الممرضة القاتلة ( جين توبان)

ما كان لأحد أن يتخيل بأن من ارتضت لنفسها مهنة ملاك الرحمة أن تكون هى الشيطان ذاته، فلا دافع ولا علاقة لها بمن تقتلهم ولكنها سفاحة بالثوب الأبيض لا تجد نشوتها إلا فى رؤية إحتضار من تقوم بحقنهم بالعقارات المخدرة، ولأن هيئة المحلفين رأت فيما اقترفته جنونا لا يصدقه عقل ولأن أبيها كان مريضا بلوثة عقلية ونزيلا لمستشفى الأمراض العقلية فلم يدينوها بالإعدام ولكن من عاشرها بعد ذلك قال أنها لم تندم... وفى منتصف التسعينات فى مصر، تم إتهام ممرضة مصرية من مدينة الإسكندرية تدعى " عايدة" بأنها تحقن مرضاها بعقارات تؤدى لإرتخاء العضلات وبمرور الوقت ضيق فى التنفس ثم وفاة، وحينئذ تم الحكم عليها بالإعدام وتم تخفيض الحكم فى النقض وإعادة المحاكمة لخمس سنوات لقلة الأدلة والبراهين... فإلى تلك الجناية العالمية، وإلى سيرة تلك السفاحة المتسلسلة " جين توبان"....

الممرضة القاتلة ( جين توبان)

الممرضة القاتلة ( جين توبان)

فى عام 1854، وفي إحدى مدن ولاية ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية، ولدت جين توبان واسمها الحقيقى هو " هونورا كيلى "، و كانت طفولتها بائسة إذ ماتت أمها في سن مبكرة و بقيت هي و أختها بعهدة والدهما المدمن على الكحول والذي كان يعاني من أمراض عقلية أدت به في النهاية إلى الجنون التام لذلك تم إرسال جين الصغيرة و شقيقتها إلى إحدى دور الأيتام في بوسطن....

في ذلك الزمان كان هناك عدد كبير من الأيتام في الولايات المتحدة , بسبب الحرب الأهلية و كذلك بسبب تفشي بعض الأوبئة القاتلة كوباء مرض السل الذي كان يحصد آلاف الأرواح عبر البلاد و يفتك بعوائل بأكملها , لهذا و بسبب الزخم الكبير عليها كان القانون يسمح لدور الأيتام في عرض الأطفال الذين يعيشون في كنفها ليس للتبني فقط و إنما للعمل كخدم أيضا في المنازل مقابل الحصول على الرعاية و الملبس و الطعام و المسكن , و للعائلة التي يعمل اليتيم عندها كخادم كامل الحرية في تبنيه رسميا إذا شاءت كما إن لليتيم الحق في ترك منزل العائلة التي يعمل عندها عند بلوغه سن الرشد إذا شاء ذلك. و من سوء حظ جين أن أحدا لم يرغب بتبنيها و لكن في احد الأيام قدمت إلى الميتم سيدة تدعى آن توبان و اصطحبت جين إلى منزلها للعمل كخادمة....

منذ الأيام الأولى لها في المنزل الجديد تعرضت جين الصغيرة لسوء المعاملة و التوبيخ والضرب لأتفه الأسباب كما أنها شعرت بغيرة كبيرة من إليزابيث وهي ابنة مخدومتها المدللة التي كانت تقاربها سنا و كانت تحظى بكل ما تريد فيما كانت جين تمضي يومها الطويل في العمل المنزلي المرهق.  و رغم أنها قضت عدة سنوات في خدمة السيدة آن توبان و تحملت قسوة معاملتها إلا إن هذه الأخيرة لم ترغب أبدا في تبني جين و لكنها سمحت لها في المقابل باستعمال اسم عائلتها و هو الأمر الذي ساعد جين في المستقبل على إخفاء تاريخ عائلتها الحقيقي الحافل بالفقر و البؤس و الجنون.

في سن التاسعة عشر غادرت جين منزل عائلة تابن نهائيا و لاحقا ارتبطت بعلاقة عاطفية مع أحد الشباب توجت بالخطوبة إلا أن خطيبها هجرها لاحقا و هو الأمر الذي أضاف عقدة جديدة إلى مشاكلها النفسية المتوارثة و المتراكمة و يقال أنها حاولت خلال تلك الفترة الانتحار عدة مرات و لكنها فشلت في قتل نفسها...

في السنوات التالية بدئت جين بدراسة التمريض , و خلال الدروس أثارت دهشة زميلاتها بسبب شغفها و ولعها الغير طبيعي بدرس التشريح إذ كانت جين تجد متعة كبيرة في تشريح الجثث البشرية على العكس من بقية الطالبات اللواتي كن يكرهن هذا الدرس.

في عام 1885 بدأت جين العمل كممرضة متدربة في مستشفى كامبردج و هناك وجدت أخيرا المكان المناسب للتنفيس عن جنونها الوراثي من دون أن تثير الشكوك حولها إذ إن أحدا لم يكن ليتصور أن تتحول ملاك الرحمة التي تخفف الآم الناس إلى شيطان قاسى القلب يحصد الأرواح. في البداية أخذت جين تبدي اهتماما متزايدا في دراسة العقاقير المخدرة و ذلك لغرض الوصول إلى طريقها تمكنها من قتل الناس من دون أن يشعر بها احد , وبما أنها كانت تقضي معظم وقتها في المستشفى لذلك أخذت تتلاعب بالوصفات الطبية التي يكتبها الأطباء و بدأت تستخدم المرضى كفئران تجارب عن طريق حقنهم بمقادير متباينة من العقاقير المخدرة و المسكنة ثم تنتظر لبرهة لملاحظة التأثيرات التي تتركها هذه العقاقير على جهازهم العصبي. و قد قادت هذه التجارب المجنونة في النهاية إلى توصل جين لوصفتها السحرية القاتلة التي تتألف من جرعة زائدة من عقارى المورفين والأتروبين حيث أنها لاحظت بالتجربة  أن أعراض التسمم بالمورفين كانت تغطي على أعراض الاتروبين، و العكس صحيح بحيث كان يصعب على الأطباء وقتئذ معرفة السبب الحقيقي للوفاة......

لا احد يعلم على وجه الدقة كيف كانت جين تختار ضحاياها وما هي المواصفات التي كانت تبحث عنها فيهم، ولكن الجميع متفقين على أن الرغبة الجنسية كانت تلعب دورا كبيرا في أغلب جرائمها , فبعد أن تختار ضحيتها و تحقنه بالعقار المميت كانت جين تجلس بجواره و تجد متعة لا توصف في مراقبته و هو يحتضر. وأحيانا كانت تصعد إلى سرير الضحية و تستلقي بجواره بحيث تشعر بأنفاسه الحارة المتسارعة تلهب صدرها كالسوط ثم كانت تحتضنه و تشده إلى جسدها بقوة حين تداهمه سكرة الموت , و يبدو أنها كانت تداعب ضحاياها المساكين جنسيا أثناء احتضارهم إذ أخبرت المحلفين أثناء محاكمتها بأنها كانت تحصل على متعة عارمة حين تداعب المريض المحتضر بشكل يجعله يفتح عينيه و يستعيد وعيه لبرهة قصيرة قبل أن تفارق الروح جسده , كانت نظرات الرعب و الصدمة تلك تمثل قمة النشوة الجنسية بالنسبة إلى جين....

في عام 1889 انتقلت جين للعمل كممرضة في مستشفى ماساتشوستس العمومي و هناك قتلت عددا آخر من ضحاياها لكنها سرعان ما فصلت من عملها فعادت للعمل في مستشفى كامريدج لتقتل بعض المرضى أيضا قبل أن تبدأ الشكوك تحوم حولها و يتم فصلها بسبب حقنها لعدد من المرضى بجرعات متهورة من الأفيون....

بعد فصلها من المستشفى قررت جين ان تعمل كممرضة خاصة و العجيب أن عملها الجديد سرعان ما ازدهر رغم بعض الأقاويل هنا و هناك حول سرقتها لبعض الحاجيات من منازل مرضاها و رغم موت عدد كبير منهم بصورة غامضة , و كانت أختها غير الشقيقة إليزابيث أو بالأحرى الأبنة المدللة لمخدومتها السابقة السيدة آن توبان هي إحدى ضحاياها في تلك الفترة, و يبدو أن الغاية الرئيسية من قتلها لإليزابيث كان الانتقام من أمها و أيضا لأن جين كانت تغار من إليزابيث و تكن لها كراهية شديدة منذ طفولتها حيث كانت تعمل خادمة في منزلها.

في عام 1901 انتقلت جين للسكن في بيت ضابط عجوز يدعى الدين ديفز للعناية به بعد وفاة زوجته التي كانت جين قد قامت بقتلها بنفسها في السابق. و لم يمض وقت طويل على وجود جين في منزل آل ديفز حتى مات العجوز الدين ثم لحقت به وبشكل غامض ابنته الكبرى آني و تبعها بفترة قصيرة الابنة الثانية ماري , و هنا أخذت تتزايد شكوك بقية أفراد عائلة ديفز في سبب حوادث الموت المتوالية و الغير منطقية التي ألمت بهم , خصوصا إن هذه الحوادث لم تقع إلا بعد قدوم جين إلى المنزل. لذلك و بسبب شعورها بالخطر فقد قامت جين بالفرار من المنزل تحت جنح الظلام.....

انتقلت جين إلى منزل أختها غير الشقيقة إليزابيث بحجة الاعتناء بزوجها و مساعدته على تجاوز محنة وفاة زوجته رغم أنها كانت هي التي قامت بقتلها ! , و لأنها كانت كملاك الموت ينعق البوم و يحل الخراب أينما حطت رحالها لذلك لم يمض سوى أسبوع واحد على تواجدها في منزل زوج إليزابيث حتى ماتت أخته الصغرى بصورة مفاجئة و غامضة ثم تعرض هو نفسه لوعكة صحية بعد أن قامت جين بتسميمه بجرعة صغيرة و ذلك لكي تجد حجة لبقائها في المنزل بحجة الاعتناء به حتى يشفى لكنه بدء يرتاب بها بشدة، و لكي تبعد الشبهات عنها قامت جين بتسميم نفسها بجرعة صغيرة من العقار القاتل ولكن ذلك أدى إلى نتيجة عكسية حيث ازدادت شكوك زوج إليزابيث بها و أمرها بمغادرة منزله فورا....

في هذه الأثناء كانت عائلة ديفز قد تقدمت بشكوى إلى الشرطة طالبت فيها بتشريح جثة ماري ديفز التي كانت جين قد قتلتها و كانت قد دفنت حديثا. كانت العائلة ترتاب في أن ماري ماتت مسمومة و قد جاء تقرير الأطباء الذين شرحوا الجثة ليؤكد شكوكهم إذ اظهر بجلاء وجود كمية كبيرة من المورفين و الاتروبين في جسدها كانت هي السبب الرئيسي في وفاتها....

في عام 1901 القي القبض على جين تابن بتهمة قتل ماري ديفز , و خلال التحقيق معها اعترفت جين بارتكاب جرائم أخرى , و أثارت اعترافاتها المرعبة صدمة كبيرة في أوساط الرأي العام الأمريكي آنذاك إذ إن جرائمها وضعت النظام الصحي للبلاد بأكمله تحت المسائلة لعدم قدرة الأطباء على اكتشاف هذه الجرائم المتعددة رغم أن أغلبها وقعت داخل مستشفيات متخصصة و تكرر حدوثها لفترة طويلة.....

في عام 1902 تم تقديم جين توبان للمحاكمة بتهمة قتل 11 شخصا و قد توقع الكثير من الناس أن يتم الحكم عليها بالإعدام لكن هيئة المحلفين فاجأت الجميع و اعتبرتها غير مذنبة و أوصت بإرسالها إلى مصح عقلي , و يبدو أن هيئة المحلفين قد اخذوا بنظر الاعتبار الظروف المأساوية التي أحاطت بطفولة جين و كذلك الجنون المتأصل في عائلتها فوالدها و أختها كانا كلاهما قد ادخلا إلى مصحات عقلية حيث قضيا ما تبقى من عمرهما هناك....

بعد فترة من المحاكمة نشرت صحيفة نيويورك جورنال تحقيقا صحفيا بقلم احد محرريها كشف فيه عن حديث أدلى به محامي جين توبان في جلسة خاصة قال خلاله بأن موكلته كانت قد أخبرته أثناء تحضيره للدفاع عنها بأن عدد ضحاياها الحقيقيين هو 31 شخصا و أنها خدعت هيئة المحلفين بادعائها الجنون على أمل أن تتمكن من الخروج من المصحة بعد فترة من الزمن لتواصل جرائمها , كما أخبرته بالحرف الواحد بأن طموحها الحقيقي هو : " قتل المزيد من الناس .. أكثر من أي قاتل أو قاتلة عاشا على الأرض"

لكن هذه التصريحات لم تنجح في إقناع القضاء بإعادة محاكمة جين توبان , بل بالعكس أكدت لهم بأن هذه المرأة مجنونة تماما بغض النظر عن عدد ضحاياها....

عاشت جين توبان في المصحة العقلية لسنوات طويلة ولم تخرج منها إلا جثة هامدة عام 1938 , لكن ذكراها المرعبة ظلت محفورة في أذهان الكثير من الناس و منهم أطباء و ممرضي المصحة التي قضت فيها و الذين ظلوا يتذكرون لسنوات طويلة كيف كانت جين تحاول إغوائهم مطالبة إياهم بحقن المرضى بجرعة زائدة من المورفين وهي تردف ضاحكة بنبرة شريرة : "سنحظى بقدر كبير من المتعة و نحن نشاهدهم يموتون....!"

اعترفت جين توبان بأنها قامت بتسميم 31 شخصًا ، لكنها قالت أيضًا إن عدد ضحاياها قد يصل إلى 100. حتى أثناء الاعتراف ذكرت توبان أنها لا تشعر بالذنب على الأشياء التي قامت بها.....

قيل أنها قالت ، "لا ، ليس لدي أي ندم على الإطلاق. لم أشعر أبداً بالأسف على ما فعلته. حتى عندما قمت بتسميم أصدقائي الأعزاء ، مثلما كان دافيز ، لم أشعر بأي ندم بعد ذلك. لقد فكرت في كل شيء ولا يمكنني الكشف عن أدنى قدر من الحزن على ما قمت به"