النمر الأسود الحقيقى

لا شك أن فيلم " النمر الأسود" للنجم الفنان " أحمد زكى" والمخرج " عاطف سالم" والذى تم إنتاجه عام 1984 هو أحد أيقونات السينما المصرية لأنه ببساطة تناول شخصية شاب مصرى له طموح ومثابرة ورغبة فى النجاح، وأنه لم يجعل سقف نجاحه هو حدود مصر بل أراد الخروج لآفاق العالم فكانت وجهته ألمانيا ثم السويد، وفى كليهما حقق نجاحات وهو الذى عمل خراطا فى البداية وكان بجانب عمله فى الخراطة يمارس رياضة الملاكمة بنحاح ، وظل لفترة طويلة بعد ذلك رجل أعمال ناجح. إننا نتحدث فى ذلك المقال عن "محمد حسن المصرى" ، الذى سعى فى حياته بدأب شديد ولكن كذلك أتت نهايته مأساوية، فإلى المقال....

النمر الأسود الحقيقى
النمر الأسود الحقيقى مع الفنان أحمد زكى

النمر الأسود الحقيقى 

مختصر سيرته الذاتية الحقيقية:

لقد تناول الفيلم السيرة الذاتية ل" محمد حسن المصرى" بنسبة مطابقة كبيرة إلا فى بعض الأمور لزوم الحبكة الدرامية أو الجذب الجماهيرى وما سيتم عرضه الآن هو مختصر السيرة الحقيقية كما رواها هو بنفسه...

والده طلق أمه وعاش مع زوجاته الأربع، وكن يعاملنه بشكل مهين، حتى جذبته إحداهن وتوجهت به إلى ورشة خراطة يمتلكها رجل ألماني يُدعى «هانز بياليجى»، وقالت له حسب روايته: «خده أنا مش عاوزاه عندى.. خليه يمسحلك ويكنس لك الورشة».

الألمانى كان فى أمس الحاجة فعليًا لصبي يساعده فى ورشته، لكنه عامله بشكل آدمى قائلًا له: «ما تزعلش يا بنى .. بكرة هتبقى أحسن منهم»، وعكس ما توقعه الطفل آنذاك "محمد حسن" تغيرت أحواله إلى الأفضل ويقول عن ذلك «كان الخواجة هانز أفضل من زوجات أبى!!! ويكفى أنه كان يجعلنى آكل معه من نفس الطبق لأول مرة فى حياتى».

في أحد الأيام أمره شقيق الخواجة بأن يصحب نجله إلى تدريبه في نادى «أرارات» الذى يمارس فيه الملاكمة، وقتها لمحه المدرب "حسين السيد" وهو يقلد الملاكمين أثناء وقوفه بالخارج، حتى استدعاه قائلًا له: "جسدك مناسب للعب الملاكمة"، وحصل منه على ملابس وأدوات اللاعبين طالبًا منه الحضور، حتى شارك فى بطولة القاهرة، وبتألقه فيما بعد وقّع للنادي الأهلى.

ببلوغه سن 17 عامًا ازدادت مهارته فى العمل بالورشة، وقتها فوجئ بإصابة «هانز» بجلطة فى القلب، وتبين ذلك بعد أن نقله بنفسه إلى المستشفى ورافقه فيها لمدة  3 أيام.

فوجئ الخواجة بعد عودته إلى العمل من أن «محمد» أصلح بنفسه 6 مواتير وتسلم أثمانها من تجار الصعيد، وقتها سأله: " كيف فعلت هذا يا محمد؟ من ساعدك؟ ومن أين جئت بالأموال؟"، ليجيبه: " يا خواجة أنا كنت بشتغل 15 ساعة يوميًا " ليقاطعه الآخر قائلًا:      " مش معقول .. محمد أنا اللى علمتة الخراطة.. خلص المواتير واشتغل لوحده.. بقى أحسن منى" .

بعد تعافى «هانز» من مرضه استقبل رسالة من شقيقه فى ألمانيا عام 1957 يقول له فيها: " يجب أن تحضر حالًا.. ألمانيا في حاجة إليك بعد الحرب"، وقتها عرض على " محمد" أن يسافر بدلًا منه، فقلت له " كيف أذهب إلى ألمانيا وأنا لم أتعلم ولا أعرف القراءة أو الكتابة؟ " فرد عليّ وقال: " الرسم الهندسى الذى تعلمته على يدى يا محمد نفس الرسم الهندسى في ألمانيا".

أرسل «هانز» إلى أخيه رسالة أبلغه فيها: " أنا باعتلك صنايعي تربيتى .. وسيكون له مستقبل باهر فى عالم الرسم الهندسى" ، ليوافق الأخ على الأمر واعدًا "محمد" بالحصول على 3 مارك فى الساعة، إضافةً إلى أن الطعام والشراب والسكن سيتولى المصنع تكاليفها.

عانى " محمد" لتدبير مبالغ السفر، لكن «هانز» ساعده كثيرًا، ويروي بخصوص ذلك أنه         ذهب إلى الخواجة ليخبره بأنه قد حصل على 18 جنيهًا من خدمته في الجيش فيجيبه: " يا محمد أنا سألت صاحب المركب وعلمت أن هناك دكة على السطح يمكن أن تجلس عليها بدون طعام أو شراب، وتكلفتها 30 جنيهًا ".

آنذاك لم يكن "محمد" يعرف من أين يأتي بهذا المبلغ، لكن الخواجة فاجأه: " الورشة بها قليل من الأعمال، انته منها وسأعطيك المبلغ "، وبالفعل وفّى بوعده، قبل أن يصدمه بقوله: " المركب سيذهب بك إلى إيطاليا وستكون في حاجة إلى القطار ليذهب بك إلى ألمانيا، وهذا سعره 25 جنيهًا ".

وعده الخواجة وقتها كذلك بإعطائه المبلغ فى حال تنفيذه تصميما هندسيا لموتور، وأوفى بما قاله أيضًا، ليتوجه " محمد" بعدها إلى أمه سعيدًا، وقالت له: " يا ابني أنا لا أعرف ألمانيا ولا بيروحوها منين.. بس أنا هديلك 10 أرغفة عيش و10 بيضات مسلوقين وكيس دقة وبرطمان زيتون".

بالفعل استقل الباخرة محملًا بما أعطته له والدته، وبعد 3 أيام اكتشف أن البيض قد فسد، وعلى أساسه بدأ فى أكل الدقة بالعيش فقط، وقتها رأته سيدة اعتقدت أنه يأكل ترابًا، وعنفت طاقم السفينة لعدم منحه الطعام، وهو ما حدث فعليًا لكن في مقابل قيامه بمهام النظافة.

اعتبر بداية حياته فى ألمانيا صعبة للغاية، بسبب العنصرية التى واجهها لسمار بشرته، كذلك لعدم معرفته بأى لغة، حتى اضطر للصق طوابع البريد على جدران العقارات لإرشاده على طريق ذهابه إلى المصنع.

داخل المصنع تعرض لمضايقات عدة من أحد العاملين، الذى وضع له فى مرة «عظمة» بكوب الماء كما جاء فى أحداث الفيلم، إلا أنه على أرض الواقع لم يتشاجر معه.

استمرت معاناته إلى أن تعرف على جارته «هيلجا»، وتولت تعليمه اللغة الألمانية وساعدته على أن يصبح أشهر خراط في ألمانيا في ظرف سنتين حسب روايته.

استمر" محمد حسن" فى ممارسة رياضة الملاكمة هناك، وهو ما دفعه للإقلاع عن التدخين وشرب الخمور حسب روايته فى حوار تليفزيونى قديم.

أثبت جدارته في الملاكمة بشكل لافت، ومثّل ألمانيا ضد كندا وفرنسا وحقق بطولات عدة، حتى كتبت الصحافة هناك عنه، وحتى تعرف والدته ما يحققه أرسل لها تلك الجرائد التى أخذها وتوجهت بها إلى السفارة الألمانية، ليترجم  لها العاملون المكتوب.

عام 1966 وصل الملاكم الراحل " محمد علي كلاى" إلى ألمانيا بمرافقة فردين يساعدانه في تدريباته، وقتها تعرض أحدهما للإصابة ووقع اختيار المسؤولين على "محمد " ليكون البديل، وذلك بأجر 50 دولارا في الجولة الواحدة.

حبيبته هيلجا التى لم يتزوجها

حياته الشخصية:

بعيدًا عن حياته الرياضية نشأت قصة حب بينه وبين «هيلجا»، ونتيجة العلاقة العميقة بينهما كانت حبلى منه حسبما ذكره فى حواره لـ«روز اليوسف»، آنذاك ونصحها بالإجهاض لسوء ظروفه المادية، وتقدم بعدها إلى والدها للزواج و لكنه رفضه بسبب فقره.

اضطر بعدها إلى الزواج من امرأة سويدية تكبره في السن، لكنه أُجبر على ترك ألمانيا لأن والد "هيلجا " هدد أكثر من مرة بقتله إذا لم يغادر ألمانيا، فنصحته زوجته السويدية بالذهاب إلى السويد لأن المستقبل هناك أفضل.

 توقف عن الملاكمة وهو في سن 32 عامًا نزولًا على رغبة زوجته التي قالت له: " يا محمد البوكس خطير جدًا ولابد أن تتوقف عنه، فالملاكمة رياضة جميلة طالما أنت صغير، لكن عندما تتقدم بك السن لابد أن تراعى ذلك".

عاد " محمد حسن" إلي القاهرة قادما من السويد بعد وفاة زوجته "سيلفا"، التى كانت كل شيء بالنسبة له، وأقام لفترة فى دار مسنين  إذ أصيب بعد وفاتها بالزهايمر..

عن علاقته بالفنان " أحمد زكى":

أما عن علاقة " محمد حسن" بالفنان " أحمد زكى" فيقول عنها : " التقيت الفنان أحمد زكى أكثر من مرة، كانت أول مرة عندما دعانى المخرج عاطف سالم والمؤلف أحمد ابو الفتوح لجلسه قبل بدأ تصوير فيلم النمر الأسود ، وعندما ذهبت وجدت جميع فنانى الفيلم موجودون ، ولاحظت أن احمد زكى يقلدني فى كل حركة أقوم بها ، وقال لي " يا ريت يا محمد تيجى كتير وتتصرف بطبيعتك زى ما كنت زمان وتقولى علي كل كبيرة وصغيرة عشان انا عايز عمل يدخل قلب الناس". ويستطرد عنه : " والحقيقة كان فنانا بمعنى الكلمة ، وعندما علمت أنه مريضًا ويحتضر، حضرت من السويد خصيصًا لزيارته قبل أن يموت بثلاث أيام، وكان الجميع يرفض دخولى عليه لأنه مريض جدا ، ولكن تحت إصرارى دخلوا وقالوا له إن النمر الأسود يريد مقابلتك ، فنادى علىّ من الداخل ادخل يا محمد. وبمجرد دخولى علية هالنى ما رأيت ، وقبل أن يجلس التقطت له آخر صورة وهو على فراش الموت ، وطالبت من الفنانة مديحة يسرى التى كانت حاضرة أن تلتقط لى معه آخر صورة معه ."

النهاية

بعد أن خرج "محمد حسن" من شقة شقيقته " فايزة" المقيمة فى السيدة زينب صباحًا وكانت هذه آخر مرة ترى شقيقها فى ذلك اليوم الذى تأخر فيه عن العودة لمنزلها فأصابها القلق خاصة أنه يعانى من الزهايمر، وكانت دائما ما تنصحه بالانتباه لنفسه حين يقول لها: " أنا نازل بقي يا أختي عندى شويه شغل أخلصهم" ، فتقول له:" أنت فى مصر يا أخويا مش في السويد " .

انتاب القلق والحيرة قلب الأخت على شقيقها محمد الذى لم يكن معتادًا أن يتأخر عليها ، وأصاب قلبها غصة حين سمعت من الباعة في السوق أن شخصا قتل فى حادث بالمترو. حاولت مثلما يفعل الكثيرون تحرير محضر لدى الشرطة لكن مسئولى الأمن رفضوا لعدم مرور 24 ساعة على غيابه، فاضطرت للإنتظار حتى انتشر خبر قتيل المترو الذى مات على قضبان محطة محمد نجيب.

لم يكن "محمد حسن" يحمل أى أوراق تثبت هويته وعثرت عليه الشرطة مبتور الساقين، ولحقت به إصابات مختلفة، حين كان يحاول العبور بين رصيفى المحطة من فوق القضبان، وذهبت عائلته وأهل منطقته إلى المشرحة لتتعرف على القتيل وهى تتمنى ألا يكون "محمد حسن" ولكنها كانت الفاجعة، إنه هو " النمر الأسود .. محمد حسن" ، وقالوا لشقيقته فى مشرحة زينهم " احمدى ربنا أنكم لحقتوا تتعرفوا عليه قبل ما يتقيد مجهول ".

يمكن مراجعة ذلك على الرابط

http://gate.ahram.org.eg/News/1593493.aspx

الفيديوهات:

فيديو مجمع لأغانى فيلم النمر الأسود: