8- الأشباح ( حلقة 8)

" ملحمة الحرافيش " هى إحدى الرويات العظيمة للكاتب العالمى الحائز على نوبل " نجيب محفوظ" والتى أتشرف بعرض ملخص دقيق لها غير مخل بأحداثها الكثيرة فى مدونة " إبداع القلم"، وهى بحق رواية ممتعة خصبة ودسمة بالأحداث والتى تعكس ذلك الصراع الأبدى بين الخير والشر وقد كان من نهج نجيب محفوظ الترميز فى أعماله القصصية فجعل من الحارة المصرية رمزا للوطن وأبناء الحارة هم الجمهور والفتوات هم رمز للسلطة وفى هذه الرواية أظهر تباينا بين سلوك من تولوا السلطة أو الفتونة فى هذه الحارة منذ ظهور عاشور الناجى مرورا بأحفاده الذين تباينوا بين الخير والشر وبين حب أهل الحارة وبين التجبر عليهم، وسأعرض للملخص فى حلقات كثيرة آملا فى المتابعة المستمرة لكل ما هو شيق تقدمه المدونة خدمة للقارئ العربى فى زمن عز فيه الكتاب وغلا ثمنه وشحت فيه الأوقات المتاحة للقراءة، فإلى سلسلة ملحمة الحرافيش والحلقة الثامنة بعنوان " الأشباح "......

8- الأشباح ( حلقة 8)

8- الأشباح ( حلقة 8)

الحلقة السابقة بعنوان " جلال صاحب الجلالة " اضغط من هنا

بعد الوفاة البشعة لجلال عبد ربه، أصبح مؤنس العال هو الفتوة الذى لم يكن يشبه جلال فى قوته مما دفعه لمهادنة وصداقة فتوات الحارت الأخرى وشراء سلامته وسلامة رجاله بالهدايا والإتاوات لفتوات الحارات المجاورة وبالرغم من ذلك فقد كان متجبرا شديد التجبر داخل حارته وبخاصة على الفقراء والحرافيش.....

ورث عبد ربه وراضى كل ما تركه جلال من ثروة وبعد وفاته تناثرت الأقاويل حول السبب الحقيقى لبناءه المئذنة العجيبة ولعزلته المفاجئة وبسبب ذلك أصبح جلال يوصف من قبل أهل الحارة بالملعون المجنون وصارت مئذنته العجيبة مأوى للحشرات والهوام وكان الناس يتحاشونها ظنا منهم أنها مأوى للعفاريت!!!

عرفت زينات أنها تحمل فى أحشائها ثمرة خطيئتها مع جلال وللغرابة فقد فرحت لذلك وحرصت على الحفاظ على ذلك الجنين وعندما أنجبته أسمته جلال عبد الله وجاهرت بحمله أمام جميع الناس دون وجل أو خوف بل وذهبت إلى المعلم عبد ربه وإلى المعلم راضى تزعم لهما أنه إبن جلال ولكنهما رفضا الموافقة على زعمها والإعتراف بذلك الطفل لأنهما يريانها إمرأة داعرة وهكذا فقد ترعرع جلال فى الحارة كطفل مجهول النسب أو إبن حرام ولكن نموه المطرد وهيئته كانت تشى بأنه لا شك إبن جلال دون غيره وعندما كبر جلال عبد الله قليلا عرف من أحاديثه مع أمه وبعض الناس أن المعلم عبد ربه هو جده وأن الوجيه راضى هو عمه ولكنه لم يرد فعل شئ وآثر الصمت....

عندما رغبت زينات فى تزويج إبنها من إبنة المعلم الجدع (صاحب العمل الذى يعمل فيه جلال عبد الله  والذى طالما عطف عليه) وطلبت يدها منه رفض رفضا قاطعا بل أجابها بفظاظة ليتحمل جلال تلك الطعنة صابرا ولكن ما لبث أن توفى المعلم الجدع لتتشجع زينات من جديد وتعاود طلبها يد إبنته عفيفة ويحالفها الحظ هذه المرة لأن الفتاة كانت تميل له، وعندما تزوج جلال عبد الله منها ترقى وأصبح صاحب كارو وتحسنت أحواله المادية ولقد أنجب منها بنات ثم أنجب أخيرا ولدا أسماه شمس الدين جلال الناجى....

أشتهر جلال فى الحارة بالطيبة والأمانة وحسن الخلق والورع والتدين وكان يعيش فى سلام وهناء مع عفيفة مقتنعا بها كزوجة وأحسن تنشئة شمس الدين وفى أثناء ذلك كان بمثابة الإبن البار لزينات رغم ما تجرعه بسبها من سوء سمعة وعندما بلغ جلال عبد الله الخمسين من عمره توفيت والدته زينات بعد أن جاوزت الثمانين ومما أثار دهشة من حوله أنه كان حزينا عليها حزنا عميقا ورآه بعضهم يبكى فى حرقة عليها بالرغم من أنه نفسه كان يلعنها فى سريرته ولقد كانت تتنازعه نحو أمه نزعتان نزعة حب بالغ من إبن تجاه أمه ونزعة الكراهية الشديدة لها لما عاناه من سمعتها وبعد وفاة والدته زينات تبدل سلوكه فيما يشبه الإنهيار إذ كف عن الصلاة وهجر الذهاب إلى الزاوية وماج بإنفعالات عنيفة غير مبررة وتجرأ على دخول الخمارات وبمرور الوقت ذاعت أخباره وتعجب لها الناس وقالوا أن هذا هو المنتظر من مجنون إبن مجنون ولم يكتفى جلال عبد الله بما سبق بل أخذ يغازل البنات المراهقات فتخلى تماما عن وقاره وقادته قدماه ذات ليلة إلى مسكن دلال الغانية وإنفرط منه الزمام وأصبح رجل الإنحلال والفضائح....

تألمت عفيفة وتألم شمس الدين لما آل إليه حال جلال وأصبحا يخجلان منه وفى أحد الأيام عرف شمس الدين أن أبيه يرقص شبه عار فى البوظة فأستشاط غضبا  فذهب إليه وتوسل له أن يعود معه إلى منزلهما ولكن الرجل إنهال على إبنه صفعا من شدة السكر ثم تهاوى على الأرض وعاد به شمس الدين إلى المنزل ولكن جلال عندما إستفاق إغتاظ لما فعله إبنه فأخذ يضرب ويركل شمس الدين وكذلك أخذ يخنق زوجته عفيفة وإزاء ذلك المشهد تناول شمس الدين المقعد الخشبى القريب منه وإنهال به على رأس أبيه وأصبح جلال بين الحياة والموت وجاءه حلاق الصحة لتقديم الإسعافات الأولية الضرورية ومحاولة إيقاف الدم المتدفق وفى أثناء إسعافه لجلال سأله عن السبب فى ذلك فلم ينبس ببنت شفه عن المشاجرة ولم يتهم إبنه ليموت وسط دهشة الجميع مما فعله فى آخر لحظات حياته وهذا الموقف آذى شمس الدين نفسيا الذى أخذ يؤنب نفسه وفى هذه الأثناء كانت عفيفة تطلب منه عدم تحميل نفسه إثم ما حدث لأنه فعل ذلك دفاعا عن أمه التى كادت تختنق بيدىّ جلال وعزته بأن لعل فيما قام به جلال فى سكرات موته (عدم إتهام إبنه) كفارة لذنوبه التى إقترفها فى أعوامه الأخيرة....

فى أحد الأيام دعا عبد ربه شمس الدين حفيد إبنه - وكان حينئذ قد تجاوز المائة عام من عمره ولكنه مع ذلك كان موفور الصحة ووقور- طالبا منه الموافقة على تعويض سيقدمه كتكفير عن عدم إعترافه المسبق بأبيه ولكن شمس الدين رفض فى كبرياء...

أصبح شمس الدين منهمكا فى عمله مغرقا نفسه فيه وأشتهر فى الحارة بالتقوى والإستقامة ولكنه كان يؤلمه ما يتداوله بعض الناس من أنه قد قتل أبيه وأرادت أمه تزويجه كى تخرجه من حالة الغم التى تتملكه ولكن الأسر كانت ترفضه لسابق سيرة أهله ولم يبال شمس الدين برفضهم بل أتى بما أثار دهشة الجميع إذ طلب من أمه أن تزوجه من فتاة داعرة متهتكة مجهولة الأصل تدعى نور الصباح العجمى وعبثا حاولت عفيفة إثناءه عن نيته تلك ولكنه كان يجيبها بأنها ربما تكون المرأة الوحيدة التى تقبل الزواج منه دون تحفظات وقد سخرت الحارة بأكملها من تلك الزيجة وإعتبرت شمس الدين مجنون!!!!

وينجح الزواج بالرغم مما إكتنفه فى بعض الأحيان من مشاحنات بين نور الصباح وحماتها(عفيفة) وأنجبت له نور الصباح ثلاث بنات ثم أنجبت له سماحة شمس الدين الناجى والذى لم يكن له جمال أبيه أو جده ولكنه يبشر ببنيان أشد...

عندما بلغ سماحة الشباب كان شابا جامحا متهورا لا يحب العمل وفى أحد الأيام بلغ شمس الدين أن إبنه يتسلل ليلا بعد نومه كى يقابل كريمة العنابى وهى إمرأة أكبر عمرا من جدته عفيفة فتتبعه شمس الدين وعندما أيقن بصحة ذلك ضربه وعنفه خاصة أنه كان شاربا للخمر ويبدو أن إبنه أحب هذه المرأة لأنها كانت تنفق عليه...

توفى عبد ربه موصيا لسماحة بخمسمائة جنيه ولكن شمس الدين رفض أن يسلمها لسماحة إلا بعد بلوغه سن الرشد وأخذ يشدد الرقابة عليه وفى أحد الأيام عندما تواجهت عينا شمس الدين مع عينىّ سماحة أيقن أن إبنه يكرهه وفوجئ ذات يوم بهروب سماحة ومعه الخمسمائة جنيه التى سرقها ولم يظهر له أثر لفترة وكانت تلك لطمة لشمس الدين جعلته يغمغم دائما( أمرك يا رب)...  

وعاد سماحة بعد غيبة قصيرة وإن كان قد بلغ خلالها سن الرشد وتغيرت هيئته إذ بدت عليه القوة والشراسة وإمتلأت صفحة وجهه بالكدمات والندوب والعاهات المستديمة، وقد عاد سماحة مفلسا وناشده أبوه بدء صفحة جديدة وأن يركز فى عمل يكتسب منه رزقه ولكنه إستمر على حاله من التعطل وطلب النقود من أبيه ولأنه صار بالغا فقد إجترأ على إرتياد البوظة ودور الدعارة....

توترت العلاقة مجددا بين شمس الدين وإبنه سماحة لما سبق وكذلك لأن إبنه لم يتورع عن سرقته وهكذا فقد تبرأ منه شمس الدين معلنا ذلك أمام عامة الناس ونتج عن ذلك شجار بالغ بين شمس الدين وزوجته نور الصباح أسفر عن طلاقهما...

أقامت نور الصباح مع إبنها سماحة فى شقة واحدة وإنخرط سماحة فى عصابة سمعة الكلبشى فتوة الحارة وأخذ يجاهر بكراهيته لأبيه بل إنه كان أكثر الناس سخرية بسيرة عاشور الناجى وأبناءه!!! وعرف شمس الدين بأن إبنه يجاهر بكراهيته وحذره آخرون من إحتمال إقدام إبنه على قتله وبخاصة لأنه أصبح فردا من عصابة سمعة الكلبشى وهكذا عاش شمس الدين يترقب فى خوف ولكى يأمن طلب يد إبنة سمعة الكلبشى ووافق سمعة وبخاصة لأن شمس الدين أصبح الآن من الأثرياء وتم زفاف سنبلة سمعة الكلبشى إلى شمس الدين ولم يكن شمس الدين يحبها أو يتمناها لدمامتها ولنسبها إلى أبيها ولكنه إضطر إلى ذلك مخافة بطش أبيها أو غدر إبنه...

وكنتيجة لما سبق إغتاظت نور الصباح وإغتاظ أكثر منها سماحة الذى أيقن أنه بعد ذلك الزواج سيسعى سمعة الكلبشى جاهدا كى يستأثر بثروة أبيه فأصبح هو الآن الذى يخشى غدر سمعة!!!

حاول سمعة الكلبشى أن يقنع شمس الدين بأن سماحة إذا عرف أنه قد قام ببيع أملاكه لزوجته سنبلة بيعا صوريا فإن ذلك كفيل بأن يجعل اليأس يتملكه فيرحل عن الحارة أما شمس الدين فقد أدرك المغزى من وراء ذلك وهو أن سمعة الكلبشى يطمع فى ثروته وطلب مهلة للتفكير ولكنه أجابه بالرفض وهو ما لا يوافق هوى سمعة الذى إعتبر ذلك بمثابة التحدى لإرادته من قبل شمس الدين والذى يستوجب التهذيب فوقع شجار عنيف وكان سمعة قريبا من الفوز حتى حدث تدخل مفاجئ من سماحة وبعض الرجال الذين إنضموا إليه وتمكنوا من السيطرة على سمعة الكلبشى وزمرته وهزيمته وتم حمل شمس الدين إلى بيته محطما وما لبث أن أسلم الروح أما سماحة فقد تدوى من جراحه وأصبح هو الفتوة وإنفض الغبار عن تلك الواقعة إذ أتضح أن سماحة كان من الأساس ومن قديم طامعا فى الفتونة ويتمنى الإستحواذ عليها وأن الصدفة قادته إلى إستغلال ذلك الشجار العنيف الذى دار بين أبيه شمس الدين وسمعة كى يحقق مآربه....

الحلقة القادمة بعنوان " سارق النعمة " اضغط من هنا

يتبع