7- جلال صاحب الجلالة ( حلقة 7)

" ملحمة الحرافيش " هى إحدى الرويات العظيمة للكاتب العالمى الحائز على نوبل " نجيب محفوظ" والتى أتشرف بعرض ملخص دقيق لها غير مخل بأحداثها الكثيرة فى مدونة " إبداع القلم"، وهى بحق رواية ممتعة خصبة ودسمة بالأحداث والتى تعكس ذلك الصراع الأبدى بين الخير والشر وقد كان من نهج نجيب محفوظ الترميز فى أعماله القصصية فجعل من الحارة المصرية رمزا للوطن وأبناء الحارة هم الجمهور والفتوات هم رمز للسلطة وفى هذه الرواية أظهر تباينا بين سلوك من تولوا السلطة أو الفتونة فى هذه الحارة منذ ظهور عاشور الناجى مرورا بأحفاده الذين تباينوا بين الخير والشر وبين حب أهل الحارة وبين التجبر عليهم، وسأعرض للملخص فى حلقات كثيرة آملا فى المتابعة المستمرة لكل ما هو شيق تقدمه المدونة خدمة للقارئ العربى فى زمن عز فيه الكتاب وغلا ثمنه وشحت فيه الأوقات المتاحة للقراءة، فإلى سلسلة ملحمة الحرافيش والحلقة السابعة بعنوان " جلال صاحب الجلالة "......

7- جلال صاحب الجلالة ( حلقة 7)

جلال صاحب الجلالة ( حلقة 7)

الحلقة السابقة بعنوان " شهد الملكة " اضغط هنا

تيتم كلا من جلال وراضى وأصاب مصرع زهيرة المفجع المعلم عزيز الناجى بحزن عميق تسبب فى رقده على الفراش لعدة أشهر مريضا إثر الفالج ثم ما لبث أن توفى وحزنت والدته عزيزة عليه حزنا مهلكا وإحتراما لوصية إبنها فقد ضمت راضى ابن المعلم محمد أنور إلى دارها أما أخوه جلال فقد أخذه أبوه عبد ربه الفران...

كان مشهد مصرع زهيرة راسخا فى مخيلة جلال لا يبارحها مما أثر عليه وتسبب فى أن تغشاه كآبة مزمنة وأصبح يتساءل فى سريرته عن معنى الموت وبسبب ما ورثه عن أمه من ثروة طائلة (كان عبد ربه وصيا عليه فى إنفاقها) أصبح يعيش مع أبيه فى دار محترمة وأصبح عبد ربه مالكا لفرن بعد أن كان مجرد فران ولكنه كان يديره إدارة سيئة ويبدد كثيرا من عائده على إدمانه للخمور وإرتياد الخمارة وبالرغم مما سبق كان يعامل إبنه معاملة حسنة لأنه يذكره بملامحه الجميلة بوالدته زهيرة التى أحبها حبا ملك عليه جوانحه...    

كان أشد ما يحز فى نفس جلال هو معايرته من قبل صبية الحارة بنسبه لأمه الموصومة فى الحارة بالشؤم والمزواجة والمرأة التى تجلب المصائب مما كان يضطر جلال فى أحيان كثيرة للدخول فى معارك مع هؤلاء الصبية وكان دائما ينتصر عليهم مما كان يفرض عليهم الصمت فى نهاية الأمر وفيما عدا ذلك كان جلال صبيا متسامحا طيبا وحدث أن إلتقى فى الكتاب بأخيه من أمه راضى وعلى الرغم من معرفته لسيرة أبيه محمد أنور المتسبب فى مصرع والدتهما إلا أنه لم يجعل ذلك حائلا بينه وبين أخيه فكلاهما يعانى من نفس الجرح وكلاهما قد تألم ونتج عن صداقتهما تلك أن جلال أصبح يمكنه إرتياد دار المعلم عزيز مما أتاح له رؤية عزيزة هانم وألفت هانم وكذا الفتاة قمر صغرى بنات المعلم عزيز وقد كانت فتاة جميلة خفيفة الروح وتصغره بعامين....

عندما صار جلال مراهقا شارك أبيه فى إدارة الفرن وأثبت فى ذلك ذكاءا وشطارة وعندما وجد أن ثروته تتبدد على يد أبيه المبذر واجهه بذلك وحدث بينهما إتفاق مفاده ترك الإدارة بأكملها فى يد جلال على أن يعطيه مصروفا يكفيه ويكفى مستلزماته ووافق عبد ربه راضيا سعيدا أن إبنه أصبح بالغا يمكن الإعتماد عليه...

فى أثناء ذلك قام راضى بشراء محل للغلال وذلك بما ورثه من مال وتزوج من نعيمة حفيدة نوح الغراب وقد شجع ذلك جلال على الإقدام على نفس الخطوة فطلب يد قمر من عزيزة ولكن طلبه قوبل بالرفض من قبل عزيزة وألفت بسبب أصله وسابق ذكرى ما حدث من أمه ولكن قمر كانت مرحبة بهذا الزواج وأفصحت لهما بعدم قبولها للزواج من غيره وفى سبيل ذلك إمتنعت عن الطعام وأصابها هزال مما إضطر ألفت فى نهاية المطاف لقبول جلال كزوج لإبنتها وبخاصة أن عزيزة قد أوصت قبيل وفاتها مباشرة بإرضاء حفيدتها قمر إذ تزامنت وفاة عزيزة مع هذه الأحداث....

خطب جلال قمر وأعتبر أن ذلك أفضل شئ قد حدث له فى حياته وفى أثناء فترة الخطبة كان يكثر من الهدايا التى يهديها لها ولكن يحدث أن تتوعك قمر بوعكة ترتفع خلالها حرارتها بصورة بالغة وتلزم الفراش لفترة لتتوفى فى نهاية الأمر...

وفاة قمر المفاجئة كانت سببا فى تغير الدنيا فى وجه جلال وعاودته من جديد شجونه بسبب الموت وقد أصبح الموت بما يجره من بلايا هاجسا لا يبارحه وإنتابته أفكار غريبة داخل نفسه فهو يريد الإنتصار على الموت وهزيمته وأصبح تائها هائما فى الحارة بلا هدف وتخلى عن العمل لوكيله...

ويتوقف كذلك جلال عن دفع الإتاوة المفروضة عليه لسمكة العلاج فتوة الحارة بل إجتاحته قوة غريبة مفاجئة نابعة من اللا مبالاة بكل شئ فلم يتردد من مواجهة سمكة العلاج ونجح فى هزيمته كى يصبح هو الفتوة بلا منازع وبجلال عادت الفتونة إلى سلسال آل الناجى....

كان الأمر بمثابة مفاجأة للأب ولجميع أهل الحارة وأخذوا يمنون أنفسهم بعهد جديد للفتونة قريب الشبه بعهود عاشور وشمس الدين....

تحدى جلال جميع الفتوات وحالفه النصر عليهم جميعهم فأصبح هو الفتوة الذى لا ينازعه أحد ومر زمن ليس بالهين دون أى تغيير فيما عهده أهل الحارة من فتونة سيئة المسلك تبطش بالناس وتفرض إتاوات مفرطة مما دفع المحيطون به أن يسألوه عن تأخره فى التغيير ولكن إتضح للجميع أنه قد أصبح ذو أفكار غريبة فهو يرى أن أهل الحارة أدنى وأقل من إستحقاق أى خير وذلك لأنهم يستسلمون للموت!!! وهكذا فلم يكن جلال هو الباعث لعهد الناجى!!!

أثرى جلال بسبب ما فرضه من إتاوات فقام بتشييد العمارات وإمتلك الأراضى ولم يعر الحرافيش إهتماما ولم يبالى بتذكيره بعهد الناجى والغريب أن ذلك لم يكن لإنجذاب لمغريات الحياة ولكن لإزدراءه بهمومهم ولإستهانته بمشكلاتهم بل إنه كان بطبعه أكثر ميلا للزهد وإحتقار مطالب البدن وكأن ما يدفعه إلى حب التملك والإستحواذ قوة عمياء مجهولة جوهرها القلق والخوف كأنما كان يتحصن بما يملكه من مال من الموت...

لم يكن جلال من مدمنى الخمر أو من عاشقى النساء ولكن حدث أن إقتحمت حياته إمرأة تدعى زينات الشقراء وهى من بائعات الهوى والتى أخذت تتدلل عليه وتغريه بما فى الحياة من مباهج يجب عليه تجربتها وهكذا أصبحت عشيقة لجلال وقامت بتعليمه كل الأشياء التى كان قديما يحاول تجنبها ونتج عن ذلك أن سيرته تداولتها الألسنة فأصبح بالنسبة للناس فى مصاف أسوأ فتوات الحارة مما دفع أبوه وأخوه راضى إلى مناشدته الزواج ولكنه لم يعر نصحهم إهتماما...

أما أبوه فقد تزوج من إبنة زويلة الفسخانى وهى فتاة فى العشرين وبزواجه منها تبدلت حاله فأصبح يميل إلى التدين ولم يعد يرتاد الخمارة...

سمع جلال عن المعلم عبد الخالق العطار الذى يزعمون نجاحه فى إرجاع الشيوخ إلى صباهم بفضل وصفاته الطبية فلجأ إليه وألمح إليه بأمنيته الغريبة بالخلود فى هذه الحياة وبالرغم من تحذير العطار له بأن ذلك شئ لا يريده المؤمنون ولكنه تحت إلحاح جلال أشار عليه بالتوجه إلى شخص يقوم بتحضير الجان ويدعى شاور ولجأ إليه جلال فى سرية وطلب منه شاور الإتيان ببعض الأمور حتى يتسنى للجنى مؤاخته فيخلد فى هذه الحياة وعن هذه الأمور فقد كانت بناء مئذنة من عشر طوابق لا تتصل بأية مسجد وأن يوقف عمارة كبرى من عماراته على إحدى جاريات شاور تكفيرا عن هذه المعصية وأخيرا الإعتكاف لمدة عام كامل فى غرفته لا يرى أحد ولا يراه أحد مهما كانت الأسباب وأنه فى اليوم الأخير لذلك الإعتكاف سيلتحم مع الجنى وهكذا معه لن يذوق الموت!!!!!

وافق جلال وأعتبر ذلك معركة كبرى يجب أن ينتصر فيها وترك كل شئ وقاطع زينات الشقراء وقاطع رجاله وجعل تابعا له وهو مؤنس العال بمثابة الفتوة بالرغم من أنه كان أقل منه فى القوة كثيرا مما أثر كثيرا على حال الفتونة وأنذر بمناوشات مع فتوات الحارات المجاورة وقد برر جلال ذلك الإعتكاف بأنه وفاء لنذر قد نذره!!!

إعتبرت زينات إنصراف جلال عنها بمثابة لطمة أو صفعة تلقتها وحاولت مرارا أن تعرف سببا لذلك فلم تفلح وحاولت إخراجه من ذلك الإعتكاف ولكن دون جدوى وفى أثناء إعتكافه كان يتم بناء المئذنة العجيبة التى أثارت دهشة كل من رآها من الناس لعدم وجود هدف أو غرض من بناءها...

ويمر العام ويعود جلال للتعامل مع الناس ويعود لمقابلة زينات ويرى المئذنة للمرة الأولى وكان يجيب من يسأله عنها بأن بناءها تتمة للنذر الذى نذره على نفسه...

نجح جلال فى إعادة الهيبة لحارته من جديد والتى تناقصت أثناء عام إعتكافه ولأنه توهم الإطمئنان للمستقبل فقد تغير أسلوب حياته إذ إزداد نهما وشراهة للأكل وأكثر من شرب الخمور والمخدرات وأصبح لا يكتفى بإمرأة واحدة كزينات بل كان يحضر الكثير من الغوانى والمومسات وأصبحت زينات إمرأة على هامش حياته الماجنة...

أنجب عبد ربه على كبر ذكرا أسماه خالد وكان لا يكف عن نصح إبنه بالإقلاع عن هذه الحياة الماجنة المليئة بالعربدة ونصحه بالزواج وسبحان الله فالوالد الفاسق سابقا أصبح هو الناصح لأبنه الذى كان حتى عهد قريب هو الناصح لأبيه!!!!!

لم يعد جلال يكثرت بزينات ولكن فى أحد الأيام أتت على خاطره فطلب حضورها إليه كى تكون خليلة له فى هذه الليلة، أما زينات فلطالما إنتظرت دعواه لها وتمنتها وهى قد أحزنها ما رأته منه سابقا من صد وعدم مبالاة وبخاصة عقب خروجه من عزلته (الغير مفهومة الأسباب) كما أنها نقمت منه ما واجهها به عقب خروجه من عزلته من تيه وتكبر لما يظنه قد حظى به عقب هذه الخلوة من شباب دائم وقوة لا يستطيع كائن مجاراتها (فهو قد ظن أنه بتنفيذه طلبات الدجال شاور قد حظى بحصانة ضد الموت) وإنتهزت زينات هذه الفرصة وقامت بدس السم له فى أحد كؤوس الخمر التى كان يعبها وعندما سرى السم فى بدنه أخذ يترنح عاريا تماما من ملابسه وخرج من داره فى الظلام الدامس حتى تعثر فى حوض الدواب وإنحنى عليه كى يشرب منه، فإذا به بما له من ثقل بدن يتدلى فيه وأصبح جسده ملوثا بروث البهائم وصار منظر جثته بشعا يبعث على إشمئزاز من يراه وصار مصرعه بهذه الهيئة رواية يتندر بها الناس جيلا بعد جيل.... 

الحلقة القادمة بعنوان " الأشباح " اضغط من هنا

 يتبع