6- شهد الملكة ( حلقة 6)

" ملحمة الحرافيش " هى إحدى الرويات العظيمة للكاتب العالمى الحائز على نوبل " نجيب محفوظ" والتى أتشرف بعرض ملخص دقيق لها غير مخل بأحداثها الكثيرة فى مدونة " إبداع القلم"، وهى بحق رواية ممتعة خصبة ودسمة بالأحداث والتى تعكس ذلك الصراع الأبدى بين الخير والشر وقد كان من نهج نجيب محفوظ الترميز فى أعماله القصصية فجعل من الحارة المصرية رمزا للوطن وأبناء الحارة هم الجمهور والفتوات هم رمز للسلطة وفى هذه الرواية أظهر تباينا بين سلوك من تولوا السلطة أو الفتونة فى هذه الحارة منذ ظهور عاشور الناجى مرورا بأحفاده الذين تباينوا بين الخير والشر وبين حب أهل الحارة وبين التجبر عليهم، وسأعرض للملخص فى حلقات كثيرة آملا فى المتابعة المستمرة لكل ما هو شيق تقدمه المدونة خدمة للقارئ العربى فى زمن عز فيه الكتاب وغلا ثمنه وشحت فيه الأوقات المتاحة للقراءة، فإلى سلسلة ملحمة الحرافيش والحلقة السادسة بعنوان " شهد الملكة "......

6- شهد الملكة ( حلقة 6)

6- شهد الملكة ( حلقة 6)

الحلقة السابقة بعنوان " قرة عينى" اضغط من هنا

خطبت عزيزة لنجلها عزيز الفتاة ألفت الدهشورى كريمة عامر الدهشورى صاحب وكالة الحديد والتى تم زفافها إليه بعد مرور عام على وفاة جده سماحة وأقام معها فى دار البنان مع والدته وقد كان عزيز محبا لزوجته وسعيدا بإقترانه بها...

عندما كان رمانة فى السجن يقضى عقوبته التى نالها لقتله الشيخة ضياء أرملة خضر، كانت رئيفة         – وللغرابة الشديدة – تحرص على زيارته بإستمرار وذلك لأنها ورغم كل شئ كانت تحبه حبا خالصا وهى قد ترملت من آخر أزواجها الذى ورثت عنه أموالا طائلة ولكنها ظلت على نفورها ومقتها لأختها فكانتا لا تتبادلان الزيارات بل كانت كلا منهما تتهم الأخرى بأنها سبب كل شر حاق بها....

ذات يوم توفى أحد عمال عزيز والذى تصادف أنه ينتمى لآل الناجى ولكن من الفروع الفقيرة المنحدرة من فتحية الزوجة الأولى لسليمان الناجى وهذا العامل كانت له زوجة وإبنة لا تجاوز الستة أعوام تدعى زهيرة وحرصا على مستقبلهما فقد أمر لهما بمعاش شهرى كما قام بضم الإبنة إلى داره كى تكون فى خدمة أمه ورعايتها وبالفعل كانت والدته عزيزة ترعاها وأرسلتها إلى الكتاب وخلال ذلك لم يتصادف أن رأى الفتاة بسبب قضاءه لمعظم وقته فى العمل وبعد مرور عشرة أعوام على وفاة الأب جاءته والدة زهيرة تطلب منه مباركة زواج إبنتها من شاب فران يدعى عبد ربه وقد كانت والدة عزيز تضن بالفتاة زهيرة من أن تتزوج من مثل عبد ربه الفران فهى تراها تستحق من هو أفضل حالا ولكنها وافقت على مضض على تلك الزيجة إذعانا لإلحاح أمها، وبسبب ما يحيط بتلك الزيجة فقد تصادف أن شاهد عزيز زهيرة للمرة الأولى كفتاة بالغة فبهر بجمالها الفائق ولكنه لم يفصح لأحد بما دار فى عقله من إنبهار رغم أنه كان يتمناها لنفسه....

وتزف زهيرة إلى عبد ربه فى حفل متواضع، وقد كان عبد ربه يعتبر نفسه قد حاز الدنيا لأنه تزوج بزهيرة الجميلة التى كان الجميع يحسده عليها ويستكثرها عليه، أما زهيرة فعلى الرغم من قلة ذات اليد لعبد ربه إلا إنها كانت معجبة بفحولته وقوته ولكنها تشتاق كذلك إلى الفردوس الذى فقدته بتركها لدار عزيز وبسبب ما يعانيه عبد ربه من فقر فقد طلب من زهيرة أن تساعده فى المعيشة فأضطرت مرغمة أن تسرح بالملبن وبراغيث الست وكانت أثناء تجوالها تستمتع بالنظرات النهمة الجائعة لكال من يراها من الرجال....

أنجبت زهيرة لعبد ربه إبنهما جلال وقنعت بأن عبد ربه هو قدرها الذى يجب أن ترضاه...

فى أحد الأيام طلبت رئيفة من عبد ربه وهو قادم لها بالخبز أن تجئ زوجته مع إبنها كى تكون فى خدمتها وأقنعته بأن هذا أفضل لها دون شك من التجوال فى الشوارع وتوافق زهيرة على مضض لسابق علمها بالكراهية التى بين الشقيقتين رئيفة وعزيزة التى لها فضل فى تربيتها وبالفعل فإن خدمتها فى بيت رئيفة أثار حنق عزيزة ولكن ألفت زوجة إبنها أقنعتها بأنها فتاة تسعى لرزقها وهذا حق لها ويبدو أنها تقول ذلك لخشيتها من عودة زهيرة للدار...

جذب جمال زهيرة المعلم محمد أنور- وهو إبن زوج رئيفة المتوفى-  وذلك أثناء زياراته المتكررة لأرملة أبيه وكان فى قرارة نفسه يتمناها زوجة له ويستكثر أن يكون مثل عبد ربه الفران هو زوجها وقد لاحظت زهيرة إعجابه بها وحينئذ لعبت برأسها الأحلام وتاقت نفسها للثراء ورأت أن من فى مثل جمالها جديرة بمن هو أفضل من عبد ربه وعندما أيقنت أن محمد أنور يسعى وراءها يتمنى الظفر بها أضمرت التخلص من زوجها وفى سبيل ذلك إنتهزت فرصة صداع ألم برأس رئيفة فقامت بالبيات معها فى بيتها مما إستفز عبد ربه خاصة أن توعك رئيفة بسيط لا يستوجب البيات معها للعناية بها وعلى إثر ذلك الخلاف لطمها على وجهها وحينئذ إستجارت زهيرة برئيفة وزعمت لها أن عبد ربه يريد منعها من القدوم إليها لخدمتها مما أغاظ رئيفة التى أجبرت عبد ربه عن طريق نوح الغراب (فتوة الحارة) على تطليق زهيرة فأضطر عبد ربه إلى ذلك مرغما خوفا من بطش الفتوة ونتيجة لهذه الواقعة استشعر الذل والمهانة فأصبح محتسيا للخمر راجيا النسيان...

تحررت زهيرة من عبد ربه مما شجع محمد أنور على أن يطلب الزواج منها رسميا ولكن ذلك أغضب رئيفة وإعتبرت ذلك كان مخططا له فنعتت زهيرة بالخائنة الخبيثة ولكن زهيرة لم تبال لغضبها...

أصبحت زهيرة الآن تنعم بكل ما تتمتع به أى هانم ولكنها لم تكن تبادل المعلم محمد أنور الحب فأحلامها كانت تزين لها الإقتران برجل ذى مهابة كعزيز الناجى ولذلك فإنها كانت تعامل محمد أنور بجفاء ولا تطيع أوامره والتى لم تكن تعدو ألا تخرج من المنزل كثيرا كما يحلو لها ولكنه أمام جمالها الآخاذ يضطر إلى الرضا وتستغل زهيرة أحد خلافاتها مع المعلم محمد أنور وتذهب إلى عزيز الناجى - كراعى لها منذ كانت طفلة يتيمة وكفرد من آل الناجى التى تنتسب لها- كى تشكو له من معاملة زوجها محمد أنور فيقوم بتهدئتها ويكلم بالفعل صديقه محمد أنور فى شأن زهيرة ولكن نتج عن مجئ زهيرة له أن عاوده الحنين القديم لها...

أنجبت زهيرة من المعلم محمد أنور إبنها الثانى راضى ففرح به أيما فرح وإزداد سعادة بزواجه من زهيرة وكى يستجذب رضاها عنه باع لها صوريا منزلا يملكه وقد فرحت بما فعله لها فى البداية ولكن ما لبث أن عاودتها طبيعتها المتنمرة المتمردة...

وعندما رآها نوح الغراب فى أحد تجوالاتها طمع فيها، فمارس مع محمد أنور نفس اللعبة التى مارسها مع عبد ربه من قبل ولكن ليس محمد أنور كعبد ربه فهو ذو مكانة وذو كرامة فيستجير بالمأمور فؤاد عبد التواب وعليه فقد ذهب جبريل الفص شيخ الحارة إلى نوح الغراب داعيا إياه لزيارة المأمور وملمحا له فى أدب يكتنفه الوعيد بما يفيد حماية المعلم محمد أنور فيفهم نوح الغراب الرسالة وأن المأمور لن يتهاون عن رد أى مكروه يصيب محمد أنور وقد كان فى إستجارة محمد أنور بالمأمور حدث فريد لم يسبقه فيه أحد...

وذات يوم يرى فؤاد عبد التواب زهيرة فينجذب إليها هو الآخر فيضمر إستغلال الموقف وعليه فقد حاول إقناع محمد أنور بتطليقها بزعم أنه لا يثق فى إستجابة نوح الغراب رغم وعيده له وهكذا يستشعر محمد أنور أن المأمور يتخلى عنه فيرى أن الهرب من هذه الحارة بصحبة زهيرة وإبنه أفضل شئ ولكن زهيرة ترفض لأنها لا تريد أن تكون طريدة ونتيجة لهذا الرفض حدث شجار بينه وبينها حاول خلاله ضربها ولكنها صرخت مستغيثة فيجئ نوح الغراب ورجاله ويخلصونها منه ويهرب محمد أنور وحده من الحارة...

بعد فترة قصيرة قصدت زهيرة المعلم عزيز الناجى ترجوه مساعدتها فى الحصول على الطلاق من زوجها محمد أنور لأنه حاول قتلها وهرب من الحارة وبالفعل تحصل على الطلاق منه غيابيا...

فى أحد الأيام يأتيها جبريل الفص شيخ الحارة برسالة مفادها أن المأمور فؤاد عبد التواب يطلب يدها ولكنها فى قرارة نفسها تراه غير ملائم إذ أنه متزوج وليس ثريا كنوح الغراب أو عزيز الناجى الذى طالما تمنت الإقتران به وفى نفس الوقت جاءها نوح الغراب طالبا يدها فتضع له شرطا تظنها يعجزه وهو أن يطلق زوجاته الأربع ولكنه يستجيب ويطلقهم بالفعل وحينئذ لم يكن هناك بد من إجابة طلبه والزواج منه بالرغم من أنها كانت لا تحبه ولكن فى نفس الوقت فإنها رأت فى إقترانها به إقتران بالمال والقوة إذ أن نوح كان غنيا جدا لما كان يفرضه من إتاوات يبالغ فى جمعها....

أثناء الزفاف تحدث معركة مع فتوة العطوف يكون من نتائجها أن يلقى نوح الغراب مصرعه قبل دخوله على زهيرة ويبدو أن فؤاد عبد التواب هو الذى يقف وراء أحداث وأسباب هذه المعركة إنتقاما من نوح وهكذا يشاء الله أن ترث زهيرة من نوح ثروة لا بأس بها دون أن يمس جسدها وكم أسعدها ذلك ولكنها إغتمت فى نفس الوقت عندما عرفت أن هذه الحادثة تسببت فى وصمها فى الحارة بالمرأة الشؤم التى تجئ بالخراب على من يتزوج منها...

يعاود المأمور فؤاد عبد التواب طلبه وتخشى زهيرة على نفسها من مؤامراته فتستعين بعزيز وتطلب منه الحماية فيسعى عزيز بفضل علاقاته بمسئولين فى نقل المأمور ويحدث ذلك بالفعل ويتم نقله إلى الصعيد ليرتاح منه الجميع...

عندما قدمت إلى عزيز الناجى كى تشكره على صنيعه أخذت تغريه بكلمات موحية نجحت بالفعل فى التأثير عليه إذ ما لبث أن عزم على الزواج منها بالرغم من معارضة والدته وحزن زوجته ألفت ويتزوج منها لينعم معها بكل مشاعر الحب ولتنعم هى كذلك بكل ما طمحت وتاقت إليه منذ ميلادها ومنذ وفودها على بيت والدته كيتيمة وتنجب له ثالث أبناءها شمس الدين وكانت تعاكس الزمن إذ كلما مر الزمن كانت تزداد شبابا فى نفس الوقت الذى كان ينحدر فيه زوجها نحو الشيخوخة...

وتأتى الخاتمة، إذ ذات يوم وهى محاطة بالشحاذين الطامعين فى عطاياها يتقدم إليها محمد أنور الذى يأخذ فى ضربها بعصا غليظة مما تسبب فى مصرعها ويبكى أبناؤها جلال وراضى الذين شاء لهم القدر مشاهدة الخاتمة الرهيبة والمصرع المفجع لوالدتهما... 

الحلقة القادمة بعنوان " جلال صاحب الجلالة " اضغط هنا

يتبع