9- سارق النعمة ( حلقة 9)

" ملحمة الحرافيش " هى إحدى الرويات العظيمة للكاتب العالمى الحائز على نوبل " نجيب محفوظ" والتى أتشرف بعرض ملخص دقيق لها غير مخل بأحداثها الكثيرة فى مدونة " إبداع القلم"، وهى بحق رواية ممتعة خصبة ودسمة بالأحداث والتى تعكس ذلك الصراع الأبدى بين الخير والشر وقد كان من نهج نجيب محفوظ الترميز فى أعماله القصصية فجعل من الحارة المصرية رمزا للوطن وأبناء الحارة هم الجمهور والفتوات هم رمز للسلطة وفى هذه الرواية أظهر تباينا بين سلوك من تولوا السلطة أو الفتونة فى هذه الحارة منذ ظهور عاشور الناجى مرورا بأحفاده الذين تباينوا بين الخير والشر وبين حب أهل الحارة وبين التجبر عليهم، وسأعرض للملخص فى حلقات كثيرة آملا فى المتابعة المستمرة لكل ما هو شيق تقدمه المدونة خدمة للقارئ العربى فى زمن عز فيه الكتاب وغلا ثمنه وشحت فيه الأوقات المتاحة للقراءة، فإلى سلسلة ملحمة الحرافيش والحلقة التاسعة بعنوان " سارق النعمة "......

9- سارق النعمة  ( حلقة 9)

9- سارق النعمة  ( حلقة 9)

الحلقة السابقة بعنوان " الأشباح " اضغط من هنا

أصبح سماحة شمس الدين الناجى هو الفتوة وإنهار إلى الأبد سمعة الكلبشى وكم فرحت نور الصباح بذلك وإعتبرته إنتصارا على غريمتها سنبلة التى أضحت أرملة بعد وفاة شمس الدين ولكنها أنجبت منه إبنا أسمه فتح الباب وقد صار سماحة هو الوصى على ميراثه وهكذا إستحوذ سماحة على جل ثروة أبيه.

إستغل سماحة وقائع الحادثة التى توفى فيها والده وأوهم الناس أنه دخل تلك المعركة دفاعا عن أبيه ولكن كثيرين لم يقتنعوا بهذا القول لأسباب منها كراهية سماحة القديمة والمعروفة لأبيه ولأنه كان بالفعل يضمر الإطاحة بسمعة الكلبشى وأنه إستغل مشاجرته مع أبيه شمس الدين لتحقيق ذلك....

صار سماحة من الفتوات الأشداء ولم يختلف كثيرا عن سابقيه من الفتوات المكروهين وأنشأ بماله ومال أخيه (الوصى عليه) وكذا بالإتاوات دارا جميلة وظل سماحة على سلوكه الجانح إلى المجون والعربدة...

تزوجت سنبلة بعد ذلك وضاق زوجها ذرعا بفتح الباب فما كان منها إلا أن مضت به إلى الفتوة سماحة  طالبة منه رعايته ولكنه لم يرحب وبالطبع لم ترحب به أمه نور الصباح ولكن سماحة لا يريد المعايرة بعدم رعايته لأخيه فعهد إلى أرملة (صديقة لنور الصباح إسمها سحر الداية دون ذرية وبالمصادفة تنتسب إلى آل الناجى) كى ترعى أخيه فتح الباب وسحر الداية هذه كانت إمرأة طيبة القلب تحن على فتح الباب كما لو كانت أمه وأحبها هو بدوره وإعتبرها أما له....

فتح الباب كان فتى مهذب رقيق الحاشية دمث الخلق متفوق فى الكتاب ولم تكن هيئته تشى بأنه قد يكون فتوة إذ كان متوسط القوة...

أما فيما يتعلق بسماحة فقد تزوج من فتاة جميلة هى فردوس حفيدة المرحوم المعلم راضى محمد أنور إبن زهيرة وبفضل ذلك الزواج صار مديرا لمحل الغلال ومالكه الفعلى كما وهبته تلك الزيجة عطايا من الحياة الرغدة الهانئة وبسبب إدارته لمحل الغلال وما فيها من أبهة أصبح محبا لجمع المال فقرر أن يعيد سيرة جده جلال صاحب الخوارق المجنونة وأن يفرض سيطرته على الأشياء الثمينة كما فرض سيطرته من قبل على الناس...

كانت فردوس إمرأة ذكية تحب زوجها ولا تبخل بأى جهد يمكنها من تهذيب زوجها فنجحت فى إمتلاكه بتسلل عذب لا تحدى فيه ولا تكبر...

كانت سحر الداية تحب فتح الباب ولا تكف عن رواية سيرة آل الناجى العظام إليه وكانت تحاول قدر الإمكان إغفال الأشخاص السيئين من هذه السيرة وكان من نتيجة  ذلك أن تشربت ذاته حب جده الأول عاشور ولطالما تمنى أن يكون مماثلا له ولكنه يعلم أنه تعوزه القوة لذلك!!!!

عندما أصبح فتح الباب فى سن المراهقة وبداية الشباب فكرت سحر فى مستقبله وقررت أن تسعى لدى سماحة ووالدته نور الصباح من أجل إلحاق فتح الباب للعمل لدى أخيه وكانت تعدد لهما مزاياه كفتى يتحلى بالخلق القويم ويدرك من العلم كما لا بأس به...

وبالرغم من نفور نور الصباح وسماحة إلا أنهما إضطرا لإلحاقه للعمل بالمخزن كمساعد لأمينه وكان دوره هو تسجيل محتوى المخزن من الغلال كل صباح....

وعملا بنصيحة سحر وحتى يظل حائزا على الرضا فقد إضطر وهو كاره أن يزور كلا من نور الصباح زوجة أبيه الأولى وكذلك فردوس ولكنه لاحظ منهما فتورا جعله يمقتهما فى سره ويأبى فى قرارة نفسه معاودة ذلك الأمر...

وبمرور الأيام إكتسب فتح الباب الخبرة وأصبح حائزا على ثقة أخيه سماحة وكذا ثقة رئيسه أمين مخزن الغلال وتحسنت تبعا لذلك أحواله المادية....

وتأتى على الحارة أيام سود إذ عمها مجاعة لم يسبق لها مثيل وعانى معظم الناس من ندرة فى الطعام وبخاصة الفول والعدس والشاى واللبن وإختفى الأرز والسكر وأصبح الرغيف ثمينا ونتج عن ذلك أن تعددت السرقات وتعاقب خطف الدجاج والأرانب وتضخم شبح الجوع للدرجة التى جعلت بعض الناس لا يأنف من أكل الخيل والحمير والكلاب والقطط بل كانوا على وشك أكل بعضهم بعضا....

وفى أثناء هذه المجاعة تم زفاف إحسان إبنة الفتوة سماحة إلى إبن صاحب وكالة الخشب وأقيم لذلك حفل بهيج غير مسبوق فى الحارة إستفز الناس الجوعى فقاموا بشغب أفسد ذلك الحفل، فكان إنتقام سماحة بإخضاع الحارة لحظر فى التجوال وعليه فقد خلت الحارة من السابلة وأغلقت الدكاكين وحتى الزاوية لم يقصدها أحد للصلاة وإزدادت كراهية الناس ومن بينهم فتح الباب لسماحة لإحساسهم بخسته إذ يملك ما يسد به رمقهم ولكنه يضن عليهم به ولا يعطيهم منه شيئا، ولكن فى أثناء ذلك كانوا يفاجئون بمن يعطيهم الإحسان متخفيا فى الظلام الحالك لليل ولم يتمكنوا من معرفة هذا الشخص الكريم وتداخلت فى عقولهم الأوهام فظنوه عاشور الناجى قد بعثه الله ليفرج كربتهم!!!

ولكن لم يستمر ذلك سوى بضع أيام إذ بعدها تم إكتشاف كل شئ، وهو أن ما يتم الإحسان به يتزامن مع نقص شديد فى مخزن سماحة للغلال وإرتاب سماحة فى أمين مخزنه ولكنه أثبت أنه ليس له يد فى ذلك ثم كان إكتشاف ذلك المحسن المتسبب فى نقصان مخزن الغلال فما هو سوى فتح الباب الذى يسرق من مخزن غلال سماحة ليعطى للفقراء والحرافيش وحينئذ توعده سماحة بالتعذيب الشديد الذى يعقبه الموت....

إستفز ما يحدث من تعذيب لفتح الباب الفقراء والحرافيش لأنهم يحسون أن ما يلاقيه من عذاب هو بسبب تفكيره فيهم وفى معاناتهم فلم يتهاونوا فى نجدته وقاموا فى أثناء ذلك بنهب محلات سماحة ومنازله ومنازل رجاله وحرروا فتح الباب من قبضة رجال سماحة وأصبح الحرافيش زمرة ذات قوة لا يستهان بها وشجعهم عددهم الكبير على الثورة فقاموا بقذف سماحة بالطوب حتى أردوه قتيلا...

قام الحرافيش بتنصيب فتح الباب فتوة على الحارة لأنهم رأوه الباعث لقوتهم الكامنة وعلى الرغم من عدم قوته البدنية إلا أنه وبفضل رجلين كانا من عصابة سماحة وهما دنقل وحميدة تمكنوا من السيطرة على الفتونة وإجبار الجميع على إحترام وقبول فتح الباب كفتوة للحارة....

رغب فتح الباب فى إعادة الفتونة لما كانت عليه فى عصرها الذهبى أى أيام عاشور وشمس الدين وكان يرغب فى تحقيق العدل وإعطاء الفقراء حقوقهم من الأغنياء ولكنه لاحظ أن ذلك لن يمكن تحقيقه طالما رجاله ما يزالون يطمعون فى أنصبة كبيرة من الإتاوات ويرفضون العمل فى حرف أخرى بجانب الفتونة وإزاء أمنياته تلك حاول دنقل وحميدة إقناعه بالصبر وإستحالة حدوث ذلك لأن الرجال لن يقبلوا أبدا بالحياة البسيطة فغضب فتح الباب وأراد التخلى عن الفتونة وخشى دنقل وحميدة من تأثير ذلك على الناس وبخاصة الحرافيش إذ قد يؤدى ذلك لمعاودتهم الثورة فهددوا فتح الباب وليأمنوا رد فعله أضطروا إلى أسره حتى لا يستطيع الإتصال بأحد أو أن يتصل به أحد وظل فتح الباب على هذه الحال وأشاعوا بين الناس أنه يبغى من ذلك الزهد...

وحدثت خلافات بين دنقل وحميدة وحدثت معركة بينهما إنتصر فيها حميدة وأصبح هو الرجل الأول فى العصابة وعندما إطمأن جانبه من ناحية الحرافيش أعلن نفسه فتوة للحارة وحينها طلب فتح الباب الخروج من إقامته الجبرية لأنه لم يعد هناك مبرر لذلك ولكنه فوجئ بأن حميدة ما يزال يخشاه وبالتالى رفض خروجه...

وهكذا إنتهت سيرة فتح الباب كحلم جميل لم يكتمل حتى عثروا عليه يوما جثة مهشمة فى أسفل مئذنة جلال المجنونة وتم تفسير ذلك للسائلين بأن فتح الباب أصابه حزن بالغ على ضياع الفتونة من بين يديه دفعه إلى التسلل ليلا إلى مئذنة جده المجنون فأرتقى فيها إلى أعلى شرفة ثم أسقط نفسه منتحرا هالكا كافرا!!!

الحلقة القادمة والأخيرة بعنوان " التوت والنبوت" اضغط من هنا

يتبع