إعدام الوردانى ( غزال البر صابح ماشى)

فى يوم 28 يونيو 1910، تم تنفيذ حكم الإعدام على إبراهيم ناصف الوردانى، الذى قال وهو واقف على طبلية الإعدام وبعدما نطق الشهادة "الله أكبر الذى يمنح الحرية والاستقلال"... كان إبراهيم الوردانى رغم كونه متهما بالقتل العمد وتتم محاكمته على ذلك، يلاقى تعاطفاً كبيرا من الرأى العام المصرى وأسماه البعض "غزال البر"، وغنوا له صباح يوم إعدامه "قولوا لعين الشمس ماتحماشى لحسن غزال البر صابح ماشى"، وأصبحت هذه الجملة واحدة من أشهر جمل المصريين فى وداع كل عزيز، فاستخدمها شاعر العامية المصرية بيرم التونسى فى قصيدة تتحدث عن الزعيم الوطني المصرى سعد زغلول وقال: " قولوا لعين الشمس ما تحماشى.. لاحسن رئيس الوفد صابح ماشى"، وكذلك هى الجملة التي أٌخذت منها أغنية المطربة المصرية شادية الشهيرة " قولوا لعين الشمس" لكنها بدلت "حبيب القلب" بـ"غزال البر"...

إعدام الوردانى ( غزال البر صابح ماشى)
الوردانى وبطرس باشا غالى

إعدام الوردانى

( غزال البر صابح ماشى)

إبراهيم ناصف الوردانى ( 1886- 1910) درس الصيدلة فى سويسرا، حيث عاش بها عامين بدءا من سنة 1324 هـ / 1906م، ثم سافر إلى إنجلترا وقضى بها عاما حصل خلاله على شهادة فى الكيمياء ثم عاد إلى مصر فى ذى الحجة 1326 هـ / يناير 1909م ليعمل صيدلانيا، وكان عضوا فى الحزب الوطنى...

بطرس باشا غالى  مولود فى ١٨٤٦م، فى بلدة الميمونى بمحافظة بنى سويف، وكان أبوه هو نيروز غالى ناظر الدائرة السنية لشقيق الخديو إسماعيل فى صعيد مصر، ونشأ محباً للإنجليز وعمل فى وزارة مصطفى فهمى باشا الذى وصفه الإنجليز بأنه إنجليزى أكثر من اللازم ومصرى أقل من اللازم. كان بطرس باشا غالى هو أول شخصية قبطية تحصل على رتبة الباشوية فى تاريخ مصر، وقد توسط له فيها الزعيم أحمد عرابى، وقد تولى نظارة الخارجية واستمر فى هذا المنصب 13 عاماً من 12 نوفمبر 1885 حتى 1908، وهى أطول فترة يشغلها ناظر فى مثل هذا المنصب الرفيع، كما تولى وزارة المالية عام ١٨٩٣م فى بداية عهد الخديو عباس حلمى الثانى فى وزارة رياض باشا ووزارة الخارجية فى الوزارة الثالثة التى شكلها مصطفى فهمى باشا وبعد سقوط هذه الوزارة أسند إليه الخديو عباس حلمى الثانى رئاسة الوزراء لعامين من 12 نوفمبر 1908 إلى 1910 وحين كان وزيرا للخارجية صاغ ووقع على اتفاقية الحكم الثنائى الإنجليزى المصرى للسودان ثم تولى رئاسة وزراء مصر.

الأعمال السلبية التى قام بها بطرس غالى باشا أثناء توليته الوزارة والتى كانت من عوامل مقت الشعب له والتى دفعت لإغتياله :

  • حين كان رئيساً للوزراء وافق على فكرة تمديد الامتياز لقناة السويس٤٠ عاماً إضافية من 1968 إلى 2008 مقابل ٤ ملايين جنيه يتم دفعها على أربعة أقساط، وكان الزعيم محمد فريد قد تمكن من الحصول على نسخة من هذا الاتفاق ونشرها فى جريدة الحزب الوطنى «اللواء» لكن الجمعية الوطنية رفضت المشروع إثر ضغط وطنى.
  • لعب بطرس غالى دورا كبيرا فى حادثة دنشواى عام 1906، والتى كانت من المحطات الهامة فى تاريخ الإنجليز فى مصر والمحكمة التى عُقدت للأبرياء فقد ترأسها بطرس غالى، باعتباره قائماً بأعمال وزارة الحقانية، وقضت بالإعدام شنقاً لأربعة من الأهالى وبالأشغال الشاقة مدداً مختلفة لآخرين، وبالجلد خمسين جلدة للباقى، وتم تنفيذ الأحكام بعد محاكمة ثلاثة أيام فقط أمام الأهالى.
  • بعد حادثة دنشواى، والغضب الذى اجتاح الرأى العام المصرى طلب الإنجليزمن حكومة بطرس غالى ضرورة إعادة العمل بقانون المطبوعات الصادر فى عهد الخديو توفيق، وكان الهدف منه مراقبة الصحف ومصادرتها..
  • وقع على اتفاقية الحكم الثنائى الانجليزى المصرى للسودان عام 1899 وكانت بداية المخطط لتقسيم السودان، حيث دخل الانجليز السودان على حساب مصر.

استطاع محمد فريد الحصول على نسخة من مشروع (تمديد الامتياز لقناة السويس٤٠ عاماً إضافية) ونشرها فى جريدة «اللواء» وبدأت حملة  ضد ذلك تبناها الحزب الوطنى، لتعبئة الرأى العام المصرى ضد المشروع وطالبت بعرضه على الجمعية العمومية  لأخذ رأيها فيه. وفى جلسة الجمعية العمومية حضر الشاب إبراهيم الوردانى، وتأثر بما دار من مناقشات وخرج عازماً على اغتيال بطرس غالى لموافقته على مد المشروع.

 فى يوم 20 فبراير عام 1910، وأمام وزارة الحقانية ، وفى حدود الساعة الواحدة ظهرا، أطلق إبراهيم نصف الوردانى 6 رصاصات على بطرس باشا غالى، وقد استقرت اثنتان منها فى رقبته...

وعندما سُئل إبراهيم ناصف الوردانى فى التحقيق المبدئى عن السبب الذى دفعه لقتل رئيس وزراء مصر، قال جملة واحدة "لأنه خائن للوطن".

وحاول بطرس باشا تبرئة نفسه من التهم التى وجهت إليه، فقال وهو فى المستشفى قبل وفاته بدقائق "يعلم الله أننى ما أتيت ضرراً ببلادى، و لقد رضيت باتفاقية السودان رغم أنفى وما كان باستطاعتى أن أعترض عليها. إنهم يسندون إلى حادث دنشواي، و لم أكن منها و لا هى منى، و يعلم الله أننى ما أسات إلى بلادى". !!!

عندما أبلغ الخديو عباس حلمى الثانى بخبر إطلاق الرصاص على بطرس غالى، غضب وتأثر وأصدر  أوامره فى الحال تليفونيا إلى فتحى باشا زغلول، وكيل وزارة الحقانية (العدل)، باتخاذ جميع الوسائل الممكنة بكل سرعة للعناية بالجريح.

وزاره الخديو عباس، فى المستشفى وعندما دخل عليه فى غرفته وقبله فى وجهه، تنبه بطرس قليلا، فجعل يقول: " العفو يا أفندينا.. متشكر.. العفو يا أفندينا.. متشكر"، وأمر الخديو أن تبلغ له أخبار الباشا أول بأول.

وما أن أعلنت وفاة بطرس باشا، عقد مجلس النظار (الوزراء) برئاسة الخديو فى سراى عابدين، وقرر تعطيل نظارات الحكومة وجميع مصالحها والمدارس الأميرية إلى أجل غير مسمي. وكذلك تنكيس الأعلام على الثكنات العسكرية ودور الحكومة حدادًا على الباشا.

على المستوى الشعبى ، لاقى إبراهيم الوردانى تعاطفاً كبيرا من الرأى العام المصرى،  وعندما لاحظت الحكومة المصرية التعاطف الكبير مع الوردانى، تم منع الجمهور أو مندوبى الصحف من مشاهدة تنفيذ الحكم، ومنعت المشاركة فى تشييع جنازته إلى مقابر الإمام الشافعى، وأيضا منعت الجمهور من التجمهر عند قبر إبراهيم الوردانى، وأخيرا أصدرت الحكومة قرارا يحرم على أى مصرى الاحتفاظ بصورة الوردانى، وهو القرار الذي استمر حتى ألغته ثورة يوليو 1952.!!!

مقتطفات وغرائب من محاكمة الوردانى:

  • لم تبدأ محاكمة الوردانى إلا بعد شهرين من وقوع الحادث، أى فى 21 أبريل.
  • كان يرأس المحكمة الإنجليزى دلبر وجلى، وحملت المحاكمة تفاصيل مثيرة،
  • تذكر كتب التاريخ أن الشاب لم يندم على ما أقدم عليه، وتحلى برباطة جأش أثناء التحقيق معه وصفت بـ"الغريبة".
  • فى أثناء التحقيق معه، حاول الإنجليز الترويج لفكرة أن الاغتيال كان نتيجة التعصب الإسلامى تجاه المسيحيين، فجاء رد المحامى المسيحى ناصف أفندي جنيدى منقبادى: " إننا جميعا قد ضاقت صدورنا من السياسة المنحازة للإنجليز التي كان يدافع عنها بطرس باشا، و إنني لأصرح بصفتي مصريا قبطيا أن حركتنا إنما هي حركة وطنية ترمى إلي الحرية ".
  • كان المحامى الشهير وقتئذ ( إبراهيم الهلباوى) ممثلا للإدعاء فى قضية دنشواى، وكانت بمثابة مأساة حياته وأثرت على عمله كمحامى شهير وعاش فيما تبقى له من حياته بعد تلك الحادثة فيما يسمى ( عقدة دنشواى) وندم على إرتضاؤه تمثيل الإدعاء فيها، وعليه فعندما اختاره إبراهيم ناصف الوردانى - دون غيره من محامى مصر- كمحامٍ يدافع عنه بعد اغتياله لبطرس غالى عام 1910، فقد وافق بل الغريب أنه إستجاب لشرطه بأن ينتقد فى دفاعه عنه حادثة دنشواى والمحاكمة التى تمت فيها!!! وأغلب الظن أنه كان يتمنى التخلص من عقدة الذنب فيها بالدفاع عن الوردانى.
  • فى 12 مايو 1910 صدر الحكم بإحالة أوراق المتهم الوردانى إلى بكرى الصدفى، مفتي الديار المصرية للتصديق على إعدامه، إلا أن مفتى الديار المصرية وقتها رفض حكم الإعدام، وكان هذا أول  رفض من دار الإفتاء لحكم إعدام...
  • القاضي الانجليزى تجاهل رفض المفتى، وكذلك رفض الطعن الذي قدمه دفاع الورداني فى 10 يونيو، وتم تنفيذ حكم الإعدام يوم 28 يونيو 1910...
  • وإلى فيديو الأغنية التى تم غنائها تخليدا للوردانى بصوت الراحلة شادية
  • وإلى سرد وثائقى