الشدة المستنصرية والسبع العجاف

كانت الدولة الفاطمية حين اعتلى عرشها الخليفة المستنصر بالله الفاطمى قد استقرت تمامًا، واتسعت اتساعًا هائلاً، وبلغت دعوتها الشيعية أقصى مدى لها في الذيوع والانتشار، وامتلأت خزائنها بالأموال. غير أن وقوعها فى أيدى المغامرين والطامحين، واشتعال الفتن والثورات بين فرق الجيش، والتنافس على الجاه والسلطان أضاع منها كل شىء. واختُزلت الدولة التى كانت تمتد من أقصى المحيط الأطلسى إلى الفرات فى دولة مصر فقط . وبعد أن كانت ترفل في غناها وثرائها وكثرة خيراتها أصبح يعلوها الذبول والشحوب بفعل المجاعات التى أصابتها. هذا التحول من السعة إلى الضيق ومن الغنى إلى الفقر هو ما شهده عصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمى.

الشدة المستنصرية والسبع العجاف
الشدة المستنصرية

الشدة المستنصرية والسبع العجاف

وكأن قدر مصر أن تأتيها سنوات عجاف وأن تكون عددها سبع ، فى المرة الأولى إبان عزيز مصر ( يوسف عليه السلام) والثانية فيما عرفه المصريون ب( الشدة المستنصرية) نسبة إلى الحاكم الذى فى خلافته كانت هذه الشدة أو بالأحرى المعاناة....

المستنصر بالله هو الخليفة الفاطمى أبو تميم معد بن الظاهر وهو الخليفة الفاطمى الثامن والإمام الثامن عشر في سلسلة أئمة الشيعة الإسماعيلية. عاشت مصر في بداية عهد المستنصر فى رخاء شديد وشهد الاقتصاد المصري ازدهارًا واسعًا لم تشهده منذ أزمنة بعيدة. ذَكر التاريخ أن أبواب القصر كانت مفتوحة للعامة والأدوية الموجودة داخل القصر كانت توزع على العامة بالمجان، ظل الحال هكذا حتى حدث ما لا يحمد عقباه وتعاقبت الأحداث العظام المسببة للشدة المستنصرية التي ذهبت بعظمة الدولة أدراج الرياح.

العملة وقد تم صكها باسم الخليفة المستنصر بالله

كانت من التقاليد المتعارف عليها لإدارة شئون البلاد هو أن يقوم الخليفة بشراء غلة بقيمة مائة ألف دينار سنويًا حتى يستطيع أن يسيطر على الأسواق وأسعار السلع. يستطيع الخليفة بهذه المؤن المخزنة أن يواجه جشع التجار بالمنافسة ويحارب الاحتكار بوفرة الموارد لديه، وظلت هذه العادة قائمة لسنوات طويلة حتى أصبحت غير ذات جدوى لأن الأمور استقامت والأسعار أضحت بخسة وأشار عليه الوزير (أبى محمد على البازوى) بأنه لا داعي لشراء هذه الغلة،   وبسبب قلة حنكة الخليفة وعدم امتلاكه لرؤية ثاقبة وبصيرة لامعة انصاع لنصائح وزيره الغشيم حتى حدث ما لم يحمد عقباه.

فى العام (٤٤٤ هجريًا) أصابت الأقدار غير المحمودة مصر، حيث انخفض منسوب المياه اللازمة للزراعة فشحت الغلة وارتفعت الأسعار. وما زاد الطين بلة أن التجار قد ازداد جشعهم لاستغلال المواقف العصيبة، فلقد سارع التجار لتجويع السوق وتخزين الغلال ولم يعد هناك ملجأ سوى الغلة المخزنة فى المخازن السلطانية التى لم يعد الخليفة يشتريها كما نصحه وزيره. ولكى يصلح الوزير ما قام بتخريبه قام بمصادرة القمح من مخارن التجار وأودعها فى المخازن السلطانية كما قام الخليفة بالتفاوض مع ملك الروم (قسطنطين التاسع) لاستيراد اربعمائة ألف أردب من القمح لكن هذه الصفقة لم تتم بسبب وفاة الملك. ظلت الأزمة لمدة عشرين شهرًا حتى منّ الله على مصر ففاض نيلها وعادت الأوضاع إلى حالها الأول وارتوت الأراضى ونبت الزرع من جديد فأفاض الله بخيره على أهل المحروسة كعادته دائمًا.

مهدت الحادثة السابقة للشدة المستنصرية العظمى وللفصل الثانى الأكثر بطشا وبدأت الشدة المستنصرية فى العام (٤٥٧ هجريًا) واستمرت لسبع سنين عجاف. كان سبب الشدة الرئيسى هو انخفاض منسوب المياه ولكن ما جعلها أعتى أزمة مرت بها مصر هو أسبابها المتعددة والمعقدة. كان أهم الأسباب هو تدخل والدة المستنصر فى أمور الحكم تدخلًا فجًا ، فأصبح منصب وزير الدولة يتولاه من تريده هى  دون سواه وتعاقب الوزراء عليه حتى إن التاريخ يذكرنا أن الحال قد وصل فى فترة من الفترات بتبديل الوزير أسبوعيًا وأحيانًا يوميًا! وهو ما أدى بالضرورة إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد.

أما عن السبب الثانى هو الحرب التى دارت بين الجنود وبعضهم البعض، حيث أن الجيش الفاطمى يتألف من الأجناد التركية الذين تحالفوا مع جنود البربر وطردوا الأجناد السودانية من القاهرة إلى الصعيد، وحين وصل الأجناد السودانية إلى الصعيد عاثوا فيها فسادًا وعملوا على نشر الفساد وتعمدوا إفساد نظام الري لنشر القحط أكثر مما كان بسبب انخفاض منسوب المياه، أما عن الأجناد التركية فلقد غدروا بالبرابرة وطردوهم من القاهرة إلى وجه بحرى وسيطر الأتراك على القاهرة ونهبوا قصور الخليفة وأسرته وتقطعت أوصال المحروسة وانقطعت طرق نقل البضائع فبدأت المجاعة الكبرى. كل هذه الأسباب بالإضافة إلى السبب الرئيسي وهو انخفاض منسوب المياه اللازمة للزراعة.

أى بإختصار يمكن إجمال أسباب الشدة المستنصرية فى:

  • انخفاض منسوب المياه اللازمة للزراعة.
  • عدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلاد كنتيجة لتدخل والدة المستنصر فى الحكم والتى حرضت على تولية الوزارة غير الأكفاء.
  • الحرب والتنازع بين أفراد الجيش الفاطمى والتحزب داخله بين أجناد تركية وأجناد سودانية.

مظاهر الشدة المستنصرية:

لم يعرف المصريين سنين عجاف كهذه السبعة التى أذلتهم، لم تعد هناك حياة كما يعرفها البشر فلقد فقد المصريين الغلة والقمح واللحوم وغيرها من صنوف الطعام. كانت الشدة المستنصرية ضربًا من ضروب الخيال التى يعجز العقل البشرى عن تصديقها، فلقد أكل المصريين الميتات والجيف حتى أصبحت الكلاب والقطط تباع بأسعار باهظة لا يقوي عليها إلا كل ثرى!!! وبعد فترة ليست بكبيرة اختفت الكلاب والقطط من الشوارع!!!، أما عن سعر رغيف الخبز فلقد بلغ خمسة عشر دينارًا وثمن البيضة الواحدة من بيض الدجاج عشرة قراريط أما السقيا بالماء فقد بلغت سعرها دينارًا!!!

قد يعجز العقل عن تصديق هذه الأهوال ولكن أصبحت الأملاك كافة غير قادرة على شراء الموارد التى أصابتها الندرة وهو مبدأ اقتصادى معروف. ذٌكر في التاريخ أن وزير الدولة ذهب فى التحقيق فى إحدى الوقائع وعندما خرج لم يجد بغلته!!! فلقد خطفها الناس وأكلوها، أما الطامة الكبرى فهى أن الناس بدأت تأكل بعضها البعض.

لأول مرة في تاريخ المحروسة أكل المصريون بعضهم، بدأت هذه الفاجعة بعد حدوث واقعة سرقة بغلة الوزير، فلقد ألقى الوزير القبض على ثلاثة ممن أكلوا بغلته وقام بصلبهم وعند الصبيحة لم يتبق من هذه الأجساد سوي العظام حيث التهم الناس لحومهم من شدة الجوع. وذٌكر أن هنالك زقاق يسمي بزقاق القتل كانت المنازل فيه منخفضة فعمل سكانها على إنزال الخطاطيف يصطادون بها المارة ومن ثم أكلهم. وصل الناس إلى درجة بيع كل ممتلكاتهم من أجل الحصول على الطعام فلم تعد للأموال فائدة أمام نُدرة الموارد، فلقد ذُكر أن النساء كُن يبعن مجوهراتهن الثمينة من أجل الحصول على قليل القليل من الطعام، وتأتى هذه الواقعة لتشهد على ذلك إذ حدث أن امرأة باعت عقدًا ثمينًا لها قيمته بحدود الألف دينار لتحصل على القليل من الدقيق لكن الناس نهبوه منها وهى فى طريقها إلى المنزل ولم يتبق لها من الدقيق سوى ما يكفى لخبز رغيف واحد، فأخذت هذا الرغيف ووقفت على مكان مرتفع وصاحت بأعلى صوتها (يا أهل القاهرة ادعوا لمولانا المستنصر بالله الذي أسعد الله الناس في أيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره حتى تقومت على هذه القرصة بألف دينار).

المستنصر نفسه يعانى!!!

وصلت الأزمة إلى المستنصر نفسه، فلم يعد هناك في حظيرته من الدواب شيء وباع رخام قبور آباءه وأجداده من أجل الحصول على الطعام ووصل الحال إنه أصبح مدينا بحياته لأبنة أحد الفقهاء التى اطعمته تصدُقا برغيفين يوميا.

نتيجة الأزمة:

مات ثلث سكان المحروسة وبيعت بيوت ثمينة لشراء أرغفة العيش وطحنت المجاعة بالشعب أكثر وأكثر حتى وصل السيل الزبى. لم يستطع الخليفة التحمل أكثر، لذلك طلب يد العون من (بدر ابن عبد الله الجمالى) بعد أن فقد العديد من البلدان التي كانت تحت ملكه وانخفضت عدد المدن بعد أن انفصلت العشرات.

بدر ابن عبد الله الجمالي:

وبدر الدين الجمالى هو مملوك أرمينى الأصل، كان أمير الجيوش فى الشام استدعاه الخليفة المستنصر من الشام ( إذ كان واليا على عكا)  ليوليه الوزارة في عام 1073م حتى يستعيد السيطرة على الأمور وللخروج من الأزمات التي كادت تودى بدولة المستنصر بالله. وكان على بدر الدين الجمالي مواجهة عدد من الأزمات مثل الصراعات بين فصائل الجيش التركية والأفريقية وهجمات من البربر على الدلتا ومجاعة مستمرة لسنوات بسبب انخفاض مستوى النيل وأوبئة واستيلاء السلاجقة على أجزاء من الشام وكانت مصر مهددة من كل النواحى.جاء بدر الجمالى بقواته الأرمينية من الشام فسكنوا القاهرة التى كان قد قل تعداد سكانها كثيراً بسبب الأوبئة، كما قل تعداد سكان الفسطاط والقطائع في ذلك الوقت وتهدم معظمهما. وأستطاع بدر الدين الجمالي التخلص من قادة الفتنة ودعاة الثورة، وبدأ فى إعادة النظام إلى القاهرة وفرض الأمن والسكينة في ربوعها، وأمتدت يده إلى بقية أقاليم مصر فأعاد إليها الهدوء والاستقرار، وضرب على يد العابثين والخارجين، وبسط نفوذ الخليفة في جميع أرجاء البلاد. كما قام في الوقت نفسه بتنظيم شئون الدولة وإنعاش اقتصادها، فشجع الفلاحين على الزراعة ورفع جميع الأعباء المالية عنهم، وأصلح لهم الترع والجسور، وأدى انتظام النظام الزراعي إلى كثرة الحبوب وتراجع الأسعار، وكان لاستتباب الأمن دور في تنشيط حركة التجارة في مصر، وتوافد التجار عليها من كل مكان.

انتهاء الشدة بعون الله على يد الجمالى:

عُرف عن (الجمالي) إنه كان رجلًا عادلًا مد يده إلى الدولة الفاطمية ونفض من فوقها تراكمات الزمن العصيب وأفاقها من كبوتها. منَّ الله أخيرًا وبعد سبع سنوات عجاف على مصر بأن فاض نهر النيل من جديد وانقشعت هذه الغمة. خلد المصريين ذكرى الوزير (الجمالي) بأن أطلقوا اسمه على أحد أشهر المناطق والأحياء الخالدة فى المحروسة وهو حى (الجمالية).

وإلى الفيديوهات الشارحة التالية