الحلقة السادسة

لأن كرة القدم هى اللعبة الشعبية الأولى فى العالم، ولأن كأس العالم لكرة القدم من الأحداث الرياضية التى ينتظرها العالم بشغف كل أربع سنوات، فقد قررت أن أسرد لتاريخ كأس العالم من جميع الجوانب فى حلقات أتمناها تنال رضا القارئ....

الحلقة السادسة

الحلقة السادسة

النسخة الرابعة من كأس العالم ( البرازيل 1950)

يمكن القول أن الدورات الثلاث السابقة للحرب العالمية الثانية ( 1930، 1934، 1938) كانت مثل مرحلة التجريب لتلك البطولة التى صارت الأعظم عالميا بعد الأولمبياد، إذ فى البدء تم إستقبال فكرة وجود كأس للعالم فى كرة القدم بالريبة وعدم الترحاب من جانب الدول الأوروبية التى رأت فى طول مسافات السفر بين الدول وتكاليف التأهل واللعب فى هذه البطولة ما يمكن ان يتسبب بخسائر للدوريات المحلية القائمة بالفعل فى تلك الدول والتى كانت تربح جيدا، ولكن بالرغم من كل ذلك فقد نجحت الفكرة وحظيت بطولة العالم لكرة القدم بالمتابعة الصحفية واعتبرها بعض السياسين ( مثل هتلر وموسولينى) ميدانا آخر للتنافس والصراع مع الدول وهكذا...

جاءت دورة البرازيل 1950 بعد غياب دام 12 عام، وبعد حالة من الفوضى عمت العالم وفى القلب منه أوروبا ( مهد كرة القدم)، فلم يكن غريبا أن تنأى كافة الدول الأوروبية- التى عانت من ويلات الحرب العالمية ولا تزال فى مرحلة الإعمار- عن طلب الترشح لإستضافة تلك البطولة مما جعل قبول طلب البرازيل لإستضافة البطولة يلقى ترحابا من الإتحاد الدولى وفى سبيل ذلك قامت البرازيل بإنشاء استاد أصبح شهيرا وهو استاد ( ماراكانا) التاريخى، وكذلك وكنوع من التكريم لرئيس الإتحاد الدولى والأب الروحى لكأس العالم ( جول ريميه) فقد تمت تسمية الكأس بأسمه....

يمكن تسمية تلك البطولة ببطولة الأمل والألم فى نفس الوقت للبرازيل، ففى البدء وبأداء رائع كان الأمل فى الفوز بتلك البطولة ولكن جاء النهائى ليحول ذلك الأمل إلى ألم بعد الخسارة من الفريق السماوى رفيق القارة ( الأورجواى) فى النهائى بنتيجة هدفين لهدف...

تم رفض ألمانيا واليابان من المشاركة فى أية تصفيات تخص تلك البطولة بإعتبارهما من أسباب الحرب العالمية الثانية...

عن نظام البطولة:

بعد اعتماد دولة مضيفة تتمتع بالأمان في ذلك الوقت، خصص الفيفا بعض الوقت لإقناع الدول بإرسال فرقها الوطنية للمنافسة. حظي منتخب إيطاليا بأهمية خاصة آنذاك كونه حامل اللقب منذ فترة طويلة، وذلك بعد أن فاز ببطولتي كأس العالم لكرة القدم 1934 وكأس العالم لكرة القدم 1938؛ لكن المنتخب الإيطالي كان يعاني ضعفاً شديداً، إذ أن معظم أفراد التشكيلة الأساسية قد لقوا حتفهم في كارثة سوبرجا الجوية (هي كارثة طيران وقعت في 4 مايو 1949 بعدما اصطدمت طائرة تابعة للخطوط الجوية الإيطالية، والتي كانت تحمل معظم أعضاء نادي تورينو لكرة القدم  خلال عاصفة رعدية بتل سوبرغا القريب من مدينة تورينو بإيطاليا. وقد مات جميع الركاب البالغ عددهم 31، ومن ضمنهم 18 لاعباً من نادي تورينو)  قبيل بدء البطولة. اقتنع الإيطاليون في نهاية المطاف بالحضور والمشاركة، بيد أنهم سافروا على متن قارب بدلاً من الطائرة. نظراً لأن البرازيل وإيطاليا متأهلان تلقائياً، بقي 14 فريقاً، منها سبعة منتخبات أوروبية وستة من الأمريكتان وواحد من آسيا.

فى تلك البطولة ، ظهرت إنجلترا ( مهد كرة القدم ) للمرة الأولى فى بطولات العالم بعد انعزال إختيارى منها عن بطولة كأس العالم...

وافق الفيفا على مشاركة فرنسا ودعوتها للبطولة قبل أسبوعين من بدءها، ورفضت دول كالأتحاد السوفيتى والمجر وتشيكسلوفاكيا المشاركة فيها ، وانسحبت كل من الإكوادور والأرجنتين وبيرو عن المشاركة فى التصفيات لتتبقى من أمريكا الجنوبية دول تأهلت تلقائيا وهى باراغواي وبوليفيا وتشيلي وأوروجواي.

وانسحابات عديدة قبل التصفيات وفى أثناءها وبعدها لتكون تلك النسخة هى الأقرب للدورة الأولى فى كونها شبه ناتجة عن مشاركة لبعض المنتخبات بموجب دعوات مشاركة من الفيفا....

جرت القرعة في مدينة ريو دي جانيرو في 22 مايو 1950، ووضعت بموجبها الفرق الـ 15 الباقية في أربع مجموعات:

    المجموعة الأولى: البرازيل، المكسيك، سويسرا ويوغوسلافيا

    المجموعة الثانية: إنجلترا، تشيلي، إسبانيا والولايات المتحدة.

    المجموعة الثالثة: إيطاليا، الهند، باراجواي والسويد

    المجموعة الرابعة: أوروجواي، بوليفيا وفرنسا

ومن الطرائف كذلك أن الهند قد انسحبت بداعى التكلفة بالرغم من وعد الفيفا بالتكفل بالنفقات ولكنها صممت على الإنسحاب، وكذلك انسحبت فرنسا بعد الموافقة لعدم توفر المبلغ المطلوب للانضمام للمجموعة الرابعة. لم يكن الوقت كافياً لدعوة فرق بديلة أو إعادة ترتيب المجموعات، لذا فقد بدأت البطولة بـ 13 فريق فقط، وبقيت المجموعة الرابعة بفريقين فقط والمجموعة الثالثة بثلاث فرق!!!...

على الرغم من كل ماسبق، تعتبر تلك البطولة بالمقارنة بما سبقها من بطولات هى الأكثر جدية وعدد مباريات  مما أسفر عن فوز الفريق الأكثر استحقاقا للفوز بها  إذ لعبت المجموعات الأربع مباريات بنظام دورى من دور واحد وتأهل الأول من كل مجموعة لعمل مجموعة رباعية نهائية  تلعب كذلك بنظام دورى من دور واحد يكون متصدرها هو الفائز باللقب ولذلك كانت فرق المجموعة النهائية هى : الأورجواى / البرازيل / السويد/ أسبانيا

وفازت أورجواى باللقب الثانى والأخير فى تاريخها بعد الفوز على البرازيل على ستاد ماراكانا فى حضور 200 ألف متفرج أغلبهم من البرازيل لتكون إحدى الصدمات العنيفة فى تاريخ كرة القدم البرازيلية ، ويحكى بيليه الجوهرة السوداء البرازيلية- والذى كان لايزال طفلا وقتئذ-  أن مشاهدته لدموع أبيه يومها ودموع البرازيلين هى كانت أحد الحوافز لجيله من أجل تحقيق الألقاب الثلاث التى تحققت بين أعوام 1958 و1970...

عدد المباريات فى تلك البطولة 22 مباراة وتم إحراز 88 هدف فيها...

ألديمير هداف كأس العالم 1950 ب8 أهداف ( البرازيل)

ويعتبر النهائى فى 16 يوليو 1950 بين البرازيل والأورجواى من النهائيات التاريخية فى بطولات كأس العالم..

من حكايات ذلك الكأس أنه  قد حدثت حالة من الغضب بين جماهير البرازيل للدرجة التى خشى فيها اللاعبون والمدرب الفتك بهم ويقال أن حارس مرمى منتخب البرازيل باربوسا شعر بإكتئاب شديد وقتئذ وعندما فى شيخوخته أراد زيارة منتخب البرازيل فى عام 1993 وقبل كأس عالم 1994 لتحفيز اللاعبين قال أحد إدارى الفريق " إنه رجل لن يجلب لنا سوى سوء الحظ !!!" وقد قال الرجل فى حزن وبكاء قبل وفاته فى عام 2000 : "  أكبر عقوبة فى البرازيل هى البقاء فى السجن30 عاما وأنا أدفع ثمن جريمة لم أرتكبها لمدة 50 عاما..."

من ضمن تداعيات تلك البطولة كراهية البرازيل للزى الأبيض الكامل الذى ظلت ترتديه منذ عام 1919 ليتحول إلى الزى المعروف لنا الآن ( الأصفر والأزرق مع وجود للون الأخضر)