الدراما والتنبؤ بأمراض المجتمع

لا شك أن للدراما دور فى تجسيد مشكلات المجتمع على الشاشة، وهى أما تعرض فقط المشكلة لإظهارها وبلورتها أو تزيد عن ذلك بطرح الحلول لها، وإن كان الشكل الأول وهو مجرد عرض المشكلة هو الأفضل من وجهة نظرى وذلك حتى يتسنى للمجتمع كله العصف الذهنى لحلها وحتى لا يصبح العمل الدرامى أشبه بالوعظ المدرسى، وفى أحيان أخرى تكون الدراما متنبئة لما قد يحدث فى المجتمع فى المستقبل وهذا هو الأصعب والذى يكون صانعه مستحقا لفائق التقدير، وفى السنوات العشرين الأخيرة ظهرت جرائم قتل لم نعهدها وترفضها الفطرة السوية ألا وهى قتل الآباء للأبناء والأسباب فى ذلك متعددة قد يكون منها الشرف وهو إحساس رب الأسرة بأن ابنه أو ابنته قد تسببوا بعلاقة جنسية ما غير شرعية فى إلحاق العار به وقد يكون هذا مفهوم – دون تأييده بالطبع- فى المجتمعات المحافظة، أما ما زاد تواجده فى الآونة الأخيرة هو القتل لإحتمالية المعاناة من الفقر مستقبلا ، وأصبح كذلك يوجد ما هو أخس من كل ما سبق وهو قتل الأب أو الأم للأبن خشية فضحه لعلاقة غير شرعية طرفها أحد الآباء أو أن ترتضى الأم مثلا الإلقاء بطفلها فى دور رعاية أو فى نهر الطريق من أجل إفساح مجال لعلاقة مع شخص يرفض وجود ابنها معها وأخيرا فقد فاجئتنا الأيام الأخيرة بقتل - غير مبرر الهدف- لإحدى الأمهات لثلاث من أبناءها مما أعاد إلى الأذهان قصة غريبة من ضمن قصص متعددة تناولها مسلسل " سجن النسا" للكاتبة فتحبة العسال والمخرجة كاملة أبو ذكرى، مما يثبت أن الفن هو مرآة للمجتمع، فإلى المقال.....

الدراما والتنبؤ بأمراض المجتمع

الدراما والتنبؤ بأمراض المجتمع

قصة الواقع هى:

القصة بدأت في قرية ميت تمامة التابعة لمركز منية النصر بمحافظة الدقهلية، أم ذبحت أبنائها، وتعترف بخط يدها بذبح أطفالهما قبل أن تترك قرية ميت تمامة بالدقهلية، ثم اتجهت إلي تلقي نفسها أمام جرار زراعي، أثناء سيره بأحد الطرق الفرعية بالمنطقة محل سكنها، وكانت رسالتها بخط يدها تحتوى ما يلى:

" أنا وديت ولادك الجنة يا محمد، وأنت كمان هتروح الجنة معاهم، لأنك ما قصرتش معانا في أي حاجة، أنا اللي قصرت معاهم"

" أحمد ابني بالذات كان لازم أوديه الجنة، لأن ذنبه في رقبتي، لا علمته الكلام ولا الحياة والتعليم، وأخواته معاه في الجنة، اصبر واحتسبهم عند الله، ويا بختك بالجنة وادعيلي أنا كنت بتعذب في الدنيا، ومش قادرة أعيش، سامحني، ربنا يكرمك باللي تستاهلك ويعوض عليك بأولاد أحسن من ولادي"

وما تزال تلك القضية هى مثار للتساؤلات بين جدل علمى ونفسى وفقهى فهل هى مريضة نفسيا؟ فالشواهد كانت لا تنذر بذلك وهل هى كما يقال تعانى مما يسمى بإكتئاب ما بعد الولادة؟ هل هو إحساس بأن الحالة الإقتصادية فى البلاد وذلك التضخم غير المنتهى ينذران بمستقبل مظلم لأولادها فأرادت وفق عقلها المضطرب تجنيبهم ذلك؟ هل يمكن لأى خلافات مع الزوج أن تؤدى إلى ذلك؟ ما هى الشواهد التى قد يراها أحد الأبوين على الآخر فلا يأمن لتواجد الأولاد معه؟ هل هناك إحتياج إلى توعية مجتمعية بإلتزام خطط تحديد النسل تجنبا لعدم إستطاعة التربية مما قد يدفع إلى ملل الأباء ومن ثم إرتكاب جريمة تجاه أحد الأبناء؟ ما هو الموقف الفقهى فيمن يقتل ابنه وتكون الأسباب مشوشة لديه؟

أسئلة وأسئلة تحتاج إلى إجابات....

قصة الدراما:

فى مسلسل «سجن النسا» بطولة نيللي كريم، روبي، ودرة، ناقش نفس المرض النفسي، المصابة به الأم القاتلة لأولادها في الدقهلية، بنفس القصة، مع اختلاف أحداث بسيطة، فقد قدمت ذلك الفنانة دنيا ماهر، التي كانت تخشى على أولادها من نسمة الهواء، حتى أنها منعتهم من المدرسة خوفًا من الاختطاف، وكانت تلقي الفاكهة في القمامة لشكها في صحة البذرة أو أن تكون تالفة، رغم كونها سليمة وليس بها شيء، وإنما كانت مريضة بالخوف، للدرجة التي جعلته يتمكن منها، ووضعت السم لأولادها في وجبتهم المفضلة «الكشري»، ثم وضعت لزوجها منه هو الآخر، فسقط الجميع وزهقت أرواحهم، وحاولت أن تنتحر هي الأخرى لكنها فشلت، وعندما أفاقت، بررت فعلتها أنها تريد أن تحميهم من شرور البشر من حولهم، وترفعهم إلى الله في السماء، لأنه خير حافظًا لهم، فضلًا عن كونهم أطفالًا لذلك سيدخلون الجنة، حسبما تحدثت في المشهد.

علما بأن "مسلسل سجن النسا " عمره أكثر من ثمانى سنوات، فهل هو تنبؤ درامى بدراما حياتية واقعية قد تكون أكثر بؤسا؟؟؟