الرجل الفيل ( جوزيف ميريك)

مرهف الحس وذو عقل جميل ولكن كل ذلك اختفى تحت وجه وجسم مشوهان، كان ضحية تنمر مجتمع كان وقتئذ لا يجد غضاضة فى السخرية من تشوهات قد ابتلى بها الرب بعض من عباده، كانت المرأة الوحيدة التى تحبه هى أمه وبوفاتها لم يبق له أحد، وكم تمنى لو أحبته مرأة أخرى لروحه وتمناها كفيفة حتى لا ترى تشوهاته وتمناها كذلك ألا تتحسسه، ولحظات المتعة التى تمناها هى إستلقاء عادى على ظهره ولكن الأطباء حذروه من ذلك، وكم تمنى الموت ليقابل المرأة الوحيدة التى أحبها وأحبته وهى أمه، وكانت اللمسة الحانية التى اختلسها من أيامه الصعبة هى مساعدة طبيب ذو قلب عطوف له.... إنه جوزيف ميريك أو الرجل الفيل.....

الرجل الفيل ( جوزيف ميريك)

الرجل الفيل ( جوزيف ميريك)

الميلاد:

ولد جوزيف ميريك فى 5 أغسطس 1862، لأب وأم طبيعيين وكان عنده أخ وأخت، وفى عمر السنتين، بدأت تظهر عليه أعراض تشوهات ونتوءات في الجسم والوجه والرقبة وتضخم الفم والشفة واللسان لدرجة أنه كان يصعب عليه الكلام ومن ضخامتهم، وبدأت ملامحه تتغير بشكل غريب حتى أطلق عليه الأشخاص من حوله لقب "الرجل الفيل".

كان حجم رأسه 91 سنتيمترا، وساعده الأيمن 30 سنتيمترا، وبلغ محيط أحد أصابعه 13 سنتيمترا، وكان الأطفال ينفرون منه ويرمونه بالحجارة ويسخرون من شكله، إضافة إلى أنهم ابتدعوا عليه إشاعات مؤلمة، فكان يركض إلى والدته، التي كانت سنده الوحيد وملجأ أمانه فى هذه الحياة، ويبكى فى حضنها، وأكثر ما آلم ميريك هو إطلاقهم إشاعة على والدته بأن فيل سيرك عاشرها، ولذلك أنجبت ابنها بذلك الشكل، وفقا لصحيفة "  ذا صن" البريطانية.

السبب العلمى لما فيه هو  تشوّهات خلقية شديدة سببها متلازمة أُطلق عليها اسم "بروتيوس"، وهى إحدى أشكال اضطراب الجينات .

بداية الكآبة الحقيقية فى حياته:

توفيت أمه عندما بلغ الـ 11 من عمره، تاركة إيّاه فى عهدة أب لا يأبه له، فقام بطرده من المنزل عندما بلغ الثانية عشر مما أجبره على البحث عن عمل فى كل مكان، إلا أن السخرية والاستهزاء به كانا يلاحقانه فى كل مكان يذهب إليه.

 وفي سن السابعة عشرة، تم إيداع ميريك في ملجأ للمشردين، لكنه هرب منه بعد سنوات بعدما أصبحت حياته فيه أسوأ مما كانت عليه من قبل، فلم يجد بعدها ملاذا سوى فى سيرك المسوخ و هو نوع من السيرك يقوم بعرض الناس ذوى الأشكال الغريبة و التشوّهات الخلقية ليأتى الناس و يتفرجّوا عليهم و يتسلّوا بهم!!!!!

عاش ميريك مراهقة صعبة، وأمضى حياته فى السفر لتقديم عروض، وكان صاحب السيرك السيّئ المدعو "بيرتس"، يقوم باستغلاله بأبشع الطرق، فأخذه ووضعه في قفص في إحدى دور السيرك و أستغل شكله الغريب ليقوم بعرضه أمام الناس على أساس أنه شبيه بالفيل و أطلق عليه أسم "الرجـــل الفيل"، وبدأ يلف به المدن، وكسب مبالغ رهيبة من الطامعين في رؤيته، وأثناء العرض، كانت الناس تضحك عليه وتشتمه وترميه بالحجارة والطماطم وينادوه "المسخ".

نقطة ضوء فى نهاية نفق مظلم:

أوقفت بريطانيا سيرك المسوخ ورجع ميريك للشارع مرة أخرى، إلى أن قابل بالصدفة طبيب اسمه تريفيس وتعاطف معاه وعرض مساعدته عليه، إلا أن جوزيف رفض فى البداية ظنا أنه مستغل آخر مثل صاحب السيرك، ولكنه وافق على مضض بعد معاناته من التشرد.

وسمعت الملكة ڤيكتوريا عن معاناة جوزيف، وأعطت الدكتور تريفيس جميع الصلاحيات لإيوائه فى مستشفى في بريطانيا. مع جميع سبل الراحة له، حيث وفروا له السرير الدافئ والوجبات الساخنة والرعاية الصحية وجميع متطلباته. وأصبح جميع العاملين في المستشفي يتقربون إليه ويحبونه...

اكتشاف أنه صاحب حس مرهف وعقل جميل:

كان ميريك يجيد القراءة والكتابة في وقت كانت بريطانيا غارقة في الأمية. وكان مثقفا جدا وقارئ ومحلل ممتاز لروايات شكسبير وكان يكتب الروايات والشعر ويصنع المجسمات الهندسية المتقنة. ومع الأيام بدأت تتوافد عليه الزيارات من العـائلات الإنجليزية الراقية للجلوس معه وتبادل الحديث، حتّى أن إحدى نجمات ذلك الوقت وتدعى السيدة كاندل قابلت جوزيف ميريك و تحدثت معه حول المسرح وشكسبير، والاتجاه الواقعى و الرومانسى فى الفن، فأظهر ما بداخله من أحاسيس و أفكار و رؤى تجاه الفنّ.

وأصبح ميريك شخصية عامة في مايو عام 1887، عندما زارته الأميرة ألكسندرا  ( أميرة ويلز ) آنذاك، واستمرت فى مراسلته وإهدائه بطاقات عيد الميلاد كل عام.

أمنيته التى لم تتحقق:

كان ميريك يتمنى أمنية واحدة، فكان يقول "كنت أتمنى أن تحبني إمرأة حتى لو كفيفة"، ولكنه مات وهو متعطش إلى إمرأة تبادله الشعور بالحب.

وفاته وما بعدها:

توفي ميريك عن عمر 27 عاما في 11 أبريل 1890، وكانت نهايته حزينة، حيث فوجئ العاملون بالمستشفى بموته، عندما دخلت الممرضة لمساعدته على التقلب على جانبيه، إذ أنه بسبب ثقل وزنه لم يستطع فعل ذلك، فوجدته مستلقيا على ظهره، وكانت وفاته بسبب الاختناق، حيث انه كان معتادا على النوم على جانبه بسبب كبر حجم رأسه، إلا أنه اختنق بعدما انقلب على ظهره ولم يستطع التنفس نتيجة لكبر حجم اللسان والحنجرة.

وقام الأطباء بتشريح جسد ميريك بعد وفاته، واحتفظوا بهيكله العظمي كنموذج تشريحى فى مستشفى لندن الملكى.

جمجمته 

ألهمت قصته عددا من مؤلفي الكتب، والمسرحيات، وفي سنة 1980تم إنتاج فيلم "الرجل الفيل"، والذي يحكى قصة حياة ميريك، ولاقى نجاحا كبيرا، كما رشح لـ 8 جوائز اوسكار وجسد فيه الممثل العالمى أنتونى هوبكنز دور الطبيب تريفيس، وجسد دور ميريك الممثل جون هيرت...

الفيديو: