5- الكلب

هو أحد الحيوانات التى تم ذكرها فى القرآن الكريم، وذلك فى موضعين أحدهما هو مع فتية الكهف والآخر بالتشبيه به لمن يبيعون كلام الله من أجل الدنيا الفانية، ولكل ذلك سنستعرض فى المقال التالى حيوان الكلب من جميع النواحى وذلك فى أحد حلقات سلسلة " الحيوان فى القرآن الكريم"، فإلى المقال...

5- الكلب

5- الكلب

الكلب هو أول حيوان استأنسه الإنسان، وارتبط كل منهما بالآخر، وتولدت بينهما صداقة أخذت تنمو خلال العصور، لما يتمتع به الكلب من صفات الوفاء والإخلاص للإنسان وقدرته الكبيرة في الصبر وتحمل المشاق والشجاعة…

للرجوع إلى مقال عن أشهر الكلاب عبر التاريخ اضغط من هنا

والكلب هو حيوان من اللبائن المشيمية، ويتبع فصيلة الكلبيات (Family: Canidae) ، من الضواري (Placental mamals) )، واسمه العلمي Canis familiaris. وقد استأنسه الإنسان منذ 14000-15000سنة. وقد وجدت هياكل عظام كلاب في الدانمارك وإنجلترا واليابان وألمانيا والصين، ترجع لعصور ما قبل التاريخ. وقد وُجدت سُلالة من الكلاب السلجوقية في مقابر قدماء المصريين، وكانت تُحنط منذ سنة 2100 قبل الميلاد بجوار الفراعنة داخل الأهرامات. واستطاع الرومان والإغريق إنتاج سلالات منها… ويقال: إن الكلب هو أول حيوان استأنسه الإنسان، وكان لسكان الكهوف منذ آلاف السنين كلابُهم الأليفة… والكلاب والذئاب تربطها قرابة وثيقة…

وتنتشر فصائل الكلاب في جميع قارات العالم ـ ما عدا القطب الجنوبي ـ وفي الأحراش والغابات بالمناطق المعتلة والمطيرة، وبالصحراء والجبال والتندرا. وتتجول الكلاب في مناطق شاسعة لحراستها من الذئاب (Wolves)، أو للبحث عن الطعام….

ويوجد العديد من أنواع الكلاب وسلالاتها، مثل:كلب الصيد، كلب الحقول، كلب الرعاة، كلب الحراسة، كلب بوليسي، كلب الزلاقات (لجرّ العربات على الجليد)… وكانت الكلاب يتخذها الإنسان في الحراسة والصيد وجرّ العربات. كما كانت تُستخدم في الحرب للحراسة وحمل الرسائل… وهناك الكلاب المدربة التي تقود العميان والصُم في الشوارع، والعمل المنزلي كتنبيه الصُم لجرس التليفون أو الباب، أو قيادة الأعمى للتجول داخل البيت أو عبور الشارع… وبعض أنواع الكلاب تتسم بحاسة شم قوية، ولهذا فإنها تُدرب علي مهام أخرى كالكشف عن المخدرات والمفرقعات والديناميت والنمل الفارسي والغرقى في أعماق الماء. ويمكن استعمال الكلاب المدربة في البحث عن المفقودين في الزلازل والحرائق، وبعض الكلاب يمكنها التصنت علي الأصوات التي لا يسمعها الإنسان بأذنيه، حتى إن الكلب يستطيع أن يسمع دقات الساعة على بُعد 40 قدما….

الكلب وذكره فى القرآن:

نصا فى موضعين أساسين هما الآتى:

أولا : تم ذكر الكلب في القرآن الكريم كأحد الحيوانات الأليفة التي ترافق الإنسان من خلال قصة الكلب الذي اشتهر برفقتهِ لأصحاب الكهف الذين ذكرهم الله جلَّ شأنه في الآيتين الثامنة عشرة والثانية والعشرين من سورة الكهف، في قوله جلَّ شأنه: «وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ»، وقوله جلَّ شأنه: «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً». وكلب أهل الكهف كان إما للصيد أو للحراسة على ما اتفق عليه العلماء....

والمعنى أن الكلب الذي كان مع أصحاب الكهف أصابه ما أصابهم من النوم وقت حراسته، فكان باسطاً ذراعيه بالوصيد، أي الباب، أو فنائه، وكما ذكرهم الله ذكر كلبهم، ويقال: كلبٌ بسط يده على وصيد الأولياء فإلى القيامة يقال: « وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ »، ويقال: كما كرَّر ذكرهم، كرر ذكر كلبهم..

وعن قصة أهل الكهف وكلبهم فهى فى الأغلب أنهم كانوا ثلاث فتية من أولاد الملوك وكان جميع أهل قريتهم يعبدون من دون الله أوثانا وكواكب ونجوم، ولكن الله جعل هؤلاء الفتية يهتدون بدين الفطرة ويعلمون أنه لا إله إلا الله، ولكنهم بسبب هذا الكفر الظاهر من جميع من حولهم لم يستطيعوا أن يبوحوا بإيمانهم لأحد، وجاء يوم بمثابة عيد يقدمون فيه القرابين للأوثان فرغبوا عن مشاركة أهليهم ذلك العيد وتذرعوا بالحجج وخرجوا كل على حدة لا يعرف كل منهم بإيمان الآخر، وشاء الله أن يتقابلوا معا فى الطريق ولا يبوح أحد للآخر عن السبب الحقيقى لعزوفه عن الإحتفال حتى تشجع أحدهم وقال ( إلى متى يظل القوم على عبادة الضلال والشرك؟) فعرفوا بالتدريج أنهم أتحدوا فى الإيمان بالله، وكان على مقربة منهم كهف وكانوا متعبين فأتفقوا على الإستلقاء داخل الكهف ثم ينظرون بعد ذلك أمرهم، وعندما أستلقوا فى الكهف بصحبة كلبهم ضرب الله على آذانهم، وناموا جميعهم بمن فيهم الكلب، وقد جعل الله صورتهم مهيبة حتى يخشى أى إنسان أو دابة أو سبع من الإقتراب منهم وبذلك حفظهم الله، ثم جعلهم يتقلبون فى مواضعم للحفاظ على أجسادهم من التآكل إذا ما بقيت أجسادهم على وضع واحد، ثم شاء الله أن يغمرهم ضياء الشمس مرتين يوميا إحداهما عند سطوع الشمس والأخرى عند مغيبها، ولم يجعلها سبحانه فوقهم فى فترة الظهيرة حتى لا تهلكهم ( وقد أثبت العلم أن ضياء الشمس فى فترتى الصباح الباكر أو المغيب هى التى تفيد جسم الإنسان) وقد ظلوا فى الكهف ثلاثمائة وتسع سنين (يقال أنها بحساب السنوات الشمسية ثلاثمائة عام أما بحساب السنوات القمرية تصبح ثلاثمائة وتسع) نيام لا يشعرون بالسنوات والدهور التى تمر حتى شاء الله لهم أن يستيقظوا معا فى ذات اللحظة وهم غير مدركين لما وقع لهم يظن أحدهم ويستكثر أنهم ناموا يوما بليلة كاملة ويظن آخر أنهم لم يناموا سوى جزء من يوم....

وهذه القصة تأخذنا إلى مشكلة فقهية عن مدى جواز إقتناء الكلب وفى ذلك الآتى:

عند إتخاذه للمساعدة فى الصيد وفى ذلك يكون الصَّيْد صيْداً حلالاً إذا أَخذ الكلبُ الصيدَ وأمسكه حتى يجيئ إليه صاحبه، وكان الصائد قد ذكر اسم الله عند إرساله للصيد، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعَدِيِّ بن حاتم رضي الله عنه: «إذا أرسلتَ كلبك المعلَّم وذكرتَ اسم الله فكُلْ» متفق عليه.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَن اقتنى كلباً إلا كلبَ صيدٍ أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان» أخرجه البخاري ومسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أو صيد أو زرْع نقص من أجره كل يوم قيراط» أخرجه البخاري ومسلم.

أى أنه يجوز إقتناء الكلب لأغراض الصيد والحراسة وما استجد من مهارات للكلب ككشف المخدرات والمفرقعات وخلافه ، أما خلاف ذلك فهو مكروه تواجد الكلب مع الإنسان وبخاصة فى محيط واحد من البناء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب) رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه (كتاب الطهارة).

ومادام اقتناء الكلب لغير منفعة ضرورية يؤدى إلى نقصان أجر ممسكه، يكون إمساكه، أى اقتناؤه، إثم، لأنه لا ينقص الأجر إلاّ الإثم، ‎‎ وأما سبب نقصان الأجر، فقيل: لامتناع الملائكة من دخول بيته، أو لما يلحق المارّين من الأذى، أو عقوبة له لاتخاذه ما نهى عن اتخاذه، أو لكثرة أكله النجاسات، أو لأن بعضها شيطان، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها، فربما تنجس الطاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطاهر، أو لكراهة رائحتها أما أقربها إلى ظاهر الحديث، أن نقصان الأجر عقوبة لمخالفة النهي. أما سبب النهي فلجميع ما ذُكـــر، ويــزاد عليهـــا مــا يترتب على اقتنائها من أمراض خطيرة، كما أن تربية الكلاب للهواية مُحرّمة، كما أنها من العادات السيئة، وفيها إسراف بالإنفاق عليها ومعالجتها، وانتقال الأمراض منها إلى الإنسان…!!

وهذا لا يتعارض أبدا مع الرفق بالحيوان بتركه فى بيئته التى خلقها الله له مادام لا يؤذى أحدا ، ومساعدته على الحصول على الطعام بأية بواقى من المنزل وعدم الإعتداء عليه أو إخافته وكل هذا يجب أن يحدث مع أى حيوان وليس الكلب خاصة....

ثانيا:  وتم ذكره كذلك فى الآيتين 176 و177 من سورة الأعراف في قول الله جلَّ شأنه «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ/ ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».

وقيل أنها تشبيه لمن يتخذ علمه وتقواه سلعة يشترى بها دنياه ويؤثرها على آخرته وهو ما قد يتم الإصطلاح عليه ب"علماء السلطان " أو علماء السوء الذين يغيرون من تفسير كلام الله حسب الأهواء وفى ذلك هناك شخصان مرجحان لذلك التشبيه القرآنى وهما:

  • بلعام بن باعوراء:

وقد عاش في زمن النبيّ موسى عليه السلام، وكان صالحاً قد أوتي الكثير من آيات الله، ومنها استجابة الدعاء، وما أعظمها من آية للعالَمِين، غير أنّ خاتمته كانت سيئة، إذ طلب منه جبّارو الأرض المباركة أن يدعو على موسى، فأبى بادئ الأمر، ثمّ قدّموا له الهدايا وأقنعوا امرأته أن تُلِحّ عليه في الطلب، فاستخار الله ورأى في منامه من يأمره ألّا يفعل، غير أنّهم ما فتئوا يُلِحُّون عليه حتّى وافق، ويُروى أنّه ركب حماره وصعد به جبلاً يُشْرِفُ على المكان الذي يتواجد به جيش موسى ليدعو عليه، فمنعت الملائكةُ الحمار من الصعود وبَرَكَ في الطريق، ومع ذلك استمرّ بلعام وصار يدعو بكلمات يُريد بها الدعاء على موسى فتتحوّل لكلمات دعاء على الجبّارين، ورغم ذلك لم يتُب ونصح الجبّارين أن يُزيِّنوا النساء لبني إسرائيل ويُمكّنوهم من أنفسهنّ بالزنا، ففعلوا، وصارت مفسدة عظيمة في بني إسرائيل الذين سارعوا لاقترافه، حتّى أنّ أحدهم جلب امرأةً جميلةً لموسى وأعلن كفره أمامه بوصايا التوراة ونهيها عن الزنا، ثمّ نزل عليهم رجزٌ من السماء هو الطاعون، وقتل سبعين ألفاً منهم في يومٍ واحد.

أمّا بلعام فقد اندلع لسانُه على صدره وصار مثل الكلب اللاهث، وهذا في الدنيا، والله أعلم عمّا يكون نصيبه من العذاب في الآخرة، وهناك إعجاز لغوي كبير في الكلمة التي وردت في القرآن الكريم لوصف كُفْره بآيات الله التي أُوتِيها، وهي «انسلخ» لأنّ الانسلاخ من الشيء صعب إن كان الشىء نعمة عظيمة، والشىء هنا هو آيات الله التي لم تُؤتى إلّا للأنبياء عليهم السلام، وشخص تمتّع بنعمة كهذه وهو ليس نبيّ ثمّ يكفر بها فلا شكّ أنّه من أغرب الشخصيات على مرّ التاريخ البشري الطويل!. ولقد كان بداخل هذا العالم بلعام شىء ما سىء؛ ألا وهو حب المكانة والمنزلة أو حب الشهرة والرئاسة، فكان يطلب العلم حبًّا فى المكانة الإجتماعية وليس حبا وتقديرا لأوامر الله ونواهيه....

  • أمية أبى الصلت:

كذلك يرجح أن يكون صاحب هذا النبأ ممن كان للعرب إلمام بمجمل خبره، كأمية بن أبي الصلت الثقفي… وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (كاد أمية أبي الصلت أن يُسلم) وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم (آمنَ شعره وكفرَ قلبه ) يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحّد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض، وأحوال الآخرة، والجنة النار، والثواب والعقاب، واسم الله وأسماء الأنبياء. وروى عن أمية أنه قال لمـــا مرِض مرَض موته: ( أنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد)....

عن التشبيه بالكلب ولهاثه:

كل شىء يلهث فإنما يلهث بسبب إعياء وعطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال التعب  وحال الراحة، وحال المرض وحال الصحة، وحال الإرتواء وحال العطش، فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته، فقال: إن وعظته ضَلَّ وإن تركته ضَلَّ، فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث، كقوله تعالى: «سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ»، وقوله تعالى: «وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ».

ثم اختلف أهل التأويـل فـي السبب الذى من أجله جعل الله مثله كمثل الكلب، فقال بعضهم: مثَّله به فـي اللهث لتركه العمل بكتاب الله وآياته التـي آتاها إياه وإعراضه عن مواعظ الله التـي فـيها إعراض من لـم يؤته الله شيئاً من ذلك، فقال جلّ ثناؤه فـيه: إذا كان سواء أمره وُعظ بآيات الله التـي آتاها إياه، أم لـم يُوعظ فـي أنه لا يتعظ بها، ولا يترك الكفر به، فمثله مثل الكلب الذي سواء أمره فـي لهثه، طرد أو لـم يُطرد، إذ كان لا يترك اللهث بحال.

وعن اللهث لدى الكلاب، فهذا أبو السعود (ت951هـ) يقول (في تفسيره “إرشاد العقل السليم” ): واللهث هو تدلى اللسان المصحوب بالتنفس الشديد، أى هو ضيق الحال، مكروب دائم اللهث، سواء هيجته وأزعجته بالطرد العنيف، أو تركته على حاله، فإنه في الكلاب طبع، لا تقدر على نفض الهواء الساخن وجلب الهواء البارد بسهولة، لضعف قلبها وانقطاع فؤادها، بخلاف سائر الحيوانات، فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد ولا يلحقها الكربُ والمضايقة إلا عند التعب والإعياء… وهذا محمد الطاهر بن عاشور (ت1393هـ) يقول (في تفسيره “التحرير والتنوير”): واللهث: سرعة التنفس مع امتداد اللسان لضيق النفس، ويذهب الشيخ محمد متولى الشعراوي (في تفسيره “خواطر” ) إلى تفرّد الكلب من بين الحيوانات باللهث في كل أحواله، فالحيوانات تلهث إذا كانت جائعة أو متعبة أو مهاجمة، ولكن الكلب يلهث جائعاً أو شبعانا، عطشانا أو غير عطشان، مزجوراً أو غير مزجوراً، إنه يلهث دائماً. ثم هو أيضاً يصل إلى مغزى ضرب المثل القرآنى لتشبيه الذي أخلد إلى الأرض بعد إذ أتاه الله آياته (علمه)، وذلك لأن الذي يظهر بهذه الصورة تجده مكروبا دائماً، لأنه متبع لهواه، وتتحكم فيه الشهوات. وحين تتحقق له شهوة الآن، يتساءل هل سيفعل مثلها غدا ؟ وتتملك الشهوة كل وقته، لذلك يعيش في كـرب مستمر، لأنه يخاف أن يفوته النعيم أو أن يفوت هو النعيم، ويصير حاله كحال الكلب، يلهث آمناً أو غير آمن، جائعاً أو غير جائع، عطشانا أو غير عطشان.

أما عن لهــث الــكلب، من الناحية الفسيولوجية ، فإنه تبلغ درجة الحرارة الطبيعية لجسم الكلب 38.6م، وهى أعلى من درجة جسم الإنسان المعتادة، والبالغة 37م. وإذا كان جسم الإنسان يفرز عرقا من غدده العرقية من أجل تبريد الحرارة إذا ارتفعت عن الدرجة المعتادة، فإن الكلب يسلك مسلكا آخر هو “اللهث”، فيخرج لسانه ويلهث حتى عند الراحة، فيلهث بسرعة 10- 30 لهثه (أو نَفَسَ ) في الدقيقة. ولكن بعد بذل مجهود أو التعرض لخطر ما، فإنه يلهث بأكثر من عشرة أضعاف هذا المعدل. ويضطر الكلب لأن يلهث، في التعب والراحة، لعدم وفرة غدده العرقية (التي لا توجد سوى في وسادات أقدامه)، فهى لذلك لا تسهم في خفض درجة حرارة جسمه إلاّ بقدر ضئيل.

 ولمزيد من التفصيل، فإن تدلى لسان الكلب وفتح فمه أثناء اللهث يؤدى إلى إدخال أكبر كمية ممكنة من الهواء الجوي إلى الجهاز التنفسي، وخلالها يتم تبخير جزء من الماء الموجود في الأنسجة التي يمرّ بها الهواء، وبالتالي تنخفض درجة حرارة الجسم… كما يسلك الكلب مسلكا مساعداً، فيلحس أرجله من جسمه، ويبلل لسانه بلعابه، فيتبخر هذا اللعاب، وهو ما يفيده في خفض درجة حرارة جسمه…

لقد شبه الله تعالى علماء السوء بأشنع وأقبح ما يمكن للخيال أن يتصوره، شبههم بصورة الكلب اللاهث الذي لا يكف عن اللهث...

سبحان الله العظيم