جرائم رشوة (1)

فى ذلك المقال والذى يليه، سنستعرض عدد من أهم وأشهر قضايا الرشوة التى هزت مصر فى العقود الأخيرة، وجريمة الرشوة هى من الجرائم التى تتسبب فى تدهور الإقتصاد الوطنى وحصول أشخاص على منافع لا يستحقونها وقد يكون ذلك بالتوازى مع حرمان مستحقيها مما قد يؤدى إلى مشاكل إجتماعية وإقتصادية ويخلق حالة حنق لدى المواطنين عندما يجدون أن من معه مال يتحصل على ما لا يستطيعون التحصل عليه لإفتقارهم لذلك المال وغير ذلك، وسنستعرض من خلال ذلك المقال بعضا من تلك الجرائم، فإلى المقال....

جرائم رشوة (1)

جرائم رشوة (1)

الرشوة هى أن يطلب - مسئول أو صاحب سلطة على شئ معين- مالا أو عطية مقابل منح شئ ( إمتياز ما- وظيفة مرموقة إلخ) لآخر، وهنا يوجد وضعين الوضع الأول هو أن من يتم طلب العطية (الرشوة) منه هو بالفعل مستحق للشئ الذى يريده ولكن تعنت ذلك المسئول يمنعه الحصول عليه بسهولة ويسر، أو أنه غير مستحق له أساسا ولكنه بهذه العطية أو الرشوة سيتحصل على ما لا يستحق ظلما للدولة أو على حساب مواطن آخر مستحق لها، ويبدأ طلب الرشاوى من قبل صغار الموظفين فى الأحياء والإدارات الحكومية وصولا فى أحيان كثيرة لأن يكون من يطلب الحصول على رشوة هو محافظ أو وزير أو وكيل وزارة وهكذا، والرشوة قد تكون علاقة ثنائية أو ثلاثية بوجود وسيط بين طالب الرشوة والراشى ولأن الرشوة هى جريمة قد يتنصل أطرافها من إرتكابها حتى فى حال التلبس بزعم أن علاقتهم معا هى نتاج صداقة أو شراكة تجارية، فقد أراد المشرع إثباتها قانونا وقضائيا وذلك بالسماح لطرفين فقط من تلك العلاقة الثلاثية وهما ( الراشى والوسيط) بأن يعترفا بسبب الرشوة وعلى شخص طالبها ( المرتشى) فى مقابل تحصلهم على البراءة كشهود ملك على المرتشى بإعتبار أن المرتشى – حتى وإن لم يكن ساعيا للرشوة فى البداية- هو الحلقة الأقوى التى من دونها لن تتم الرشوة وكنوع من الردع لأى مسئول- صغر أو كبر- قبل أن يقدم على طلب مال أو عطية نظير خدمة لا يقدمها إلا لمقتضى سلطته القانونية التى تم تخويلها له من قبل الدولة، ويختلف فقهاء الدين حول وضع الراشى ( مسدد الرشوة) بين التأثيم والعذر له فمن يرون تأثيمه يبررون ذلك بأنه هو الذى يغرى المرتشى على ذلك السلوك وأنه إن كان مستحقا للخدمة التى يرشى من أجلها فليسلك سبل الشكوى لجهات عليا وغير ذلك، ويوجد من يلتمسون العذر- وأنا مؤيد لذلك- لأنه أحيانا لايوجد مجال للشكوى أعلى ولأنه طالما هو مستحق لما يتحصل عليه فهو أمام الله لم يحصل على شئ ظلما وعدوانا على حق آخر والوزر يقع على من يطلب الرشوة، ويوجد كذلك ما هو شبيه بالرشوة ويكون فى صورة إكتساب الولاء المتدرج مع المسئولين عن طريق إعطاء الهدايا والإمتيازات - تدريجيا وعلى فترات ودونما سبب- للشخص المسئول فى مصلحة حكومية كبيرة كى يكون جاهزا للخدمة عندما يتم طلب الوساطة منه لإنجاز شئ غير مشروع، ولذلك يحثنا الدين الحنيف على عدم قبول الهدايا أثناء المناصب وإن تم فلتكن تلك الهدايا الرمزية المعنوية فقط رخيصة الثمن بإعتبار أن ذلك أهدى للنأى عن الشبهات وفى ذلك أنه فيما معناه فقد جاء لرسول الله من كان مسئولا عن بيت المال ليسأل عن قبول هدية تم إعطاءها له فقال له ما معناه أن يجلس فى بيته مجردا من تلك الوظيفة ليرى أيتم إعطاءه تلك الهدايا أم لا ؟ وفى الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الأوروبية يكون دخل المسئول المادى تحت المراقبة المستمرة ولا يتم السماح له بقبول هدية تتجاوز سعرا معينا متدنيا وما فوق ذلك إن تواجد يؤول كاملا إلى خزانة الدولة لعلمهم أنه فى أغلب الأحيان لم يكن ذلك المسئول ليتحصل على شئ لولا وظيفته...

الرشوة هى نوع من الإقتصاد الأسود بتسرب جزء من موارد الدولة إلى موظفين فيها لا لسبب سوى أنهم المخول لهم بسبب الدولة منح إمتيازات ما ، فهى لا تدخل خزينة الدولة المستحقة لها وإنما تدخل جيوب هؤلاء الموظفين، وقد تؤدى إلى بروز الإحتقان المجتمعى بأن يجد زملاء مهنة أو دراسة أن أحدهم – أقل منهم أو متساوى معهم- قد تحصل على إمتياز أو ترقى لا لسبب سوى لعلاقته مع مسئول أو رشوته له، ومع مرور الزمن يندر الأكفاء فى المناصب ويحل محلهم معدومى الكفاءة والغريب أنه فى أحيان كثيرة من يتحصل بسبب الرشوة على ما لا يستحق هو نفسه عندما يصبح مسئولا فى الدولة يقبل الرشوة لإعطاء إمتياز ما لمن لا يستحق....

ولنستعرض معا أشهر قضايا الرشوة فى مصر فى خلال العقود الأخيرة:

عبد الوهاب الحباك:  

منذ ما يزيد عن 20 عامًا شهدت مصر أكبر قضايا الرشوة والفساد المالي، والمعروفة بقضية بـ"الحباك"، التي ترجع إلى عبد الوهاب الحباك، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات الهندسية، بعدما استطاعت الرقابة الإدارية الإيقاع به، مستعينة بزوجته الثانية.

فعبد الوهاب الحباك، الذي كان مرشح في يوم لتولي منصب وزير الصناعة، انتهى به الحال بإدانته في الكسب غير المشروع حيث استولى على أكثر من 100 مليون جنيه في أثناء عمله، وتحويل 20 مليون دولار من حساباته في سويسرا إلى القاهرة.

 رتيبة كمال عامر اسم تكرر كثيرًا في أوراق قضية "الحباك"، فهي سكرتيرة رئيس مجلس إدارة الشركة، وأصبحت رتيبة أشبه بالخيط الذي جمع بين شركاء القضية، وتبين أنها الزوجة الثانية لعبد الوهاب الحباك، التي واجهت أيضًا اتهامات بالحصول على أموال بغير حق في هذه القضية.

حصلت رتيبة على البراءة في قضية "النصر للمسبوكات"، بينما توفى أسامة عبد الوهاب في أثناء المحاكمة، لكن وفاته لا تعني نهاية القضية التي ظلت مستمرة بين أرجاء المحاكم، حيث تنازعت سيدتان ودول عديدة على أموال "الحباك".

وفي إحدى جلسات القضية الشهيرة في عام 2005 حضرت رتيبة عامر، فتفاجئ الجميع بكونها الزوجة الثانية، ورغم إصرار منى عامر على أنها الزوجة الوحيدة للحباك، إلا أن هشام حلمي، رئيس نيابة الأموال العامة، طلب من المحكمة اعتبار الزوجتين من الورثة والحكم عليهما برد الغرامات التي تصدر ضد المتهم المتوفى.

ماهر الجندى محافظ الجيزة:

وكان النائب العام الأسبق المستشار ماهر عبد الواحد، قد أحال في عام 1999،  8 متهمين،  بمذكرة اتهام من نيابة أمن الدولة العليا، في واقعة تقديم رشاوي مالية وعينية بلغت مليون جنيه لمحافظ الجيزة آنذاك المستشار ماهر الجندي، لتخصيص 130 فدانا بطريق مصر – إسكندرية الصحراوي، لشركة الأهرام للتنمية العقارية والسياحية والتي يساهم فيها مع باقي المتهمين، ومعهم وسيط الرشوة محمد فودة، سكرتير وزير الثقافة الأسبق.                                  

وأصدرت محكمة أمن الدولة العليا آنذاك، حكمها بالسجن 7 سنوات لماهر الجندي، كما برأت باقي المتهمين استنادا لنص المادة 107 مكرر من قانون العقوبات، والتي تعفي الراشي والوسيط حال اعترافهم بما ارتكبوه....  

                                                         

محمد الوكيل رئيس قطاع الأخبار:

فى 10 يوليو 2002، تم القبض على محمد الوكيل رئيس قطاع الأخبار في التلفزيون المصري بتهمة تقاضي الرشوة، فى أحد قضايا الفساد السابقة في مبنى ماسبيرو والتي تعاملت معها الأجهزة الرقابية والمسئولون بحزم شديد. وكان ملف مسلسل الفساد داخل ماسبيرو قد بدأ حينما بدأت تتجمع خيوط شبهة تقاضي مبالغ داخل قطاع الأخبار وتم الاصطلاح عليها باسم «الزيس» وهو ما يعني أنك لابد أن تدفع اذا أردت أن تنظر الى الكاميرا وتتكلم لعدة دقائق في برامجها المختلفة وتحديدا اذا كنت من المحظوظين الذين يظهرون في برنامج «صباح الخير يا مصر» حيث اعتاد هذا البرنامج أن يستضيف نجوم المجتمع في مختلف التخصصات. وكان من أكثر نجوم المجتمع ظهورا في هذا البرنامج فئة الأطباء حيث أخذ البرنامج يقدمهم بمختلف تخصصاتهم وأصبح البرنامج وسيلة دعاية واعلان عن هؤلاء وعن أبحاثهم وطرق العلاج الحديث التي يبتدعونها دون ضابط أو رقيب يحاسبهم عما يقولون، وأمام تلك الظاهرة أصدر صفوت الشريف وزير الاعلام المصري قرارا بعدم استضافة الأطباء أو التحدث عن طرق علاجية حديثة للأمراض الا اذا كانت موثقة علميا وبموافقة نقابة الأطباء وتم وضع ضوابط صارمة لوقف تلك الدعاية التي كانت تقدم من خلال أجهزة الاعلام المصري دون تحصيل مقابل مادي رسمي عنها ولكن الأمور لم تسر على ما يرام وبدأت لائحة الفساد تطل برأسها مرة أخرى حتى صارت تزكم الأنف. وفي سياق هذا المسلسل كان البطل الخفي المحرك لكل هذه الأحداث هو محمد الوكيل رئيس قطاع الأخبار الذي كان يجاهر ويعاند ويؤكد أن كل ما يتردد عن تقاضي مبالغ «الزيس» غير صحيح ويتحدى في اصرار عجيب أن يأتوا له بدليل دامغ عن فساد قطاع الأخبار المرئي والمسموع الذي يشرف عليه، الى أن قررت الأجهزة الرقابية وضعه تحت المراقبة ، وظلت عيون أجهزة الرقابة تطارد وتلاحق الفساد في هذا القطاع الى أن سقط رئيسه محمد الوكيل في حادث الرشوة الأخير.

يتبع