إنتقام إمرأة

كثيرا ما سمعنا عن الإنتقام وهو ثأر الشخص من آخر تسبب له فى ألم أو مصيبة أو فقد وغير ذلك، وأحيانا يكون الإنتقام كرد فعل مساويا للفعل الأصلى وأحيانا يفوقه. وبالرغم من أن الإسلام قد أظهر أن أخذ القصاص من أسباب استتباب الأمن فى المجتمع وجعل من وجود القصاص العادل ما هو بمثابة بعث الحياة من جديد للشخص المكلوم إلا أنه فى عصرنا الحديث فلا يوجد ثأر إلا من خلال الأطر القانونية التى يضعها دستور الدولة، فالشخص المكلوم الذى أصابه أذى يلجأ للقضاء من أجل إنصافه وعليه فالقضاء عندما يكون عادلا وسلطات الأمن عندما تكون قوية فإنهما يسهمان – أى القضاء وسلطات الأمن – فى إرجاع الحق لأصحابه فلا يضطر مكلوم- مهما بلغ مصابه- أن يحاول أخذ ما يظنه حقا له بوسائله الخاصة والتى فى أحيان كثيرة تبتعد عن القانون ، كما أن الإسلام يحث على أن الثأر وبعد التيقن الحقيقى من أبعاده يكون على قدر الضرر فلا إسراف أو تجاوز.... ومن أشهر قصص الإنتقام والتى يتم ضرب المثل بها هو" إنتقام الكونت ديمونت كريستو" وهو شخص قد تمت الوشاية به بغدر وظلم إلى الحاكم بزعم أنه يدبر مؤامرة عليه ويتم سجنه ظلما فى سجن شديد البؤس وفى سجنه يتعرف على شخص كان ثريا قبل دخوله السجن وله كنز مدفون يقوم بإخبار كريستو على مكانه ، وعندما تحرر بطلنا من سجنه بنجاحه فى الهروب منه، فإنه يذهب لإخراج الكنز المدفون والذى بسببه يصير ثريا وتفيده تلك الأموال الطائلة فىى تنفيذ إنتقام رهيب طال كل من ساهموا فى سجنه، وقد كانت هذه هى الرائعة التاريخية وأحد عيون الأدب الفرنسى للكاتب العالمى ألكسندر ديماس وقد تم عمل أعمال فنية سواء أفلام أو مسلسلات كلها تشتق من الإطار الرئيسى لتلك القصة أشهرها أفلام " أمير الإنتقام" لأنور وجدى أو " أمير الدهاء " لفريد شوقى أو " دائرة الإنتقام " لنور الشريف وغير ذلك... وقصة اليوم هى عن إنتقام إمرأة وهو إنتقام شديد ، ودائما ما يثير إنتقام المرأة التعجب بإعتبار أنه من المفترض أن المرأة كائن رقيق الحس لا يستطيع الشغب أو التدبير للمؤامرات، ولهذا فإليكم المقال التالى عن انتقام أولجا او Revenge of Olga

إنتقام إمرأة

إنتقام إمرأة

في العام 945 ميلادية كان قد مر أكثر من أربع سنوات  على زواج الأمير ايجو أمير كييف وما حولها من زوجته الأميرة أولجا والتي قيل أنها من أصل بلغاري وقيل من قبيلة روسية أخرى ولكن القول الأرجح هو أنه تزوجها من إحدى الدول الاسكندنافية لأن إسم أولجا هو اسم ينتشر بين سكان تلك المنطقة من النرويجيين والدانماركيين والسويديين...

تم اغتيال الأمير (ايجور روريك) أمير كييف عام 945 م ، علي يد قبيلة تعيش بشرق أوروبا تسمي قبيلة (الدريفليان)، فقد قاموا بثني شجرتين حتي تقابلاتا ومن ثم ربطوه بينهما ، ثم أفلتوا الشجرتين والذي أدي  الي انشطار جسده نصفين وتناثرت دمائه....

كان لذلك أثرا كبيرا في نفس أولجا فإلى جانب فظاعة المشهد ترملت هي وأصبح إبنها يتيما بلا أب... آلت الإمارة إليها بالوصاية على إبنها الأمير الذي كان في سن الثلاث سنوات وهو الوريث الشرعي للإمارة  وفي أثناء ذلك جاءتها الفرصة للإنتقام فقد أرسل أحد نبلاء  الدريفليان وهو بمثابة أميرها - بعد أن أشار عليه أهل قبيلته بذلك- ليطلب يدها للزواج ليس طمعا في جمالها فحسب ولكن في سبيل السيطرة على إمارتها ويكون الحكم لهم....

أرسل لها أمير الدريفليان في سبيل إقناعها بالزواج خيرة حكماء وعقلاء قبيلته فقالت في نفسها : " يا لتبجح ذلك الأمير يقتلون زوجي ويطلب بعدها يدي للزواج يظنني سأقبل مخافة أن ألقى مصير زوجي وهو لا يعرف أنها فرصتي ...!" بعد لقاءها لهم وسماع طلبهم أشارت لحراسها فقاموا بأخذ  كل من جاء رسول من الدريفليان ودفنوهم أحياء، ثم أرسلت للأمير تخبره بأنها قبلت عرض الزواج وتستأذنه في أن يبقى لها رسله لبعض الأيام لينشروا الخبر بين أهل بلدها وتكرم وفادتهم ...و كان لها رجاء عنده وهو أنه لابد وأن تقيم عزاءا مهيبا لزوجها السابق قبل أن يعلنا زواجهما رسميا وطلبت منه أن يرسل لها من إمارته من يستطيع من الرجال والجنود الأقوياء لتتباهي بهم بين أهل إمارتها،  فما كان من الأمير إلا الاستجابة وأرسل لها ممتنا خيرة شعبه من رجال وجنود ...كان الأمير قد أرسل أقوى جنوده وأشدهم للعزاء ولما رأتهم الأميرة إستضافتهم وأغلقت عليهم وأحرقتهم جميعا بعد حصارهم من جنودها من كل جانب!!!

علم أمير الدريفليان (التي كانت تشتهر بعشش الحمام وإنتاج العسل) ما وقع لجنوده وخيرة شعبه فأيقن بمدى سذاجته ولكن الأميرة أوليجا لم تمهله للتصرف فبعد حرقها لمن حضر لديها من الدريفليان توجهت إليه بجيشها وحاصرت القبيلة فطلب منها أهلها العفو مقابل كل ما ينتجونه من العسل فوافقت شريطة أن يجلبوا لها مع العسل ثلاث حمامات من كل بيت في امارتهم فاستجاب أهل الإمارة ورأوه شيئا هينا أمام افتداء أرواحهم ، وأحضروا لها الحمام وعادوا لبيوتهم المبنية من الحطب والخشب  ظانيين انها ستفك الحصار ولكنها لم تفعل وربطت خيطا طويلا في آخره قطعة قماش مغموسة في وقود ومشتعلة وتركتهم ليعودوا لعششهم فاشتعلت النيران في كل بيوت القبيلة وأثناء هروبهم منها أخذت تقتل الواحد تلو الآخر وأخذت الباقي عبيدا لها .. لتكون قتلت شعبا  بأكمله انتقاما لزوجها  في واحدة من أكثر صور الانتقام الأنثوي ضراوة.... ولتخلد قصة أوليجا لتكون أميرة الانتقام، وإلى اللقاء فى مقال آخر عن قصة إنتقام الوالى محمد على.....