاحتفال فمنعه الرباط المضروب هناك وحال بين سيارة سعادته، وبين الوصول، ووضع رجال البوليس أسلاكا شائكة لمنع مرور السيارات، كما وضعوا سيارات كبيرة لتعترض الطرقات ومنع جميع المدعوين من الوصول، وعاد جميع المدعوين أدراجهم من حيث جاءوا فكانت فضيحة، وكانت مأساة.

 لقد أعد حمد الباسل سرادقا داخل منزله فى سراى القبة ليكون محل الاجتماع لسماع القرآن الكريم، وذكر مناقب المجاهد العظيم عمر المختار، وبينما هو جالس فى منزله عصر يوم الأربعاء إذا برسول يحمل إليه خطابا من محافظ القاهرة يتضمن منع الاحتفال لأنه سياسى، ويحمل الباشا مسؤولية المخالفة، ثم حضر مأمور قسم مصر الجديدة على رأس قوة من الجند، وتركها خارج المنزل، ودخل معه ضابط بوليس وأبلغ الباشا أنه يحمل أمرا بهدم السرادق بالقوة، فأمر حمد باشا بغلق أبواب المنزل، واتصل برئيس نيابة مصر وطلب منه الحضور لضبط واقعة الهجوم على منزل ليس فيه أحد, كما ذهب إلى حكمدار البوليس، وقال له، إن الاجتماع أبعد ما يكون عن السياسة المصرية بل هو اجتماع لذكرى رجل يمت إليه بقرابة، ومن العار أن يحتفل بذكراه السوريون، والفلسطينيون ولا يحتفل به أقاربه، وأكثر الناس به ارتباطا، فقال الحكمدار: سأعمل جهدى واتصل بك غدا، فمضى الباشا فى طريقه لإعداد لوازم الاجتماع، وتجهيز الطعام للفقراء والمساكين.

فى ظهر اليوم التالى وهو الخميس حضر وكيل الحكمدار ومعه مأمور قسم مصر الجديدة، وأخبر الباشا بأن الحكمدار لم يستطع رفع أمر المنع، وغاية ما أمكنه أنه لا يتعرض لما فى داخل البيت مطلقا، وسيحول بين الناس، وبين الوصول إلى المنزل، فقال الباشا: أنا سائر فى طريقى وللقوة أن تفعل ما تشاء، ولم تمض الساعة الثالثة بعد الظهر، حتى كانت الساحة ما بين محطة سراى القبة، وكوبرى الزيتون غاصة بالجنود مشاة وركبانا مسلحين بالعصى الغليظة والخوذات الحديدية وطوقوا البيت بعدة مناطق من الجنود، ووضعوا فى جميع النوافذ الأسلاك الشائكة حتى أمسى جميع سكان الحى فى حصار شديد.

 لقد امتد التضييق إلى الفقراء والمساكين، وكان محددا لهم وقت الغروب لتناول الطعام صدقة على روح الفقيد، فلما جاء الموعد وجدوا الطريق مسدودا فى وجوههم.. كل هذا والباشا ومن معه محاصرون فى المنزل لاعلم لهم بما يجرى حولهم، ولما علم بطرد الفقراء، غضب وأمر بحمل ما كان معدا لهم إلى قسم البوليس وتسليمه للحكومة لتكون شاهد عدل على تصرفات ما كان يتصورها أحد، وفى منتصف الساعة السادسة دعا الباشا قيادات الجنود، وقال لهم: الساعة الآن السادسة والنصف ومضى نصف ساعة على الموعد الذى كنا حددناه لحفلة الأربعين، وحالت هذه الجيوش الجرارة التى طوقت المنزل والطرقات العامة، وجميع المنافذ وتلك السيارات والقوات العسكرية.. كان فى وسعى أن أترككم حيث أنتم الساعات الطويلة على هذه الحالة إلى الصباح، لكنكم مصريون قبل كل شىء، وأعتقد أن واجبى الوطنى يقضى أن أصرفكم بعد أن سجلت الوزارة بعملتها هذه ما سجلت.

قدم رئيس القوات الإنجليزى الشكر للباسل، وقال له، إنه سيتصل برئيسه لإبلاغه هذه العبارات، وإنه يؤدى وعساكره تعليمات الوزارة.

توفى حمد باشا الباسل يوم 9 فبراير 1940، تاركا بين ذويه وأهل الفيوم ومصر قاطبة مآثر لا يمكن حصرها سواء فى أعمال الخير والتبرعات أو المواقف الراسخة لمناصرة قضايا الإستقلال والعدل سواء لمصر أو ليبيا أو باقى بلدان الوطن العربى للدرجة أنه عقب ثورة يوليو 1952 ، تم تكريم شخصية حمد الباسل على يد المشير عبدالحكيم عامر وأصدر الرئيس جمال عبدالناصر أمرا بإسقاط الحراسة عن ممتلكات عائلة الباسل نظرا لنضالها وتاريخها الوطنى.

تولى شقيقه عبدالستار بك رئاسة قبيلة الرماح, وعمودية عائلة الباسل بعد وفاة شقيقه الأكبر حمد باشا الباسل وهو الذى تزوج من ملك حفنى ناصف «باحثة البادية» كما هو معروف عنها، وهو الزواج الذى استمر 11 عاماً وفى هذه المدونة ستكون باذن الله هناك مقالة عن ملك حفنى ناصف  ودورها التنويرى.