حدث منذ سبعين عاما ( حديث بين فاروق ونجيب)

فى مثل هذه الأيام وتحديدا فى 26 يولو من عام 1952 ، خرج الملك فاروق مغادرا مصر نهائيا وللمرة الأخيرة على متن اليخت " المحروسة " متوجها إلى منفاه فى إيطاليا، وصار يوم خروجه هو العيد القومى لمحافظة الإسكندرية التى خرج منها، ونستعرض فى ذلك المقال اليوم الأخير وما دار من حديث سجله التاريخ بين الملك فاروق واللواء محمد نجيب ونقتبس صفحات من كتاب " فاروق وسقوط الملكية فى مصر " للدكتورة لطيفة سالم ، فإلى المقال....

حدث منذ سبعين عاما ( حديث بين فاروق ونجيب)

حدث منذ سبعين عاما ( حديث بين فاروق ونجيب)

اللقاء الاخير على متن يخت المحروسة بين الملك فاروق واللواء محمد نجيب ٢٦ يوليو ١٩٥٢م كما جاء على لسان نجيب ..
▪️"كان في نيتي أن أكون في وداع الملك فاروق عند مغادرته قصر رأس التين، لكن اذدحام الناس حولي عطل مروري , كما أن سائقي ضل الطريق وتوجه الي ميناء خفر السواحل بدلا من أن يتجه الي الميناء الملكي ..
▪️ولما عدنا الي الطريق الصحيح , كان الملك قد توجه الي المحروسة منذ اربع دقائق، أي في السادسة تماما حسب الانذار،عزف السلام الملكي، وتقدم الملك الي المحروسة، وأختلطت اصوات المدافع بصوت بكاء الخدم والحاشية ..
▪️وسألني علي ماهر : ماذا ستفعل الآن بعد أن وصلت متأخرا ؟ سأذهب لوداعه علي ظهر المحروسة كما وعدت، وأخذت لنشا حربيا دار بنا دورة كاملة كما تقتضي التقاليد الحربية، وحذرني زملائي من الصعود علي اليخت، اذ ربما اطلق علي أحد اتباع الملك الرصاص، فقلت قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ..
▪️وصعدت الي المحروسة , كان الملك ينتظرني، أديت له التحية العسكرية فرد عليها ..
▪️ومضت فترة سكون، سكون ثقيل كأنه جبل، فمن الصعب انسانيا أن تودع ملك كان يملك الكل ويحكم كل شئ قبل أيام قليلة، وكان من الممكن أن يعتقلني أو يقتلني، أحسست أن هزيمة فاروق كانت قاسية جدا، كان ثمنها انهيار السلطة والنفي بعيدا عن الوطن ..
▪️كانت مشاعرنا بالتأكيد في هذة اللحظة متناقضة، و مر الصمت الذي كان يسيطر علينا ويحكمنا ويربك أنفسنا ويجعل الكلمات عاجزة عن الحركة علي شفاهنا وقلت له :
- أفندم أنت تعرف انني كنت الضابط الوحيد الذي قدم استقالته في عام ١٩٤٢، عندما حاصر الانجليز قصر عابدين بالدبابات وأجبروا الملك فاروق علي تعيين النحاس باشا رئيسا للوزراء كان نجيب يخدم في الحرس الملكي وقدم استقالته لعجزه عن حمايه الملك " ..
- قال : نعم اتذكر
- قلت : لقد كنت خجولا للمعاملة التي تلقاها الملك في ذلك الوقت
- قال : أعلم
- قلت : كنا مخلصين للعرش في عام ١٩٤٢، ولكن اشياء كثيرة تغيرت منذ ذلك الوقت
- قال : نعم أعرف ان اشياء كثرة تغيرت
- قلت : أنت تعرف يا أفندم انك السبب فيما فعلناه، وجاءت اجابه فاروق محيرة جدا، وشغلتني طيلة حياتي
- قال : أنتم سبقتموني بما فعلتموه، فيما كنت أريد أن أفعله
▪️كنت مندهشا لهذا الرد، ولم أجد شيئا اقوله، قدمت له التحية كما فعل الآخرون وسلمنا بأيدينا علي بعضنا البعض، وقال فاروق :
"أرجو أن تعتني بالجيش فهو جيش أبائي وأجدادي، قلت له أعرف أن الكولونيل سليمان الفرنساوي هو الذي أسسه، و هو الآن في أيدي أمينة" ..

ولاحظ فاروق أن جمال سالم يحمل عصاه وهو يقف أمامه فتوقف عن الحديث واشار اليه قائلا " أرم عصاك، أنت فى حضرة ملك" وأشار إلى الرضيع الملك الحديث " أحمد فؤاد" والذى تم التنازل عن العرش له  ، وحاول جمال سالم أن يعترض لكنني منعته من ذلك، فالقي عصاه ووقف بصورة تنم عن اللامبالاة...

وعاد الملك للحديث معي وقال : أن مهمتك صعبة جدا فليس من السهل حكم مصر 

وأنتهي الحوار في احترام ووقار، ثم وقف الملك وقال الان يجب أن أمشي، ومشي فاروق دون أن يرجع

وعدت الي منزلي وأنا لا أفكر سوي في العبارة الاخيرة التي قالها فاروق " ليس من السهل حكم مصر...."

ومن كتاب " فاروق وسقوط الملكية فى مصر " للدكتورة لطيفة سالم ، نقتبس الصفحات التالية التى تصف اليوم الأخير للملك فاروق قبل الخروج إلى منفاه فى إيطاليا وهى:

وفى الختام، فإنى تعليقى على مجريات ذلك أن الملك فاروق بذاته قد استشعر الملل من حكم مصرإذ بدأت تأتيه منغصات منذ حادث القصر فى 4 فبراير 1942 فالأعوام العشر الأخيرة قبل حركة يوليو 1952 كانت مليئة بالأحداث غير السعيدة له بدءا من توتر علاقته بزوجته الملك فريدة مما انتهى إلى طلاقهما وأنه ظل رغم زواجه المبكر دون ولى عهد ذكر لسنوات مما كان يهدد استمرار العرش فى نسله، وكذا حادث القصاصين والتى أشارت مراجع عدة أنها كانت سبب فى إزدياد بدانته، وقد أرقه أيضا أن مصر صارت إبان الحرب العالمية الثانية أحد جبهاب الحرب بين الحلفاء والمحور وتحديدا فى أرض العلمين، وقد تلى تلك الحرب التنفيذ الفعلى لصيغة وعد بلفور ونجاح إزدياد الإستيطان الصهيونى وفشل الجيوش العربية فى أخراج هذا السرطان وما صاحب ذلك من إتهامات بوجود أسلحة فاسدة ، وكان أكثر منغصات تلك الفترة هو فضيحة القصر بخروج والدته وأخته الأثيرة لديه " فتحية " عن طاعته بالزواج من موظف بالسفارة يدين بغير الإسلام ولم يتقدم له رسميا واضطراره إثر ذلك لقطع علاقته بهما، ولا نخفى سرا بأنه كان قد مل من ذلك الشد والجذب الواقع بينه وبين حكومة الوفد والذى يبدو - كما ذكر المؤرخون- قد ورث كراهيتها من أبيه الملك فؤاد...

ونؤكد أنه لولا تلك اللامبالاة من قبل الملك فاروق فى مجابهة حركة يوليو 1952 ما كان لها أن تنجح، فهو بالرغم من كل ذلك كان لديه ظهيرا شعبيا وقطاع لا بأس به فى الجيش على إستعداد للوقوف الى جانبه، ولكنه ولحرص لديه ولوطنية فائقة آثر الإنسحاب على أن تراق دماء من أجل بقاؤه فى الحكم ...